منتدى المحاسبين المصريين

منتدى المحاسبين المصريين (https://www.aliahmedali.com/forum/index.php)
-   إستراحة الأعضاء (https://www.aliahmedali.com/forum/forumdisplay.php?f=12)
-   -   قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع (https://www.aliahmedali.com/forum/showthread.php?t=6743)

ايمان حسن 07-13-2009 11:14 AM

قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بيني و بين كلماته نوع من الغرام ..

أثر علي كثيراً .. كنت أقرأ تجاربه و أضع نفسي مكانه فأنبهر بذكائه و بساطته و طيبته.. و قلبه الكبير الذي حمل متسعاً لكل الآخرين ..

مقالاته البسيطة أحب إلي من أكثر الكتب دسامة و امتلاء.

من الصعب أن يحتل أحدهم مكانة في قلبك عبر حبر و أوراق .. و تشعر بأنك رأيته كل يوم .. كأنه أحد أفراد أسرتك التي تحبها .. إذا قرأت له .. شعرت أنه يروي لك حكاية لا بد أن تسمعها .. تشعر بأنه يعنيك أنت في كل كلمة .. و كأنه يلقي النظر على حياتك من بعيد .. أؤمن أن من لم يقرأ كلماته خسر الكثير مما كان يمكنه أن يتعلمه منه .. و لو استطعت لوزعت كتبه على كل الشباب و الفتيات .. ربما وجدوا فيها بعض ما فقدوه .. أو بعض ما احتاجوه و لم يجدوه ..

و من أجمل ما تميز به عبد الوهاب مطاوع هو مناداته لكل من يقرأ له بكلمة ( يا صديقي ) مما يقربه من القاريء الشاب الذي يحتاج إلى هذه الكلمة كثيراً.. فيلقى الحكي أثره في نفسه.


عكفت على شراء كتبه التي تحتوي على مقالاته الإنسانية منذ سن مبكرة كلما أتيحت لي الفرصة ، و لم أحاول أن أشتري مختاراته من بريد الجمعة بجريدة الأهرام التي كانت تطبع في كتب و قد يرد ذلك إلى أنني أصاب بالحزن وحدي و لا أحتاج إلى جرعات أكبر منه لأحزن على آخرين يعانون من مشاكل تفوق تفاهاتي ومعوقات حياتي الصغيرة .. و لأنني صراحة كنت أشعر بالخجل من مدى تفاهتي أمام تلك المشاكل التي يعيش فيها آخرون يتحلون بصبر و حكمة و قوة لم أتحل بها يوماً .


كتب عبد الوهاب مطاوع كثيراً عن شخصيات أحبها و لم يرها أبداً..

و قد تعرف بهذه الشخصيات عن طريق كتب لعظماء أو أدباء ..

و من أكثر الشخصيات التي لفتت انتباهي بشكل شخصي أنا أيضاً هي شخصية وردت في الجزء الثالث من أحب كتب الدكتور طه حسين إلى نفس عبد الوهاب مطاوع .. ألا و هو سيرته الذاتية الأيام .. فورد في كتابه (( إندهش يا صديقي )) ما يلي :


" كتب طه حسين عن هذه الشخصية أنه كان زميلاً له في دراسة الليسانس بالسوربون في باريس و انه كان شابا ًمجتهداً طيب النفس يدرس و يكد و لكنه يعاني من عقدة مع اللغة اللاتينية. و قد تقدم للامتحان أكثر من مرة فما أن يمسك بورقة اللاتينية التي ينبغي عليه أن يترجمهاإلى الفرنسية و يقرأها حتى ينهض و يسلم ورقة الإجابة بيضاء من غير سوء و هو يردد لنفسه بيتاً من الشعر اللاتيني عن اليأس و الرجاء و ينصرف غير محبط و لا منهار و هو يؤكد لنفسه أنه لا بد من نيل درجة الليسانس و إن طال العناء ، ثم يعيش حياته العادية بلا حزن و لا اكتئاب و يواصل دراسته في انتظار الفرصة القادمة ، و في إحدى هذه المرات تقدم معه طه جسين للامتحان و كان قد تزوج قبلها بشهور و أقام في شقة متواضعة بالدور السادس من بيت ليس به مصعد بالقرب من السوربون ، فكرر الصديق نفس القصة و غادر الامتحان يردد بيت الشعر اللاتيني .. أما طه حسين فقد واصل الامتحان .. و انتظر نتيجة الليسانس مشفقاً من الفشل و ذات مساء كان في شقته الصغيرة .. حين ظهرت نتيجة الامتحان و نجح هو و رسب صديقه ، فإذا بهذا الصديق الوفي يقطع المسافة بين السوربون و بيت طه حسين جرياً و يصعد الأدوار الستة قفزاً و يدق الجرس فتفتح له زوجة صديقه فيزف إليها البشرى في سعادة طاغية و هو يلهث و يرفض الدخول ليستريح و إنما يستدير من فوره ليهبط الدرج مسرعاً .. فتلاحقه بكلمات الشكر و هو يهبط ثم تتذكر أنه زميل زوجها فتسأله عن نتيجته فيجيبها بنفس النبرات المبتهجة التي أبلغها بها خبر نجاح شريك حياتها : رسبت .. و لكن غداً يوم جدبد !
و تعود الزوجة الشابة إلى زوجها متعجبة لهذه الروح العالية و تتمنى لزميل زوجها التوفيق ، أما هو فإنه ياصل كفاحه بلا ملل .. و بلا لوم للظروف .. و بلا إحساس بالنقص .. و بلا غيرة لمن تقدموا عليه و كان هو من يتقدمهم .. لأنه لا لوم إلا لنفسه و يتقدم للامتحان مرة بعد مرة حتى إذا تسلم ورقة اللاتينية ذات امتحان يعرف على الفور أن يومه المنتظر قد جاء فلا يتركها إلا و قد أتم ترجمتها على أحسن ما يرام و ينال درجته التي طال انتظاره لها و استحقها بكفاحه و صفاء نفسه و ترفعها على الحقد و الغيرة و الكراهية ثم ينفتح الطريق بعد ذلك أمامه و يحصل لى الدتوراه و يعود لبلاده ليعمل أستاذاً في جامعاتها و قد اقترن اسمه باسم الجامعة التي أمضى سنوات طويلة و هو يجاهد ظروفه فيها لينال شهاداتها .. فإذا باسمه الذي يتصدر مؤلفاته العلمية و مقالاته بعد ذلك و إلى أن يرحل عن الحياة هو الدكتور صبري السوربوني "


لفت نظر عبد الوهاب مطاوع علو نفس الدكتور صبري ..
نفسه التي لم تنصرف عن أهدافها إلى لوم الآخرين أو الحقد عليهم ..
و هذا نادر جداً.
و عكف عبد الوهاب مطاوع على زرع الأمل في نفوس قرائه الذين اعتمدوا على كلماته ليستمدوا بعض القوة التي تعينهم على المضي قدماً في حياتهم واقفين على أقدامهم و سائرين بعزم و همة نحو ما قد تخبئه لهم الأيام من ألم أو بسمة .
و ذكر في كتاب له أنه عندما كان تلميذاً بالصف الثالث الابتدائي و تحديداً في فصل ثالثة ثان كان يسمع مدرس فصله يعقد مقارنة بين تلاميذ فصله و بين تلاميذ فصل آخر يدعى ثالثة أول ، فبينما يركض و يصرخ و يلعب أبناء فصل ثالثة ثان بين الحصص يجلس أبناء فصل ثالثة أول في هدوء يفتحون كتبهم و يحضرون للحصة المقبلة ، و بينما تلاميذ ثالثة ثان همجيون يتدافعون نحو الباب بعد سماع جرس نهاية اليوم المدرسي ينصرف تلاميذ ثالثة أول بهدوء و نظام نحو باب الفصل حيث يتمنى كل منهم لزميله يوماً طيباً بصحبة والديه .
و أثارت مقارنة المدرس و حديثه عن ثالثة أول العديد من التساؤلات في نفس عبد الوهاب الصغير فيسأل نفسه عن حكمة الخالق في أن خلقه من جنس ثالثة ثان ليكون منحطاً همجياً – على حد قوله – و لم يخلقه من جنس ثالثة أول هؤلاء الملائكة الأذكياء.. !
و مرض عبد الوهاب في إحدى الأيام فتعذر عليه الذهاب إلى المدرسة ، ثم أتى بعد شفائه بشهادة مرضية كان يجب عليه أن يسلمها للناظر و كان قد أعياه التفكير في تلاميذ ثالثة أول و أثار فضوله أن يراهم ، فعرج عليهم في طريقه إلى الناظر فرأى مجموعة من الأطفال يتدافعون و يتعاركون و يتصارخون و يتصافعون كأنهم شياطين صغار ، فلم يرَ كتباً مفتوحة و لا أحداً يتمنى يوماً طيباً للآخر!
ثم مضى في طريقه إلى مكتب الناظر و دخل إليه فوجد أستاذه هناك يحدثه ولم ينتبه لتواجد عبد الوهاب ، فسمع أستاذه يشكو للناظر من سوء سلوك تلاميذ ثالثة أول الذين لا يمكن السيطرة عليهم و عندما علل الناظر ذلك بضعف إشرافه قال المدرس أنه مشرف على تلاميذ ثالثة ثان و هم ممتازون و أذكياء..!
أدرك عبد الوهاب في هذه اللحظة درساً هاماً بعدما اهتزت بداخله الكثير من الأشياء ألا و هو أنه لا يوجد أبناء ثالثة أول المثاليون السعداء أبداً ، و كبر و ترسخ ذلك المفهوم بداخله و استنتج أن كل الناس ثالثة ثان صدقوا ذلك أو لم يصدقوه ، فتعلم ألا يتمنى لنفسه حياة غيره و أن يجتهد بالمتاح مؤدياً واجبه بكل ما استطاع من طاقة و إتقان و إخلاص ثم يدع المستقبل بعد ذلك لما تقضي به إرادة الله.. و يقول عبد الوهاب مطاوع :


" كل البشر يتصورون أن الآخرين أسعد حالاً منهم و يعذبون أنفسهم ليس فقط بطلب السعادة لأنفسهم و إنما أيضاً بالأمل في أن يكونوا أكثر سعادة من الآخرين .. و هو أمل يرى المفكر الفرنسي مونتسيكو أنه مستحيل لسبب هام هو أننا نعتقد دائماً أن الآخرين أسعد حالاً مما هم عليه في الواقع "


