
مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
طيف الغائب!
بـريــد الأهــرام
42858
السنة 128-العدد
2004
ابريل
9
19 من صفر 1425 هـ
الجمعة
تعودت أن أحتفظ بصفحات بريد الجمعة لأرجع لقراءتها وأستعيد مابين سطورها بحثا عن السكينة والهدوء النفسي وتعزية لما يثقلني من هموم ومصاعب في رحلة الأيام.
فأنا أبلغ من العمر63 عاما قضيتها في صراع مع الحياة للتغلب علي الظروف الصعبة وتربية الأبناء.
وقد وفقني الله وأعانني علي أداء هذه الرسالة, وأنهي الأبناء دراستهم وتزوج ابني الأكبر وابنتي وأخيرا ابني الثاني ياسر الذي استشهد في حادث سيارة برأس سدر في أثناء سعيه وراء الرزق بعد أن أوصدت أبواب الوظيفة أمامه, وتخرجت ابنتي الأخري وحصلت علي ليسانس الحقوق وحصل ابني الآخر علي(دبلوم سياحة وفنادق) والابن الاصغر علي دبلوم السيارات, وبخروجي علي المعاش أصبحت أدير مشروعا تجاريا بسيطا استثمارا للوقت وتحقيقا لتوفير الرخاء والسعادة للأسرة لما أقدمه لهم من مساعدة بجانب المعاش.
ولقد استشهد ابني وعمره28 عاما وكان أعز الأبناء وصفوتهم لما يتميز به من أخلاق وطاعة وحب وانتماء, وترك وراءه نهرا من الأحزان وترك الدنيا بمتاعبها وشقائها, وكان عوني وسندي في مواجهة الأعاصير, وكان الأمل والنور الذي نستضئ به ومميزا في تصرفاته وهدوئه وعقلانيته وذهب ليلقي ربه ومولاه ولله ما أعطي ولله ما أخذ, وعندما قرأت رسالة اللحظات الرهيبة في بريد الجمعة4 أبريل2003 التي يصف فيها الأب اللحظات الأخيرة من وداع ابنه الراحل, هدأت نفسي واحتسبته عند خالقه وأسأل الله أن يرزقنا الصبر عند الابتلاء وأن يعوضنا عوض الصابرين
فذكري ياسر باقية في القلب ولن تمحوها الأيام حتي انتهاء الأجل.حيث استشهد في2003/9/2 ومازالت صورته لاتفارق عيني, وانني لأكتب اليك هذه الرسالة والدموع تنساب من عيني دون إرادة مني.
لقد رأيته في المنام ثلاث مرات وأزوره في قبره دون انقطاع وأدعو له بالرحمة وأصلي علي روحه الطاهرة ركعتين مع صلاة الفجر, وأتصدق علي روحه, ولكن الفراق صعب, وتقاسمني في هذا الشعور أمه فقد كان حبها الوحيد, وكذلك أرملته التي لم تهنأ بصحبته سوي أربعة أشهر ولا أملك الا الصبر عند الابتلاء, إنا لله وانا اليه راجعون.
وما أطلبه منك هو أن أجد العزاء والسلوي في مواجهة هذه الصدمة وهذا الزلزال الذي أصابني في مقتل, لقد كتبت له وصيتي قبل استشهاده, والآن أصبحت شاردا غائبا عن وعيي بعد أن فقدت أغلي الأبناء والأخ والصديق. وهكذا شاءت ارادة الله أن يغيب وأن يطويه القبر ويتوسده التراب.. وأن يتركني لدموع لا تتوقف وحزن لا ينضب.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
قدر الله وما شاء فعل ياسيدي, ولسنا نملك في النهاية إلا الامتثال لمشيئته والتسليم بقضائه وقدره, ومحاولة التخفيف عن أنفسنا والاقتناع بأنه لا جدوي لاستغراقنا في الحزن, سوي أن تضعف مقاومتنا وتنهار صحتنا وتفترسنا الهموم والأحزان.
إن من يرحلون عنا لايغيبون عنا برحيلهم عن الحياة وإنما يعيشون دوما في وجداننا, ويشاركوننا خواطرنا وأفكارنا, وتطوف بنا أطيافهم فتهدئ لوعتنا وتخفف حسرتنا لفراقهم, وتجفف بعض دمعنا عليهم, خفف الله عنك وعن أمثالك من المكلومين وعوضكم جميعا عمن فقدتم خير الجزاء.