
مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
التــوازن الصــعب!
بـريــد الأهــرام
42907
السنة 127-العدد
2004
مايو
28
9 من ربيع الاخر 1425 هـ
الجمعة
انا فتاه عمري33 سنة, جامعية وعلي مستوي اجتماعي وثقافي ومادي فوق المتوسط, والدي طبيب ووالدتي موجهة لغة انجليزية وأخي وأختي جامعيان وانا اصغر اخوتي,وقد ولدت بإحدي الدول العربية حيث كان يعمل والدي ووالدتي وعشت هناك أجمل سنوات عمري حتي حصولي علي الثانوية العامة بمجموع كبير وعدت الي مصر والتحقت بجامعة القاهرة وتخرجت فيها.
ومنذ3 سنوات جاءت لي فرصة للعمل كسكرتيرة تنفيذية لمدير مشروع بشركة أجنبية باحدي المدن البعيدة, وبعد معارضة واختلاف في وجهات النظر مع الأسرة كلها استطعت السفر والعمل هناك لكي أثبت لنفسي قدرتي علي العمل في أحلك الظروف ولكي اعتمد علي نفسي وأكون شخصية مستقلة, وبعد فترة أحببت زميلي في العمل هناك بعد أن التقت نظراتنا منذ أول يوم التقينا فيه وصارحني بحبه وطلب مني الزواج, واعترفت له بحبي ولكني خشيت رفض والدي له نظرا لضعف إمكاناته المالية وعلينا تأجيل مشروع الزواج حتي يستطيع تحسين ظروفه المالية, وتعمق حبنا مع الأيام, وأصبحنا لا نستطيع أن نفترق عن بعضنا, ولعدم قدرتي علي فعل الحرام وخشيتي من أن أفعل أي شيء يغضب الله ونتيجة لحظة اندفاع غير محسوبة العواقب فقد تزوجنا عرفيا, ولم أكن أعلم في ذلك الوقت أن زواج البكر حتي ولو كانت كبيرة السن لا يجوز بغير ولي, وعشنا أنا وزوجي اياما غير محسوبة من الزمن وكانت أجمل أيام عمرنا وأقمنا معا بعد أن أخبرنا80% من زملائنا بالعمل بحقيقة زواجنا كما علم أهله جميعا بالخبر وكذلك أصدقائي ولكن لم نحجب حقيقة زواجنا سوي عن أهلي.
وبعد انتهاء المشروع هناك وعودتنا الي القاهرة بفترة أخبرتني صديقتي أنها شاهدت أحد الدعاة يقول في التليفزيون ان الزواج بدون معرفة الولي يعتبر باطلا وبالتالي وبناء علي اتفاق مع زوجي توقفت تماما العلاقة الزوجية بيننا ولكن ظللنا علي حبنا وتعاهدنا علي أن نكون لبعضنا الي النهاية وعلي أننا سنتزوج عندما تتحسن الظروف ويجد فرصة عمل مناسبة, ولم يكن حتي ذلك الوقت قد وجدها, وحين وجد العمل واستطاع تحسين ظروفه وبدأنا الاستعداد ليتقدم لأهلي ويطلب الزواج مني علم والدي بأمر زواجنا نتيجة لتفاصيل كثيرة لا أستطيع ذكرها الآن, وكانت كارثة الكوارث بجميع المقاييس إذ لا تتخيل مدي ما نالني من كل أفراد العائلة كما أقسم والدي بأنه لن يزوجني شرعيا من زوجي وحبيبي ما حييت حتي ولو كان آخر رجل في الدنيا, وبأنني لو أردت الزواج منه فيجب أن أترك المنزل وسيغضب علي الي يوم الدين, وأنه حتي يستطيع أن يسامحني بمرور الزمن فعلي أن ألازم المنزل وأنسي هذا الشخص تماما حتي أكفر عن ذنبي وحتي يقضي الله في أمرا كان مفعولا.