كان دائماً يدفع الآخرين نحو اكتشاف أنفسهم و الثقة بقدراتهم لأنه يثق بأن المستقبل بهم و باجتهادهم ، بإيمان الجميع بقدرتهم على تخطي الحواجز و العقبات فيقول مخاطباً شباب القارئين بمقاله :


" إعرف قدراتك جيداً يا صديقي و حاول أن توجهها إلى الطريق الذي تلمع فيه و تنمو ، و لن يتحقق لك ذلك إلا إذا عرفت بدقة نقاط قوتك و تميزك الحقيقية و نقاط ضعفك ، ليس من الضروري أن يكون كل الناس عباقرة و لا موهوبين و إنما من الضروري فقط أن يختار كل إنسان لنفسه المجال الصحيح الذي يعبر فيه عن نفسه و تنطلق فيه قدراته فأنت إنسان أولاً و أخيراً و الإنسان كما كان يقول شكسبير على لسان هاملت هو أعجب مخلوقات هذا الكون ما اعظمه .. و ما أغربه ... فما أعظمك يا صديقي إذا عرفت حدود قدراتك و ما أضعفك و ما أغربك إذا عميت عنها و غرقت في أوهامك .... "

و يقول أيضاً :
" كل إنسان يستطيع أن يجد مهاماً عظيمة يؤديها للبشرية إذا أدى واجبه بإخلاص و جعل من نفسه كائناً بشرياً مفيداً لمن حوله و لمجتمعه الصغير و الكبير .. بل و يستطيع ذلك أيضاً إذا كف أذاه عن الآخرين و حافظ على الحياة و أضاف إليها .. فإماطة الأذى عن الطريق أي رفعه عنه شعبة من شعب الإيمان . كما يقول الحديث الشريف .. و عمل له قيمة ، فما بالك بكف أذى الإنسان عن غيره .. و خدمة الحياة بالعطاء لها في أي مجال ؟ "


نصح كثيراً بالترفع عن أخطاء الآخرين بحقنا و بالسمو على ما قد يسببونه لنا من أذى أو ألم أو سوء و سئل في إحدى المرات عن أفضل وسيلة للانتقام ممن يسيئون إلينا فأجاب أن أفضل وسيلة للانتقام منهم هو ألا نصير مثلهم فلا نسلك سلوكياتهم المريضة الجاهلة في حياتنا فنترفع عن الرد عليها مما سيزيد شعورهم بحقارتهم و تفاهة شأنهم و ضآلتهم و انحراف أخلاقياتهم .
قدم عبد الوهاب مطاوع كتاباً اسمه (( قدمت أعذاري )) و ضم هذا الكتاب عدداً من مقالات الثقافة الدينية المطروحة برقة و بساطة و جمال و رشاقة ندر أن يستخدمها كاتب في هذا النوع من المقالات و ينجح في إيصال المعلومة الراقية بسهولة و يسر .. و قال عن كتابه هذا ..


" هذا كتاب يختلف عن كل ما أصدرت من كتب جاوزت حتى الآن الثلاثين عدداً ! فهو ليس مجموعة مختارة من قصص بريد الجمعة كما هو شأن بعض كتبي ، و لا هو محموعة من الصور الإنسانية و المقالات الأدبية كحال كتبي الأخرى ، و لا هو أيضاً مجموعة من القصص الرومانسية القصيرة كحال بعض كتبي الأخيرة ، و إنما هو – إذا صح التعبير- تسبيحة خاشعة بعظمة الخالق سبحانه و تعالى ، و عريضة استغفار و استرحام أتقدم بها إلى الأعتاب الإلهية راجياً بها عفو ربي و مغفرته و رحمته التي وسعت كل شيء و لا امل لأمثالي من المقصرين في غيرها يوم العرض العظيم ..
عبد الوهاب مطاوع "


و من أجمل فكر هذا الكتاب فكرة فهم الإنسان لدينه و أثر ذلك على حياته :
" كلما ازداد الإنسان فهماً لدينه ازداد إقبالاً على الحياة و انتفاعاً بها .. و استمتاعاً بمتعها المشروعة العديدة ، و قويت همته أيضاً على استثمار رحلته القصيرة في الأرض فيما يقربه من ربه و يرشحه للسعادة الأبدية في الدار الآخرة "

و عن صورة المؤمنين في ذهنه يقول :
" المؤمنون الحقيقيون يفرحون بتوبة التائب كما تفرح بها السماء و لا يعيرون أحداً بما كان منه في ماضي الزمان .
و هم أهل ظرف و سماحة و ذوق رفيع في التعامل مع الآخرين و ليسوا أبداً أهل غلظة و جفاء و كآبة و قتامة . يعملون و يتعبدون و يخدمون الحياة و يغرسون نخيلاً لا تجني ثماره إلا الأجيال القادمة كما يحثهم على ذلك دينهم .. و يستمتعون بأوقاتهم و بالصداقة الخالصة لوجه الله و يروحون عن قلوبهم ساعة بعد أخرى حتى لا تكل قلوبهم لأن القلوب إذا كلت عميت .. "


الحكي عن عبد الوهاب مطاوع و الوقوف على ما كتب يستحق أكثر بكثير مما قيل و مما نقول و مما سيقال..

و المقام هنا أكبر من أن يقول أمثالي أي شيء .. لقد كان الأستاذ العظيم عبد الوهاب مطاوع مخلصاً شديد الإخلاص.. من هؤلاء النادرين الذين يغارون على الوطن و الأمة و يحملون على أكتافهم همومها و هموم أبنائها بلا كلل و لا ملل و لا حتى أدنى شكوى .. !

أعلم أن الأسطر تلك لا تفيه حقه .. و لكننا يجب أن نكتب لنشكره من أعماق قلوبنا .. و من خلايا عقولنا التي احتاجت له و لأمثاله كثيراً.. طوال سنوات عطائه السابقة .

منقول

فوكس 07-13-2009 08:24 PM

مشاركة: قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
فعلا من اجمل ما قرانت واستمتعت ببريد الجمعة خصوصا باسلوبه المميز الجميل
رحمه الله واسكنه فسيح جناته وخفف عنه كما كان يخخف على اصحاب الهموم

هشام حلمي شلبي 07-17-2009 07:53 AM

مشاركة: قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بـريــد الأهــرام

44783‏السنة 133-العدد2009يوليو17‏24 من رجب 1430 هـالجمعة
غلطة العمر

http://www.ahram.org.eg/archive/2009/7/17/44783_20m.jpg
لا أقصد من رسالتي هذه أن أكفر عن ذنبي فقط‏,‏ أو أعلن عن خطيئتي وندمي وتوبتي‏,‏ ولا أن أحذر كل فتاة مما تعرضت له‏,‏ نعم أنا أريد وأتمني من قلبي كل هذا‏,‏ ولكني أمد يدي مستجيرة بك لعلك تنقذني من الضياع الذي يجرفني ويشدني كما الموج القاسي‏,‏ وبعد أن أغراني بالعوم والسعادة‏,‏ يدعوني إلي السقوط في الأعماق‏.‏

حتما لا أريد أن أضع أمامك ألغازا‏,‏ ولكنها حالتي المتشابكة‏,‏ غلطة عمري الغائم‏,‏ هي التي تصعب علي البوح والاعتراف‏.‏ وليشهد الله علي أن كل كلمة أقولها هنا صادقة‏,‏ ولم أحذف من حكايتي إلا ما يخدش الحياء‏,‏ ومن حقيقتي إلا تغيير بعض المعلومات التي قد تكشف عن شخصيتي‏.‏

ولأبدأ بمن أنا‏,‏ لعل هذا يفسر لك‏,‏ لماذا أخطأت‏,‏ وأقول يفسر ولا يبرر‏,‏ فالفرق بينهما كبير‏!‏

أنا فتاة عمري‏28‏ عاما‏,‏ تربيت في أسرة بسيطة‏,‏ أب موظف شريف‏,‏ وأم متعلمة كانت تعمل ــ حتي سنوات قريبة ــ في وظيفة معقولة‏,‏ أعانت أبي في رحلة كفاحه‏.‏ لي شقيق يكبرني بخمس سنوات‏,‏ وشقيقة تسبقني بعامين‏,‏ كما تتفوق علي في الجمال وفي نوع الكلية التي تخرجت فيها‏.‏

إذن أنا الصغري‏,‏ وإن لم أكن المدللة‏,‏ فلم أكن متفوقة في دراستي منذ صغري‏,‏ علي عكس شقيقتي‏,‏ أضف إلي هذا فارق الجمال بيني وبين شقيقتي‏,‏ هذا الفارق الذي كان يثير في نفسي الغيرة والغضب بسبب التعليقات السخيفة التي كنت أسمعها طوال عمري من الأهل والجيران والأصدقاء‏,‏ تخرج شقيقي في الجامعة ووفقه الله بالسفر إلي الخليج بعد تخرجه بسنوات قليلة‏,‏ وعاد ليتزوج ويعود بزوجته ليمن عليه الله بالذرية الصالحة‏.‏ ولم يطل بقاء شقيقتي بعد تخرجها‏,‏ فتزوجت هي الأخري وانتقلت إلي حياة أفضل وأنجبت طفلة جميلة مثل أمها‏.‏

بقيت أنا وحدي‏,‏ بمؤهلي الجامعي المرطرط مع أمي الطيبة وأبي الذي خرج علي المعاش‏..‏ بحثت كثيرا عن وظيفة مدرسة‏,‏ سكرتيرة‏,‏ أي شئ‏,‏ ولكني فشلت‏.‏

هل تعرف سيدي معني أن تجلس فتاة متخرجة في الجامعة‏,‏ متوسطة الجمال‏,‏ لاتعمل‏,‏ مع أبوين علي المعاش‏,‏ في منطقة شعبية؟

معناه ملل علي ملل‏,‏ وإحباط ويأس ووحدة‏..‏ معناه عنوسة وإحساس بالفشل ووجع من كل نظرة عطف أو شفقة أو دعاء بالعدل من أمي أو قريباتي‏.‏

غرفتي هي ملاذي الوحيد‏,‏ مع جهاز كمبيوتر وكاسيت يمنيني بالحب وأوهام السعادة مع فارس تؤكد لي الأيام التي تتسرب أمام عيني أنه لن يأتي أبدا‏!‏

مللت من ألعاب الكمبيوتر‏,‏ ومن كل الأفلام القديمة والجديدة‏,‏ وهربت من قراءة القصص العاطفية ولم يبق أمامي إلا هو‏!..‏ كان شيء ما يباعد بيني وبينه‏,‏ ربما الخوف من المجهول أو تربيتي الدينية أو من ضعفي‏,‏ ولكن ذهبت إليه‏,‏ إلي عالم النت‏,‏ إلي الشات‏,‏ ليس بحثا عن متعة أو إثارة‏,‏ ولكنه الملل ياسيدي‏.‏

نصحتني صديقتي أن أسلي نفسي‏,‏ وألا أكشف عن شخصيتي ففعلت‏!‏

أختي العالية‏..‏ أعجبني أسلوبك في الكتابة‏..‏ يشرفني إضافتي علي إيميلك‏..‏ الوحيد المعذب‏,‏ جملا طاردتني وأغرتني‏,‏ حتي إخترت أكثرهم أدبا وذكاء‏..‏ كان ناعما مثل جلد الأفعي‏..‏ نجح في فهمي بسرعة شديدة‏,‏ احتواني‏,‏ منحني الأمان‏,‏ فاستسلمت تماما له‏.‏

سيدي‏..‏ لك أن تتصور مدي حرصي‏,‏ تراجعي‏,‏ ولكني فجأة أصبحت منشغلة بشخص يهتم بي‏,‏ يسليني ويسمعني‏.‏ طبعا في البداية لم أكشف له عن شخصيتي‏,‏ أما هو‏,‏ وثقة بي‏,‏ ولأنه بدأ يتعلق بي ووجد في فتاة أحلامه‏,‏ عرفني بنفسه‏,‏ محام أعزب‏,‏ عمره‏38‏ عاما‏,‏ غير متزوج‏,‏ يعيش في شقة فاخرة بمفرده‏,‏ يبحث عن بنت الحلال‏.‏ الطبيعي أن أري في نفسي هذه العروس التي أوشكت ــ إن لم تكن ــ تصبح عانسا‏,‏ ولأنه ماهر ومحترف‏,‏ ترك لي هاتفه كما ترك لي حرية الاتصال به والكشف عن شخصيتي‏,‏ ولم ينتظر طويلا‏.‏ أيام قليلة وأصبح يعرف عني كل شيء‏.‏

كان محترما لأقصي حد‏..‏ لم ينطق بكلمة واحدة خارجة‏,‏ ولكنه بدأ في الإلحاح بأن يراني‏,‏ كما رأيته‏,‏ فقد أرسل لي صورة عبر الإيميل الخاص بي‏,‏ فاستجبت له‏,‏ وأرسلت له صوري‏.‏ لم أصدق نفسي وأنا أسمع كلمات الإطراء منه‏,‏ لأول مرة أسمع جملة أنت أجمل فتاة رأيتها‏,‏ لاتغيب عن أذني كلماته التي تصف جمال عيني أو براءة ضحكتي‏..‏ كلمات لم أسمعها من قبل‏,‏ كانت تجعلني مثل قطعة الثلج التي تذوب من دفء الشمس‏.‏

ها أنا ولأول مرة في مواجهة نفسي‏:‏ أنثي‏.‏

تغيرت حياتي كما تغيرت ملامح وجهي وأصبحت مرآتي أكثر جمالا‏..‏ خشيت علي سري فلم أحك حتي لصديقتي‏.‏ بدأ يعلمني أشياء لم أكن أعرفها‏,‏ لا أنام إلا علي صوته وهو يدغدغ مشاعري فيجعلني أشعرللمرة الأولي بجسدي‏.‏

خطوته التالية كانت شديدة القسوة‏,‏ اختفي تماما‏,‏ لا يرد علي الهاتف‏,‏ ولا يظهر علي شاشة النت‏.‏ فقدت صوابي وبكيت كما لم أبك من قبل‏,‏ لماذا يختفي بعد أن يحادثني عن الزواج وعن حياتنا القادمة‏.‏

وكما اختفي فجأة‏,‏ ظهر فجأة‏,‏ وحكي لي أسبابا تبدو لأي عاقل كاذبة ومختلقة‏,‏ ولكني كالمنومة صدقته وقبلتها‏,‏ ولكن وهذا هو الأهم‏,‏ صرت لعبة في يديه‏,‏ يفعل بي ما يشاء‏.‏ طلب مني أن أشتري ويب كام حتي نري بعضنا البعض ونتحادث‏,‏ خاصة أني رفضت أن ألتقي به وهو لم يضغط علي‏,‏ بل أكد لي أن هذا زاده احتراما لي‏.‏

أراك ـ سيدي ـ فهمت ما حدث بعد ذلك‏,‏ نعم حدث ما قد تتخيله أنت وقراؤك‏..‏ مكالمات وضحكات وحنان وكلام دافيء وأجواء مثيرة وتحرر متدرج من الأفكار كما من الملابس‏..‏ كنت أسيرة له‏,‏ أفعل ما يريد‏,‏ وربما كنت أحتاج إليه‏,‏ كنت أرضيه‏..‏ ربما‏..‏ في البداية ندمت وعاتبته واعتذر لي‏,‏ ثم عدنا‏,‏ وكان طلبه التالي أن أذهب إليه في شقته ولكني رفضت بإصرار‏.‏

شيء ما تغير بدأ يلفت انتباهي‏,‏ نبرة صوته أصبحت أكثر جفافا‏..‏ الحديث عن الزواج أصبح يثير سخريته‏,‏ غيابه أصبح أمرا عاديا‏,‏ فإذا عاتبته سمعت ما لا يرضي أحدا‏..‏ قلت له سنقطع علاقتنا ففاجأني‏:‏ في ستين داهية‏.‏

انهرت يا سيدي أياما‏,‏ لا أفارق غرفتي‏,‏ ولا أستجيب لسؤالات أمي أو توسلاتها بأن أخرج للجلوس معها ومع والدي‏.‏ تمنيت أن تعود حياتي إلي ما قبل معرفته‏,‏ فقد كانت جنة مقارنة بما أنا فيه‏.‏

لم أفق مما أنا فيه إلا علي صدمة أكبر‏,‏ فوجئت برسالة منه علي إيميلي‏,‏ فتحتها لأجد كارثة‏,‏ إنها مشاهدي وأنا عارية‏..‏ لم أصدق نفسي انتهيت‏,‏ سارعت بالاتصال به‏,‏ وقبل أن أصرخ فيه‏,‏ وبصوت ثلجي بادرني‏:‏ إيه رأيك في القمر ده‏,‏ سببته و‏..‏ قبل أن أكمل فوجئت به يطلب مني مبلغ‏5‏ آلاف جنيه‏,‏ وإلا أرسل هذه المشاهد لكل المواقع‏,‏ توسلت إليه‏,‏ رجوته أن يمحوها ويتركني في حالي‏,‏ ولكنه كان قذرا‏,‏ وحتي لا أطيل عليك ولأني أوشكت الآن وأنا أكتب رسالتي علي السقوط‏,‏ بعت بعض مجوهراتي‏,‏ وأرسلت إليه المبلغ المطلوب في حوالة بريدية‏,‏ معتقدة أن الأمر قد انتهي عند هذا الحد‏.‏

لكن المفزع هو ما حدث منه بعد ذلك‏!!..‏ اتصل بي وهددني اذا لم أذهب إليه في شقته سيرسل سي دي عليه صوري ومشاهدي إلي والدي في البيت‏,‏ ولك أن تتخيل ما حدث لي بعد فشلي في إقناعه بأن يتركني حتي لا أقتل نفسي‏,‏ ولكني كنت أتحدث إلي إنسان بلا قلب رجل ميت الضمير‏.‏

سيدي‏..‏ لقد طلبت منه أن يمهلني أياما حتي يذهب والدي عند شقيقتي‏,‏ وإن كنت لن أفعل ذلك حتي لو انتحرت‏,‏ فالموت كافرة أفضل عندي بكثير من أن أرتكب هذه الخطيئة‏.‏

أعرف أني أخطأت‏,‏ وخطأي كبير‏,‏ ولكني أستجير بك‏,‏ انقذني‏,‏ ارشدني ماذا أفعل مع هذا الذئب‏,‏ فقد أوشكت علي الجنون من عدم النوم‏,‏ والخوف القاتل‏,‏ هل أنتحر‏,‏ أهرب من البيت‏,‏ أم أقتله حتي لا يفعل ذلك مع أخريات وإن كنت أثق في أني لم أكن الضحية الأولي ولن أكون الأخيرة‏!‏

{‏سيدتي‏..‏ أخطاؤنا حتما هي نتائج لمقدمات طويلة تنتج عبر السنين في تفاصيل تبدو في وقتها صغيرة وقد تكون عظيمة التأثير والضرر‏.‏

وفي قصتك ما يكشف عن هذا‏,‏ وما ينير الطريق للآباء كي يلتفتوا إلي أسلوب تعاملهم مع أبنائهم خاصة في سني عمرهم الأولي‏..‏ فعلي الرغم من نشأتك وسط أسرة متوسطة الحال‏,‏ مكافحة‏,‏ نجحت في تربية ثلاثة من الأبناء وإلحاقهم بمراحل التعليم المختلفة حتي المرحلة الجامعية‏.‏ ولكن يبدو أن صعوبة الحياة وانشغال الأبوين لتوفير ضروراتها‏,‏ حالت دون الالتفات إلي تفاصيل أخري لا تقل عن التعليم أهمية‏,‏ وهي بناء جسور الثقة داخل الأبناء‏,‏ مثلما حدث معك‏,‏ فمن الواضح أن الفارق في الشكل بينك وبين شقيقتك كان مثار تعليقات متكررة تركت أثرها السييء والسلبي في نفسك منذ الصغر‏,‏ فهدمت ثقتك بنفسك‏,‏ ودفعتك إلي إهمال دراستك وكأنك تعاقبين الجميع علي رؤيتهم وإهمالهم لك‏.‏