وأنا الآن لا أستطيع الاختيار فكلا الاختيارين مر كالعلقم, لأنه يخيرني بين أن أبتر يدي اليمني أو أن أبتر يدي اليسري, فأنا وزوجي نحب بعضنا ونريد الزواج شرعيا أمام كل الناس وان نواصل حياتنا معا, ووالدي يرفض ويتوعدني بالويل والثبور وعظائم الأمور لو فعلت ذلك وخرجت علي طاعته. وحتي بعد أن اتصلنا بدار الإفتاء أنا وابنة عمتي وأخبرنا الشيخ بأن الشرع يحتم علينا الزواج وبعد أن التجأت لكل افراد العائلة وحاولوا إقناعه بلا جدوي مازال والدي مصرا علي موقفه ولا يتراجع عنه, وبعد فترة قرر أنه من الممكن أن يزوجني من حبيب عمري علي أن يطلقني منه في اليوم نفسه, ولكنني رفضت ورجوته أن يسمح لي بالزواج منه وألا يغضب علي, وألا يدعو علي بالشر كما يفعل, ولكن بلا فائدة فهو لا يريد أن يتزحزح عن موقفه.
إنني أرجوك أن تتحدث الي والدي وتحاول إقناعه بأن يسامحني ويغفر لي خطيئتي في حقه وحق أخي وحق الجميع, وأخبره بأنني نادمة أشد الندم علي ما فعلت في حقه وأنني أدعو الله في كل صلاة أن يسامحني ربي ويسامحني والدي, وأرجوك أن تناشده بأن يكرمني ويرضي بزواجي ويدعو لي بالخير وألا يغضب علي لعل الأيام تثبت له أن زوجي انسان أمين وسأكون سعيدة معه, فهل تفعل؟.. إنه يقرأ لك ويقتنع بآرائك فهل تكتب له كلمة؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
أسأت الي نفسك والي إأبيك وأهلك باقدامك علي هذه الخطوة المصيرية بعيدا عن الأهل وبغير اذن وليك الشرعي أو قبوله, فلماذا اقدمت عليها وانت تدركين جيدا ماسوف يترتب عليها من تبعات ومشكلات؟
ولماذا لم تصبري علي نفسك الي ان يتقدم اليك فتاك بالسبل المألوفة وينجح في تذليل الصعاب التي تعترض طريق ارتباطه بك؟
إنك لست فتاة غرة في الثامنة عشرة من عمرها وإنما فتاة ناضجة تخطت الثلاثين, وكان من واجبك ان تسلكي الطريق المألوف للزواج والارتباط, وليس طريق الزواج العرفي السري بالنسبة للأهل, ووالدك محق بكل تأكيد في غضبه منك واستشعاره لجرح الكرامة والخروج علي طاعته, لكني بالرغم من ذلك سوف احاول ان اخاطب فيه الأب العادل الذي قد يغضب علي بعض ابنائه, وقد يرضي عنهم, لكنه في الحالين هو دائما من أهل الفضل الذين قال عنهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه انهم اذا رضوا لم يدخلهم الرضا في باطل, واذا غضبوا لم يخرجهم الغضب عن حق, واذا قدروا عفوا.. نعم ياسيدي واذا قدروا عفوا فهذا هو قدر الآباء الرحماء دائما قد يغضبون لكنهم ابدا لايسمحون لغضبهم ان يصل الي حد الانتقام, وقد يألمون لكنهم ابدا لايسمحون لآلامهم أن تحرم أبناءهم مما يرون فيه سعادتهم وهناءهم حتي ولو لم يرضوا عن بعض اختياراتهم في الحياة, ولا يستجيبون لانفعالات الغضب وجرح الكرامة إلي النهاية, وإنما يتعالون بعد قليل علي جراحهم ويضحون ببعض اعتباراتهم, ويواصلون العطاء لابنائهم, وهم يحتسبون عطاءهم هذا عند ربهم, ولأنه من أهل الفضل هؤلاء, فإنني أناشد أباك أن يكتفي من العقاب لك علي فعلتك هذه بما مضي من الرفض والاستنكار, وأن يعيد النظر في موقفه من ارتباطك بهذا الشاب, ويحقق التوازن الصعب بين الاعتبارات العائلية والاجتماعية التي يحرص عليها, وبين رغبتك فيمن تريدين مشاركته رحلة الحياة, وليس ذلك بالأمر السهل لكنه أيضا ليس بالمستحيل علي أهل الفضل من الآباء, وإني لأرجو ألا يرد رجائي وألا يطول الانتظار حتي يقرر الاكتفاء بما حدث حتي الآن, ويمنحك مباركته لاختيارك مهما تكن تحفظاته عليه.. ويدع لك الفرصة لخوض التجربة في العلن وفي ظلال مباركة الأهل وتحت أنظارهم وليس بعيدا عنهم.. أو وأنت مقطوعة الصلة بهم.