كثير من الآباء والأمهات يفعلون ذلك غالبا عن دون قصد ولا يلتفتون إلي أن مثل هذه السلوكيات تهزم الأبناء وتخلخل جدران صلابتهم الداخلية‏,‏ فتضعف مناعتهم الانسانية في الكبر‏,‏ فلا يستطيعون مواجهة الحياة خاصة عندما تقسو‏,‏ ويصبحون فرائس سهلة للذئاب التي تنقض علي أمثالهم بكل يسر وبلا أي ضمير‏.‏

هذا لا يعني تبريرا للخطأ ـ كما قلت في بداية رسالتك ـ ولكنه تفسير لما آلت إليه حياتك‏,‏ وإن تشابهت المقدمات فهذا لا يعني حتما تشابه النتائج‏,‏ فهناك من البشر بما منحه الله من عقل من يتعلم مما عايشه أن ينجو بنفسه ويصلح من عيوبه النفسية ويسعي إلي الارتقاء بمستواه حتي يضع نفسه إلي ما يحب أو يرضي‏.‏

ولكنك يا عزيزتي استسلمت لفكرة الفشل‏,‏ فشل في مستوي التعليم وفشل علي مستوي الشكل الخارجي‏..‏ لم تستعيني إلي تنمية نفسك انسانيا بالبحث عن مواطن الجمال في داخلك‏,‏ عن قيمتك كإنسانة‏,‏ ولا تطوير نفسك علي المستوي المهني بمحاولة دراسة جديدة مثل اللغات أو السكرتارية تتيح لك فرص عمل أكثر‏,‏ وبالتالي فرص الالتقاء ببشر قد يكون بينهم شريك الحياة المنتظر‏.‏ فلا جدوي من الجلوس في غرفة مغلقة‏,‏ ولا يتساوي أبدا اليأس مع الكفاح والأمل‏,‏ وإذا كانت نتائج اليأس معروفة‏,‏ فإن أقل مكاسب الأمل أفضل بكثير‏.‏

سيدتي‏..‏ لا أعتقد أنك تحتاجين مني أو من غيري الحديث عن أخطائك المتتالية وسوء استخدامك للتكنولوجيا‏,‏ والتي كان يمكن أن تساعدك بصورة إيجابية في التثقيف أو البحث عن عمل أو التواصل الإيجابي مع الآخرين‏.‏ وأعتقد أن في قصتك عبرا ودروسا كافية ـ بدون تعليق ـ لكل فتاة أو شاب‏,‏ في أي مرحلة عمرية‏,‏ أعزب أو متزوجا‏,‏ كي يحذر أو يراجع نفسه إذا كان قد أقدم‏,‏ فلدي مثل قصتك العديد والتي دفع أصحابها من الجنسين أثمانا فادحة‏.‏ ولا أريد أيضا التوقف طويلا أمام هذا الذئب الذي يعتقد أنه أقوي من الآخرين‏,‏ ينقض علي فريسته عندما يري الطريق خاليا‏,‏ ولكنه لا يعرف أن مصيره هو السجن إذا لم يكن الموت‏,‏ فكثيرون دفعوا حياتهم ثمنا لمثل هذه الأفعال ولتشهد علي ذلك صفحات الحوادث في الصحف‏.‏

عزيزتي‏,‏ لا تستسلمي لهذا الذئب‏,‏ وسارعي بالتوجه إلي الادارة العامة للمعلومات والتوثيق بوزارة الداخلية‏,‏ وثقي بأنك ستكونين في مأمن‏,‏ سيحفظون سرك وسيصلون إلي المجرم بأسرع مما تتوقعين وسيدفع جزاء ما ارتكب‏,‏ فلا تتأخري ولا تترددي‏,‏ فإذا خفت أو عجزت عن ذلك‏,‏ أرجو أن تبادري بالاتصال بي لأكون حلقة الوصل مع وزارة الداخلية‏.‏ وبعد خروجك من هذه الأزمة ـ بإذن الله ـ سيكون لنا كلام آخر فيما هو قادم من الأيام‏

ايمان حسن 07-17-2009 09:22 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
رحيق السعادة‏
أنا رجل في الثانية والأربعين من عمري حاصل على مؤهل عال تزوجت منذ عشر سنوات من فتاة من أسرة طيبة‏..‏ وكنت حينذاك اعمل محاسبا بمستوصف خاص بإحدى دول الخليج‏,‏ وارتبطت بهذه الفتاة وعقدت قراني عليها في مدينتي الصغيرة بالوجه البحري‏,‏ وسافرت هي إلي حيث أقيم لإتمام الزفاف توفيرا للنفقات‏.‏ وبعد خمسة شهور من زواجنا من الله سبحانه وتعالي علينا بحمل زوجتي في توءم‏,‏ ومضت شهور الحمل الأولي عادية إلي جاء الشهر السادس‏,‏ وتطورت الظروف واحتاجت زوجتي فجأة إلي إجراء جراحة كبري لها‏..‏ وكان مطلوبا أن يتوافر عدد كبير من المتبرعين لها بالدم لإنقاذ حياتها خلال الجراحة‏,‏ والحمد لله فلقد تجمعنا أنا وعدد كبير من زملائي بالعمل في المستشفي وتقدمنا جميعا للتبرع بالدم المطلوب‏,‏ وأبلغني الأطباء أنهم يسعون إنقاذ حياة الزوجة علي حساب حياة التوءم وكان قراري وبإجماع زملائي كلهم هو أن إنقاذ حياة الزوجة هو الأهم‏..‏ أما التوءم فهما في ذمة الخالق العظيم وهو الذي خلقهما بقدرته العليا‏..‏ وهو الذي يستطيع أن يعوضنا عنهما بإرادته حين يشاء واستراح ضميري وضمير زملائي جميعا لهذا القرار‏,‏ واستغرقت العملية الجراحية عشر ساعات‏,‏ كنت خلالها عاكفا في مسجد المستوصف أسجد لله خوفا وأملا أتضرع إليه أتلو آيات الذكر الحكيم‏,‏ وخاصة سورة ياسين‏,‏ إلي أن خرج الأطباء وقالوا لنا أنهم قد فعلوا كل ما يستطيعون‏..‏ ولم يبق إلا الأمل في رحمة الله‏.‏ فنقلت زوجتي من غرفة الجراحة إلي العناية المركزة‏,‏ وأخذنا التوءم اللذين لم يكتب لهما أن يريا الحياة واستودعناهما عند من لا تضيع عنده الودائع سبحانه‏.‏ وظلت زوجتي في العناية المركزة شهرا كاملا‏..‏ وكانت قد سألتني عن توءمها حين أفاقت ولم أجد ما يدعو إلي إخفاء الحقيقة أو التهرب منها فصارحتها بأنهما أمانة عند الخالق العظيم وسيكونان شفيعين لها بإذن الله يوم القيامة‏,‏ فتجلدت زوجتي واسترجعت‏..‏ وقالت هو من أعطي وهو من أخذ فاللهم آجرني واجر زوجي عنهما يوم الحساب‏.‏ وخرجت زوجتي من المستشفي وسط دهشة كثيرين لم يصدقوا احتمال شفائها أو نجاتها من الموت بعد أن أكد الأطباء من قبل أن نسبة نجاح تلك الجراحة الكبرى ضئيلة للغاية‏.‏ وعدنا لحياتنا الطبيعية وبعد فترة ليست طويلة‏,‏ بدأت زوجتي تشعر ببعض الألم والمغص في البطن‏..‏ وبدأنا نتردد علي المستشفي فيعطيها الأطباء بعض المسكنات ويذهب الألم‏..‏ ثم لا يلبث أن يعود من جديد‏..‏ إلي أن قرروا إجراء جراحة استكشاف للبطن للكشف عن أسباب هذا الألم‏,‏ وامتثلنا لقرار الأطباء وأجريت الجراحة ووجدوا أن الأمعاء بها التهاب لا يحدث إلا بنسبة الواحد في المليون في مثل هذه الظروف‏,‏ واتخذ الأطباء قرارهم بإجراء جراحة ثالثة لها لفصل الأمعاء إلي جزأين.‏ وبعد الجراحة توجهنا لأداء العمرة‏..‏ والابتهال إلي الله أن ينعم عليها بنعمة الشفاء‏,‏ ورجعنا إلي مصر لقضاء فترة الإجازة السنوية فرجعت نفس الآلام والمشاكل مرة أخري‏..‏ واحتاجت زوجتي إلي إجراء جراحة رابعة كبري في أحد المعاهد المتخصصة في مصر‏..‏ وتقبلنا أنا وزوجتي كل ذلك بصبر وامتثال وبحمد الله علي نعمه والثناء عليه‏.‏ ثم عدنا إلي مقر عملي بالبلد الخليجي‏,‏ واستقرت الحالة الصحية لزوجتي وانتهت الآلام إلي غير رجعة والحمد لله‏..‏ ومارسنا حياتنا الطبيعية إلي أن انتهت فترة عملي بالغربة‏,‏ ورجعنا للاستقرار في بلدنا‏,‏ وكنت خلال ذلك قد استخدمت كل أو معظم مدخراتي في الغربة في بناء شقة بمنزل أبى وتجهيزها ورجعت إلي عملي كموظف بالحكومة‏..‏ وبعد عودتنا بفترة بدأت المشاكل من جانب آخر هو جانب والدتي يرحمها الله واخوتي‏,‏ وكان مثار كل تلك المشاكل هو الحديث عن الجراحات الأربع التي تعرضت لها زوجتي ومدي تأثيرها علي فرصتها في الإنجاب,‏ ورغبة أبي وأمي في أن يريا لهما حفيدا مني‏,‏ وكنت في كل تلك المشاكل أقول دائما لأبي وأمي واخوتي أن الإنجاب كالرزق والعمر وعلم الساعة كلها من أمر ربي وحده‏,‏ ولكن دون جدوى فلا يمر يوم دون أن أرجع من عملي وأجد زوجتي تبكي بكاء مريرا بسبب كلمة أو إشارة وجهت إليها في هذا الشأن‏,‏ أو خبر نما إليها عن ضغط أهلي علي لكي أطلقها لأتزوج من أجل الإنجاب.‏ وتحت ضغط هذه الظروف كلها اضطررت لمصارحة أبى وامي بالسر الذي كنت اكتمه عنهما وهو انني انا أيضا اعاني من سبب عضوي يضعف من فرصتي في الانجاب‏..‏ وان حمل زوجتي الأول قد تم خلال فترة كنت اتلقي فيها علاجا مكثفا لحالتي‏,‏ اما الآن فانني احتاج إلي عملية زرع انسجة‏,‏ وهي مكلفة جدا ولا طاقة لي بها‏,‏ وبالتالي فإن ظروفي وظروف زوجتي متشابهة وهذه هي حياتنا ونحن راضيان بها‏,‏ لكن ابي وامي لم يقتنعا بذلك وفسراه علي طريقتهما‏,‏ بإنني انسب إلي نفسي العجز عن الانجاب لكي يتوقفا عن الضغط علي للزواج مرة أخري‏,‏ واستمرت الضغوط القاسية بلا هوادة‏..‏ وبعد فترة فوجئت بابي وأمي يضعانني امام خيار صعب هو إما أن اطلق زوجتي هذه واتزوج من أخري علي أمل الانجاب منها‏..‏ وأما أن اغادر الشقة التي بنيتها بشقاء العمر في الغربة‏,‏ وابحث لنفسي عن مسكن مستقل خارج نطاق الأسرة‏.‏ وبالرغم من قسوة الاختيار فإني لم اتردد لحظة في اتخاذ قراري وهو التمسك بزوجتي والبحث لنفسي عن سكن آخر‏,‏ بعد أن أعيتني كل الحيل مع أهلي‏,‏ وبعد أن استشرت أهل الذكر ورجال الدين فاجمعوا كلهم علي ان ما يطلبه مني ابي وامي هو تدخل في أمور خاصة بقدرة الله وحده‏,‏ وليس لي ولا لزوجتي يد فيها‏.‏ وقبلت بالقرار الصعب وغادرت شقتي في منزل الأسرة‏,‏ لكيلا اغضب أبوي وأهلي واقترضت من البنك علي مرتبي لكي ادفع مقدم ايجار لشقة صغيرة استأجرتها بمائة وخمسين جنيها كل شهر‏..‏ وكل مرتبي لا يزيد علي مائتين وسبعين جنيها‏,‏ وزوجتي وهي حاصلة علي بكالريوس التجارة لا تعمل‏.‏ وانتقلنا للشقة الجديدة‏..‏ ووجدتني ادفع اكثر من نصف مرتبي كل شهر كايجار لها ولي في نفس الوقت شقة خالية بنيتها بعرقي وكفاحي في منزل الأسرة‏,‏ ثم رحلت أمي عن الحياة فجأة يرحمها الله‏..‏ وبعد فترة الحداد حاولت مع أبي جاهدا أن أعود إلي مسكني‏..‏ وتدخل بعض الصالحين بيني وبينه في ذلك‏,‏ فإذا به يتمسك بالرفض النهائي ومازال علي موقفه هذا إلي الآن‏.‏ وبالرغم مما نعانيه من ضيق العيش وجفاف الحياة ونفقات الأطباء المختصين بأمر الانجاب بالنسبة لزوجتي ولي‏,‏ فلقد أزداد تمسك كل منا بالآخر واقتناعه به وحاجته إليه‏..‏ واستشعاره الراحة والسعادة بين يديه‏..‏ وفي نهاية كل يوم يجد كل منا قلبا مفتوحا للآخر يقدم له العطاء والتضحيات ويتحمل العناء من أجله والحمد لله علي ذلك حمدا كثيرا‏,‏ وأنني أكتب لك هذه الرسالة لكي أعلق بها علي رسالة الأرض الخصيبة للزوج الشاب الذي يئس من عدم إنجاب زوجته حتى زهدها‏,‏ وأقول له إنه علي قدر صبر الإنسان تكون جوائز السماء التي يبشر بها صاحب ‏««‏بريد الجمعة‏»»‏ الصابرين والمبتلين‏,‏ ولأرجوه أن يصبر وألا ييأس من روح الله‏,‏ كما أفعل أنا مع تمنياتي للجميع بالسعادة وتحقيق الأمنيات إن شاء الله‏.‏ ‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول ‏
ظننت في البداية أنك قد كتبت رسالتك هذه لكي تطلب مني في ختامها أن أناشد أباك أن يخفف من غلوائه ويسمح لك بالعودة إلي مسكنك الذي بنيته بشقاء الغربة بدلا من معاناتك لشظف العيش في شقة مستأجرة لا يسمح لك دخلك بتحمل عبء إيجارها,‏ فإذا بكبرياء الحب الذي جمع بينك وبين زوجتك وصمد لكل الأحوال والتحديات‏,‏ يحول بينك وبين ذلك‏,‏ وإذا بك تختتم رسالتك بأنشودة بليغة وقليلة الكلمات عن السعادة وسكون القلب إلي جوار من يحب والرضا بكل ما تحمله له أعاصير الحياة والصبر عليها والاستعانة بالحب الصادق والعطاء المتبادل والتضحيات المشتركة علي اجتياز العقبات واحتمال جفاف الحياة‏..‏ وإذا بك تهدي تجربتك في الصبر علي ما جرت به المقادير والتطلع الدائم إلي الأمل في رحمة الله‏,‏ إلي كاتب رسالة الأرض الخصيبة راجيا له جوائز السماء للصابرين والمحتسبين‏,‏ وطالبا منه الا ييأس أبدا من روح الله وأن يصبر علي ظروفه كما تفعل أنت‏!‏ يا إلهي‏..‏ لقد القيت علينا درسا جديدا في معني السعا


ايمان حسن 07-17-2009 09:29 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
الدور العلوي‏!‏


أنا سيدة في الثلاثينيات من العمر‏,‏ جامعية ومثقفة إلي حد ما‏,‏ أحب القراءة والكتابة‏..‏ وتصورت في فترة من الفترات أنني سوف أصبح كاتبة‏,‏ لكن الحياة غيرت اتجاهي بعد أن تزوجت وانشغلت بحياتي العائلية‏.‏
ولقد قرأت الرسالة التي نشرت في هذا الباب منذ بضعه أسابيع بعنوان الأب الرسمي للفتاة التي ضمها جدها وجدتها إليهما منذ طفولتها فنشأت مرتبطة بهما وبعيدة عن أبيها وأمها‏,‏ ورفضت العودة للحياة بينهما وشجعها الجدان علي ذلك‏,‏ إلي أن بلغت سن الزواج وتوقعت من أبيها الرسمي أن يسهم في نفقات زواجها بقدر معقول‏,‏ فإذا بالأب يرفض المساهمة في ذلك نهائيا لأنها ابتعدت عن أبويها وكان منطقه في ذلك أنه مادام جداها قد شجعاها علي عدم العودة إليهما فليتكفلا دونه بنفقات زواجها ولقد أثارت هذه الرسالة أشجاني وأريد أن أروي لها قصتي لعلها تجد فيها بعض ما يرشدها إلي سواء السبيل‏..‏ فلقد جئت إلي الحياة لأبوين رزقا قبلي بأربع فتيات‏,‏ وتركزت كل آمالهما في أن يجيء المولود الخامس ولدا‏,‏ فاذا بي أولد بنتا فاستقبلاني بالحزن والاكتئاب‏..‏ ولأننا كنا في ذلك الوقت نعيش في بيت من دورين باحدي مدن القناة‏,‏ ويقيم في الدور العلوي من البيت عمي وخالتي وهما زوجان رزقا ببنت غير مكتملة النمو العقلي‏,‏ فلقد عرضا علي أبي وأمي أن يضماني إليهما وأنا طفلة وليدة ويتكفلا بتربيتي وتنشئتي دونهما‏,‏ لكي يحلا لأبي وأمي مشكلة طفلتهما الخامسة من ناحية‏,‏ ولأنهما‏,‏ كما أدركت فيما بعد ـ أرادا أن يربياني ويتكفلا بي فأصبح أختا لابنتهما المسكينة وأرعاها حين أكبر وأتحمل مسئوليتها من بعدهما‏.‏
وهكذا وجدت نفسي بين أب وأم وأخت مسكينة ينمو جسمها ولا ينمو معه عقلها‏..‏ ويقيم تحتنا عمي وخالتي وبنات عمي وخالتي الأربع‏,‏ ومازلت أذكر من ذكريات طفولتي حين كانت تسألني بعض السيدات اللاتي يزرن الأسرة بالطابق العلوي‏..‏ كيف حال ماما؟‏..‏ فأتعجب لماذا تسألني عن أمي وهي تجلس إلي جوارها‏!‏ وبالرغم من ذلك فلقد كان هناك شيء غامض لا أدري كنهه يجذبني إلي الطابق الأرضي الذي يقيم به عمي وخالتي وبناتهما وأشعر بحنين عجيب إليهم جميعا‏,‏ ومضت بي الأعوام والتحقت بالمدرسة ولم ألتفت كثيرا لاختلاف اسم الأب في أوراقي الرسمية عن اسمه في الحياة‏,‏ فلقد قيل لي ان اسمه في الورق هو الاسم الرسمي‏,‏ وان اسمه في الحياة هو اسم الشهرة‏,‏ فأحببت اسم الشهرة أكثر مما أحببت الاسم الرسمي‏,‏ إلي أن بلغت سن الصبا وبدأت أشعر بتغير غير مفهوم في معاملة أمي لي‏..‏ وتفاقم هذا التغير حتي بدأت أشعر بعدم حبها لي‏,‏ ولأنني لم أكن أدرك دوافع هذا التغير من جانبها تجاهي فلقد كرهتها لمعاملتها السيئة لي‏,‏ وأحببت أبي كل الحب الذي يمكن أن يتسع له قلب فتاة مثلي‏,‏ لأنه لم يتغير تجاهي بعد أن كبرت وظل يغمرني بحبه وعطفه إلي النهاية‏,‏ وخلال ذلك كانت الدنيا قد فرقت بيننا وبين أسرة عمي وخالتي وبناتهما الأربع وانتقلنا نحن للاقامة في القاهرة‏,‏ وتخرجت في كليتي وارتبطت بمن زختارني واختارته‏,‏ وبدأنا الاستعداد للزواج فإذا بأبي يصر علي أن يستأذن عمي وخالتي في زواجي وأن يحصل أولا علي موافقتهما قبل أن يعلن قبوله‏,‏ وتساءلت عن ضرورة ذلك‏,‏ فعرفت الحقيقة التي خفيت عني كل هذه السنين وهي أن هذا العم وهذه الخالة هما أبواي الحقيقيان‏,‏ وان هؤلاء الفتيات الأربع هن أخواتي‏,‏ أما هذه الفتاة المسكينة التي أعيش معها فهي ابنة عمي وابنة خالتي‏,‏ وأدركت في هذه اللحظة فقط سر تغير مشاعر من كنت أظنها أمي تجاهي بعد أن كبرت وصرت فتاة في بداية سن الشباب‏..‏ فلقد كانت الحسرة تنهش قلبها الحزين وهي تري ابنتها الحقيقية تنمو جسما وعقلها لايتجاوز عقل طفلة عمرها خمس سنوات‏,‏ في حين استوت الفتاة الأخري التي تكفلت بها شابة تجذب الأبصار‏,‏ ويشيد بها الجيران‏,‏ وانفجر بركان الغضب في قلبي تجاه أبي وأمي الحقيقيين‏..‏ كيف تخليا عني وتركاني لغيرهما حتي ولو كان هذا الغير هما عمي وخالتي؟‏,‏ ولماذا كرهاني وأنا طفلة وليدة ولا ذنب لي في مجيئي للحياة بعد أربع فتيات؟‏..‏ وراح أبي وأمي الحقيقيان يحاولان بكل جهدهما أن يبررا لي ماحدث ويؤكدان لي أنهما مظلومان مع عمي وخالتي لأنهما كانا في حاجة لابنة طبيعية بعد أن رزئا بابنتهما المسكينة‏,‏ وانهما اغتصباني منهما بالالحاح وبالاحراج والضغط النفسي عليهما‏,‏ ولم أصدق هذا التبرير ولم أقتنع به واستمر الشرخ في داخلي لفترة طويلة حتي كرهت نفسي‏,‏ وظل هذا الشرخ يفسد علي حياتي لفترة طويلة إلي أن تزوجت وتكفل بنفقات زواجي بل وبشقتي كذلك من تكفل من قبل بتربيتي وتنشئتي وهو أبي بالتربية وعمي بالصلة الرسمية‏,‏ وانشغلت بحياتي العائلية وأسرتي الجديدة عن ذكريات الماضي وأحزانه‏..‏ ولهذا فإني أقول لهذه الفتاة التي ابتعدت عن أبويها ورفضت العودة إليهما وفضلت الحياة بين جديها علي الحياة في بيت أبيها وتلوم أباها لرفضه القيام بأي دور في زواجها‏..‏ أقول لها لماذا لم تبحثي عن هذا الدور قبل الآن‏..‏ ولماذا لم تقدر احتياج أبويها إليها كما تقدر الآن احتياجها إلي أن يقوم والدها بأي دور في زواجها؟‏..‏ انك أيتها الفتاة لن تدركي عمق حزنهما لموقفك منهما إلاحين تصبحين أما وتعرفين معني الأمومة‏..‏ ولقد كان الأفضل لجديك مهما يكن حبهما لك ألايجعلا انتماءك الأول إليهما وليس لأبويك‏,‏ أما مسألة زواجك فإن من واجب جدك أن يتكفل به دون أن يزعج الأب الرسمي بذلك مادام قد شجعك من البداية علي مفارقته والبعد عنه‏,‏ ولكي يكمل المشوار الذي بدأه معك وهو القادر علي ذلك‏,‏ أم تراه يريد أن يجني العسل بغير أن يدفع الثمن؟‏..‏ لقد استأثر بك علي غير رغبة أبويك حتي ولو كانا قد رضيا في البداية بحضانته لك لانشغالهما في العمل‏,‏ لأنه حين سمحت لهما الظروف باستردادك شجعك علي عدم العودة إليهما‏..‏ ولم يقدر احتياجهما إليك‏.‏
وفي النهاية فاني أناشد كل الآباء وكل الأمهات ألايتخلوا عن أبنائهم لغيرهم مهما تكن أسبابهم لذلك‏,‏ ومهما يكن هؤلاء الغير منهم‏,‏ لأنه لاشيء يعوض الأبناء عن صحبة الأبوين ورعايتهما وحبهما لأبنائهما والسلام‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
مهما تكن دوافع الأبوين للتخلي عن أحد أطفالهما للغير حتي ولو كان أقرب الناس إليهما‏,‏ ومهما تكن ظروف الحياة المادية الأفضل التي يقدمها هؤلاء الغير للطفل‏,‏ فإنه لايغفر لأبويه أبدا حين يدرك حقائق الحياة تخليهما عنه لغيرهما‏,‏ ولا يخفف شيء مادي قدمته له حياته الجديدة من مرارة احساسه بالنبذ العاطفي من جانب أبويه‏,‏ وبأنه لم يكن مرغوبا فيه لديهما‏.‏
لهذا لم أعجب ياسيدتي حين انفجر بركان الغضب الكامن في أعماقك علي أبويك حين اكتشفت الحقيقة التي خفيت عنك سنين طوالا‏,‏ كما لم أعجب كذلك لعدم اقتناعك بدفاعهما المتهافت عن نفسيهما ومحاولتهما لإيهامك بأنهما كانا مغلوبين علي أمرهما مع عمك وخالتك اللذين اغتصباك منهما بالاكراه المعنوي‏.‏
فلا شيء حقا يمكن أن يقنع عقل الابنة أو الابن بأنه شيء يمكن التنازل عنه للغير بمثل هذه المبررات الواهية‏,‏ ولا شيء كذلك في الحياة كلها يمكن أن يعوضه عن احساسه الثمين بأنه ثمرة القلب بالنسبة لأبيه وأمه وانهما علي استعداد للتفكير مجرد التفكير في نبذه أو التخلي عنه‏,‏ ولعلي لهذا السبب قد أدركت حين قرأت رسالة الأب الرسمي أن بعض أسباب رفض كاتبتها للعودة إلي أحضان أبويها حين سمحت لهما ظروفهما باستردادها من جديها‏,‏ لايرجع فقط إلي اعتيادها الحياة بين جديها منذ نعومة أظافرها‏..‏ ولا فقط إلي استنامتها إلي تدليلهما لها وحنانهما عليها مما قد لايتوافر لها بنفس القدر الزائد في بيت أبويها ووسط اخوتها الآخرين‏,‏ وانما يرجع أيضا إلي رغبة عقلها الباطن في معاقبة أبويها علي تخليهما عنها في طفولتها المبكرة لجديها‏,‏ وهي رغبة قد لاتدركها هي نفسها‏,‏ لكن ذلك لاينفي وجودها ولا تأثيرها الغامض علي موقفها من أبويها بعد أن شبت عن الطوق‏,‏ فنحن نعرف أن العقل الباطن تترسب فيه الخبرات المؤلمة التي يؤلمنا تذكرها‏,‏ ونرغب في نسيانها والتخلص منها‏,‏ وهذه الخبرات قد يخيل إلينا بالفعل أننا قد نسيناها إلي أن نفاجأ بها تطل علينا بأعناقها من جديد وتدفعنا في بعض الأحيان إلي مواقف وسلوكيات لاتتضح لنا نحن أنفسنا دوافعها ومبرراتها المنطقية‏,‏ فإذا استرجعنا بعض ذكرياتها البعيدة وحاولنا الربط بين أجزائها المتناثرة وتحليلها تحليلا منطقيا‏,‏ قد تتكشف لنا بعض الدوافع التي مالت بنا لاتخاذ هذه المواقف غير المبررة لنا أو للآخرين في حينها‏.‏ وفي هذا النطاق قد اعتبر كذلك نفور هذه الفتاة من الاقامة بين أبويها واحساسها بالغربة النفسية بينها وبين اخوتها كما ذكرت في رسالتها نوعا من رد الفعل اللا ارادي لنبذهما المبكر لها في الطفولة بنبذ عاطفي مماثل لهما وهي في سن الشباب‏,‏ وكل ذلك من تداعيات هذه الرغبة الكامنة في عقلها الباطن لمعاقبتهما معنويا علي تلك الجريمة التي لايغتفرها كما قلت طفل لأبويه‏.‏
علي أي حال ياسيدتي فإن الإنسان حين يروي قصة حياته للآخرين كما فعلت في رسالتك هذه فلابد له أن يجد فيها مايسعده أن يتذكره وما يؤلمه أيضا أن يتذكره‏,‏ وأسعد الناس هم من حظوا في حياتهم بطفولة سعيدة هيأتهم للتفاعل مع الحياة علي نحو سليم‏..‏ وأسعد الناس كذلك من يستطيعون أن يقولوا ماقالته الروائية الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي في مقدمة مذكراتها‏:‏ لقد تذكرت ما أردت أن أتذكره وغمست قلمي في مغطس سعيد ليخرج منه بحفنة من الذكريات المحلاة بطعم السكر‏!..‏ بمعني أنها قد تذكرت مايسعدها تذكره ونسيت كل مايؤلمها أن تسترجعه فعسي أن تجعلي من حياة أطفالك كلها ترنيمة جميلة لبهجة الحياة يسعدهم حين يسترجعون ملامحها وهم كبار أن يتذكروا كل تفاصيلها الجميلة فلا يجدون فيها إلاكل مايزيدهم رضا عن أبويهم وحياتهم بين أحضانهما حتي خرجوا إلي الحياة أشخاصا أسوياء فهذا هو أفضل مايقدمه أبوان لأطفالهما‏..‏ وهذا هو أفضل مايقدمه كل أبوين للحياة بوجه عام‏..‏


اوسو 07-18-2009 09:44 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
السلام عليكم , بجد بجد ولا اروع انا فى مرة شوفت واحد كان بيشترى الاهرام اول حاجه عملها كان بيدور على مقاله انا مكنتش اعرفه بصراحه ساعتها لكن شغف الرجل ده حرك فضولى ان اشوف مين الكاتب ده بس وطبعا اكتشفت ان ليه حق فى الشغف ده لانه المدرسة اللى ممكن تشوفى فيها فصول لشكسبير وتشيكوف وتشارلز ديكنز وغيرهم ده غير طبعا تدينه يعنى بصراحه تشكيلة ثقافية . وشكرا على الموضوع الهايل وجزاكما الله كل خير وجعلكما زخرا للامة وبس .

هشام حلمي شلبي 07-24-2009 12:27 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بـريــد الأهــرام

44790‏السنة 133-العدد2009يوليو24‏2 من شعبان 1430 هـالجمعة
سوء الاختيار

http://www.ahram.org.eg/archive/2009/7/24/44790_23m.jpg
أكتب إليك ياسيدي وأنا في قمة ألمي وعذابي‏,‏ وأحتاج حقا إلي نصيحتك ومشورتك‏.‏ فأنا سيدة مطلقة في الخامسة والعشرين من عمري‏,‏ ولي طفل عمره عام وثمانية أشهر‏,‏ نشأت والحمد لله في أسرة ميسورة الحال‏..‏ أب حنون بكل معاني الكلمة‏,‏ وأم متفاهمة‏,‏ ولي أخان وأخت تخرجوا في كليات مرموقة‏,‏ لكن مشكلتي منذ صغري ـ كما كان يقول أصدقائي عني أنني طيبة وأتعامل مع جميع الأشخاص بطبيعتي‏,‏ لا أعرف الزيف ولا الكذب‏.‏ لم أكن أشعر وقتها بأن هذه مشكلة‏,‏ فقد رباني والدي علي هذا وكان يغرس في دائما أن جميع البشر يتمتعون بالطيبة والأخلاق الحميدة‏,‏ وعلي أن أتعامل معهم هكذا‏,‏ فنشأت أحب الحنان والطيبة ولا أشعر بأنهما عيب

وعلي الرغم من حبي للتعامل واللعب مع الأطفال كثيرا لم تكن لي علاقة بأي زميل أو صديق‏.‏ كنت أؤمن بأنني مادمت قد حافظت علي نفسي فسوف يرزقني الله بشخص محترم يكون زوجا لي‏,‏ وتخرجت في إحدي الكليات النظرية ثم تقدم لي أحد الأشخاص كنت أراه شخصا محترما متدينا يصوم السنن باستمرار‏,‏ ويداوم علي تأدية فروضه‏,‏ فتمت خطوبتنا لفترة قصيرة تزوجنا بعدها وأنا أحلم بحياة العائلة‏,‏ وأحلم بالأطفال والزوج واللمة‏,‏ ولكني فوجئت بشخص آخر‏..‏

شخص يحب نفسه أولا وأخيرا مهما قال إنه يحبني‏,‏ فهذا كلام فقط بدون فعل‏,‏ فهو لا يراعي احتياجاتي‏,‏ ولا يتحدث معي‏,‏ ودائم الإهانة لي‏,‏ حتي عندما يهينني أحد من أسرته الذين كنا نسكن معهم لا يتحرك له ساكن‏,‏ لكني مع هذا كنت أحبه وأحب أسرته كأسرتي‏,‏ ولكني لا أعرف ماذا يريدون‏!‏ أقوم بمودتهم لكنهم يطلبون المزيد وأنا لا أتذمر‏,‏ يتدخلون في جميع شئون حياتنا حتي عندما تحدث مشكلة بيني وبينه مثل أي زوجين أجده يحكي لأهله كل شيء‏,‏ ووالده يحكي للجيران

وهكذا حتي أجد كل تفاصيل حياتي مع جيراني‏,‏ حتي عندما تحدث أي مشكلة كبيرة يتدخل فيها الأهل والجيران تخيل أنني أجد زوجي والد طفلي نائما وأنا جالسة في مجلس الرجال أحكي لهم تفاصيل المشكلة وهم يحلونها مع والده‏,‏ بينما هو نائم‏,‏ وكأنني لست زوجته أم طفله‏,‏ لكن كنت أحاول أن أرضيه‏,‏ فهو والد طفلي‏,‏ كنت أدبر كل شيء في المنزل حتي عندما ينتهي المصروف كنت أقترض من والدتي ولا أجعله يقترض حتي تظل رأسه مرفوعة‏.‏

فوجئت به ذات مرة هو وأهله يقررون طردي من المنزل ومعي طفلي بدون سبب ظاهر‏,‏ وأقسم بالله العظيم أننا كنا نائمين بدون أي مشكلات‏,‏ وإذ بي أستيقظ علي إهانة وطرد‏,‏ وقتها عرفت لماذا كان أصدقائي ينتقدونني بسبب معاملتي للأشخاص بحسن نية‏,‏ فللعيش في هذه الدنيا قوانين أخري لا أعرفها ولا أريد أن أعرفها‏,‏ وذهبت لوالدي وفوجئت بوالده يتصل للاتفاق علي تفاصيل الطلاق‏,‏ وفي أول مكالمة قال بالحرف الواحد‏:‏ نحن لا نريد الطفل‏,‏ فابني سوف يتزوج وينجب من هو أحسن منه‏,‏ هذا كلام جد طفلي‏,‏ وكنت في هذه الفترة في ذهول‏,‏ وكنت أنتظر من زوجي أن يتصل وبمجرد أن يعتذر سأسامحه‏,‏ لكن مر الآن عام ونصف عام علي طلاقنا ولم أسمع صوته منذ هذا الوقت‏.‏

سيدي أنا أتألم كل يوم أكثر من مليون مرة في الثانية‏,‏ ليس بسبب الطلاق‏,‏ ولكن كلما أري طفلي أتعذب كثيرا‏,‏ فلم ير الطفل والده منذ عام وأكثر‏,‏ ولم يطلب رؤيته وتزوج وعاش حياته وهذا حقه‏,‏ وأنا أعلم أن الله شاهد علي كل منا وسوف يعوضني خيرا‏,‏ فأنا والحمد لله بشهادة جيراني وكل من حولي حاولت معه الكثير من أجل الحفاظ علي بيتنا‏,‏ لكنه هو وأهله‏(‏ سامحهم الله‏)‏ لم يريدوني‏,‏ لكن طفلي لا ذنب له في سوء اختيارنا لبعضنا بعضا‏,‏ أنا أترجاه لكي يأتي ويري طفله‏,‏ لكن والده يأبي هذا‏,‏ وكأنني كنت متزوجة من والد زوجي‏

أريد لطفلي حياة سوية حتي ولو علي حساب نفسي‏,‏ لا أعلم هل أشتري له حب والده وأتنازل عن نفقته مقابل أن يراه والده كما قال‏,‏ تخيل أن والد طفلي كان يذهب إلي حفلة يوم اليتيم‏,‏ هذا الوالد الذي لم يفكر خلال عام ونصف عام أن يري طفله في أي من العيدين أو عيد ميلاده‏,‏ مهما كان لا يحبني فهذا ليس ذنب طفله وإلا لكنت كرهته أنا أيضا لما مر بي مع والده‏,‏ لكن طفلي هو نور حياتي أحبه أكثر من أي شيء حتي ولو كان والده هو من ظلمني‏,‏ وافتري علي‏,‏ لكنه فلذة كبدي وأريد له كل سعادة وهناء في الدنيا

حتي لو كنت أخطأت فنحن بشر وسوف يحاسبني الله ولا ذنب للطفل في هذا‏,‏ أريد أبا لطفلي‏..‏ أريد لطفلي أن يتربي تربية سوية ويستمتع بكلمة بابا فماذا أفعل؟

*‏ سيدتي‏..‏ وضعت يدك بنفسك علي موطن الأزمة أو المشكلة الأزلية في العلاقات الزوجية التي لا يدفع ثمنها الآباء فقط‏,‏ لكن الثمن الأكبر يدفعه الأبناء‏.‏

سوء الاختيار‏,‏ نعم ياسيدتي لوكان ما جاء في رسالتك صادقا فإنك تكونين قد أسأت الاختيار‏,‏ وارتضيت بشريك حياتك لمجرد إتيانه بمظاهر دينية قد لا تعكس بالضرورة تدينا حقيقيا‏,‏ فالتدين وممارسة الفرائض والسنن لابد أن يعبرعنها سلوك راق وملتزم‏,‏ وهذا يستدعي أسئلة وتتبعا لسلوك العريس وأسرته‏,‏ والأمر نفسه بالنسبة للعريس‏,‏ لكنها العجلة والرغبة في الزواج والفهم القاصر لمعني القسمة والنصيب‏.‏

أخطأ والدك بحسن نية وطيب خلق عندما رباك وغرس فيك أن جميع البشر يتمتعون بالطيبة والأخلاق الحميدة‏,‏ لأن علينا أن نربي أبناءنا علي ما هو قادم من الأيام ونعلمهم كيف يتعاملون مع الطيب والشرير‏,‏ فالحياة لم تكن أبدا لفريق واحد‏,‏ وبما أننا نحياها فلابد أن نؤهل للتعامل مع كل طباع البشر‏,‏ لأن الابن إذا نشأ علي مفاهيم واحدة ثم اصطدم بعكسها فإنه يفقد قدرته علي التدبر والتفكير واختيار أسلوب التعامل الملائم‏.‏

سيدتي‏..‏ منذ بداية زواجك اكتشفت الوجه الآخر لزوجك‏,‏ وإهانات دائمة‏,‏ وعدم تحمل للمسئولية‏,‏ وإقحام أسرته‏,‏ خاصة والده‏,‏ في كل تفاصيل حياتكما‏.‏

أصبحت حياتكما الخاصة علي الهواء مباشرة مع أسرته‏,‏ ومع الجيران‏,‏ وأمام مجالس الحكماء‏,‏ كل هذا وأسرتك غائبة‏,‏ أين والدك ياعزيزتي؟‏!‏ لماذا لم يتدخل أحد منذ البداية؟ ولماذا تعجلتما الإنجاب وعلاقتكما متوترة منذ بداية الزواج‏,‏ ألم يكن الأفضل لكما ولهذا الطفل التأني والتأكد من أن هذه الحياة الزوجية ستستمر قبل أن تظلما من ليس له ذنب؟‏!‏

الكلام ليس لك وحدك ياسيدتي‏,‏ بل تجاوزك‏,‏ لكنه لكل اثنين تزوجا علي عجل واكتشفا أن مستقبلهما الزوجي مهدد‏,‏ لعلهما يرجئان الإنجاب حتي ترسو السفينة علي الشط أو يرحل قائداها كل إلي حيث يريد ويستريح‏.‏

ولأن ما حدث قد حدث‏,‏ فإني أتفق معك تماما في أن الطفل في حاجة إلي والده وجده‏,‏ ومن حقه ألا يعاقب بسبب أخطائكم جميعا‏,‏ لذا فإنني أناشد والده أن يتقي الله المنتقم الجبار‏,‏ فسؤاله واهتمامه بابنه لن يكلفه شيئا‏,‏ وهو مكلف شرعا بالإنفاق عليه‏,‏ فإذا غرته الأيام بشبابه وبقدرته علي الإنجاب‏,‏ فإن يوم الانتقام آت لاريب فيه‏,‏ في يوم قد يحتاج إلي كلمة أو لمسة أوسؤال من ابنه ولا يجده‏.‏

طفلك ياسيدي لم يرتكب ذنبا في حقك‏,‏ تزوج من جديد‏..‏ افعل ما تشاء لكن وفر لابنك حياة طبيعية بالسؤال عنه‏,‏ والإنفاق عليه‏,‏ وهذا لن يكلفك الكثير‏,‏ واسأل نفسك ماذا لو كان والدك‏,‏ الذي يدعمك ويحرضك الآن‏,‏ قد أهملك وتجاهلك ماذا كنت ستشعر تجاهه؟

لا تقل لنفسك‏:‏ عندما يكبر سأحتويه‏,‏ فما نغرسه في نفوس أطفالنا في الصغر من غياب وعلقم هو الشوك الذي يدمينا في الكبر‏,‏ فعد إلي ضميرك والتزم بمعني ومفهوم التدين لا بمظاهره‏,‏ ولا تظلم امرأة وطفلا ولاك الله عليهما وحملك مسئولية لم تكن جديرا بها حتي الآن‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.

هشام حلمي شلبي 07-31-2009 07:18 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بـريــد الأهــرام

44797‏السنة 133-العدد2009يوليو31‏9 من شعبان 1430 هـالجمعة
النظرات الحزينة


http://www.ahram.org.eg/archive/2009/7/31/44797_48m.jpg
*‏ أكتب إليك بعد أن ضاقت بي السبل وأعيتني الحيل‏,‏ فأرجو أن تصبر علي حتي انتهي من رسالتي ولاتصدر علي حكما قبل أن تنتهي من قراءة آخر جملة فيها‏,‏ فأنا رجل قاربت الستين‏,‏ من عائلة معروفة بتدينها ولها باع كبير في الدين والتجارة‏,‏ رحلت عني زوجتي الحبيبة بعد حادث سيارة‏,‏ تاركة فراغا فظيعا‏,‏ ولي و‏3‏ أولاد متزوجون الآن جميعهم‏,‏ يشغلون مناصب عليا بحمد الله‏,‏ ولدي من الأحفاد ماشاء الله‏,‏ مما يجعلهم قرة عيني‏,‏ أسعد لحظات حياتي وأنا معهم ألعب مع أحفادي وأنصت لأحاديث أولادي وأنصح أحدهم بنصيحة أو أقوم بحل مشكلة بين ابنتي وأهل زوجها‏,‏ فأنا ياسيدي أقوم بدور الأب والأم معا‏,‏ لكن ياسيدي لي احتياجاتي ولست من النوع الذي يغضب الله‏,‏ فقررت الزواج من أرملة لديها أطفال لكن أولادي كانوا يعاملونها ويعاملون أولادها بمنتهي القسوة‏,‏ وصبرت معي وتحملت الكثير‏,‏ وأولادي لديهم مبررهم فهم لايريدون رؤية أحد مكان والدتهم ـ رحمها الله ـ فكانت منبوذة دائما‏..‏ فلم تصبر وصممت علي الطلاق‏,‏ عشت مرة أخري وحيدا الي ان بدأت أبحث من جديد ولكن علي سيدة بدون أطفال ولا أخفي عليك أمرا‏,

‏ كانت السيدات تتهافت علي‏,‏ الكل يريد إرضائي حتي أتزوجه‏,‏ منهن الأرملة ومنهن المطلقة حتي الآنسات كانت تريد ودي‏.‏

لم أرد أن أتزوج من هي أصغر مني بكثير لأني لا أريد أولادا مرة أخري ولا أكبر مني لأنني أؤمن بأن الرجل لابد وأن يكبر زوجته علي الأقل بخمس سنوات ليكون قواما عليها ولاتتحكم فيه‏,‏ ظللت أبحث الي أن قام أحد معارفي بتعريفي علي سيدة مطلقة لاتنجب‏,‏ ينقصها الشعور بالأمان في زمن قل فيه الأمان‏,‏ تعمل صباحا ومساء‏,‏ ووافقت ولكني لم أصارحها بما يشعر به أولادي تجاه أي امرأة تدخل حياتي وقمت باستئجار شقة تقيم فيها بعيدا عن المدينة التي يسكنها أولادي‏,‏ فعرفوا الأولاد وقاموا بمساعدة شياطين الأنس والجن بتضييق الخناق علي فأصبحت ممنوعا من أصطحابها الي أي مكان توجد فيه العائلة مجتمعة فكانت صابرة وكنت أهون عليها بأن الزمن كفيل بتليين قلوبهم‏,‏ ولكن صبري عليهم زادهم عنادا فكانوا اذا قابلونا بمحض الصدفة في الشارع لايلقون عليها السلام‏,‏ واذا صادف وقامت بالرد علي الهاتف الخاص بي قاموا بإغلاقه في وجهها بغير كلمة فكنت أخجل منها لأنني أنا بين فكي الرحي‏,‏ ناهيك ياسيدي عن المناسبات الدينية التي كانوا يصرون علي احيائها معي فكنت أتركها مستشعرا بتأنيب الضمير‏.‏

لانريد أحدا مكان أمنا كانت هذه جملتهم وشعرت بظلمي لها فخيرتها بين الانفصال عنها أو أن تقبل العيش معي في تلك الظروف‏,‏ فقبلت لأنها لاتستطيع مواجهة المجتمع بلقب المطلقة مرة أخري وكنت واثقا من هذا‏,‏ وسعدت وظننت أن صدري استراح لكن أصبحت نظراتها حزينة مليئة بالانكسار‏,‏ فعند ذهابي لمناسبة أو حفل أدعو فيه كل أقاربي تساعدني في ارتداء ملابسي وترافقني الي الباب مودعة وأكاد أسمع بكاءها وأنا أنزل السلم‏,‏ أما عني فأري كل أقاربي مع زوجاتهم بجانبهم إلا أنا فوحدي أصيبت زوجتي بارتفاع بضغط الدم‏,‏ حاصرها المرض فطلبت مني الانفصال وسرحتها سراحا جميلا ولم أخسر شيئا لأنها لم تشترط شيئا عند زواجي منها‏.‏

باتت بدعواتها التي كانت تدعوها طيلة الليل في فترة زواجي بها تلاحقني أينما ذهبت وتشعرني بالظلم فيما سعد أولادي جدا بطلاقي قائلين الحمد لله عدت لنا يا أبي وتزينت النساء مرة أخري ممن يصغرني ومن يكبرني ولكني أصبحت عازفا عن الزواج لكي لا أظلم أحدا مرة أخري‏,‏ فأنا أخاف الله والمشكلة أن الوحدة تعذبني وأريد زوجة في الحلال زواجا شرعيا لكن شريطة أن تتحمل ظروفي‏,‏ سأوجد لها شقة وأطعمها وكل أسبوع سأقوم بتزيينها والذهاب بها الي السينما‏.‏

ولكن عليها ان تعرف ان المناسبات العائلية والاجتماعية الموجود فيها أولادي محرمة عليها والدعوات والأفراح والأعياد سأقضيها معهم ومع أحفادي ويجب عليها أن تكون أصغر حتي أتوكأ عليها في كبري‏,‏ فمن تري نفسها قادرة علي هذا أرجو أن تكونوا طريقها الي‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ صبرت عليك حتي نهاية رسالتك‏,‏ ومع كل سطر يسلمني لآخر كان يزداد غضبي وعتابي لك حتي التبس علي الأمر‏,‏ وشككت أنك تريد دمية أو عروسا إليكترونية لا إنسانة لها حقوق وعليها واجبات‏.‏

تقول ان أسعد لحظات حياتك مع أولادك وأحفادك فلماذا لاتكتفي بمالديك من سعادة‏,‏ خاصة أنك حريص كل الحرص علي الحصول علي كل حقوقك‏,‏ حقوق الأب وحقوق الجد فلماذا تسعي الي مالا تقدر عليه؟‏!‏

ما تطلبه ياسيدي ليس زوجة تشاركك حياتك‏,‏ بحلوها ومرها‏..‏ لتصبح لك سكنا ويكون بينكما مودة ورحمة‏,‏ بل تطلب امرأة تلبي احتياجاتك الذكورية بطريقة شرعية‏,‏ تذهب إليها تقضي وطرك بعد أن تستمتع بكل مالديك من أبناء وأحفاد وعائلة‏,‏ أما هي واحتياجاتها وحقوقها فلايهم‏,‏ طالما يطاردونك مطلقات وأرامل وآنسات‏..‏ ألا تري في سلوكك هذا أنانية وظلما وضعفا‏.‏

نعم ضعف ياسيدي‏,‏ فأنت عاجز عن مواجهة أبنائك المتزوجين بحقك في الزواج بأخري‏..‏ عاجز عن إلزامهم باحترامها‏,‏ فسمحت لهم بإيذاء زوجتك وأبنائها‏,‏ والأغرب أنك تري لهم مبررا‏,‏ فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تؤذي وتظلم الآخرين؟ كنت أعتقد ان تربيتك الدينية وعائلتك التي لها باع كبير في الدين‏,‏ سيجعلانك أكثر حرصا علي العدل‏,‏ وأكثر فهما لمعني الزواج‏,‏ الميثاق الغليظ الذي تلاعبت به‏,‏ فطلقت زوجتك بعد أن ظلمتوها جميعكم‏..‏ وبدلا من أن تلتقط أنفاسك‏,‏ وتفتح حوارا عاقلا مع أبنائك لإقناعهم بحقك في الزواج وحقك عليهم في احترام رغبتك واحترام شريكة حياتك‏,‏ خدعت امرأة أخري‏,‏ امرأة وحيدة كل أملها في الحياة هو الإحساس بالأمان الذي قبلت الزواج منك بحثا عنه‏,‏ فماذا فعلت وأنت تتحدث عن القوامة‏,‏ هل كنت قواما عليها؟

لاياسيدي‏,‏ عزلتها في سجن وعرضتها للإهانة تلو الأخري‏,‏ واستمرأت تخاذلك وضعفك أمام أولادك خاصة بعد أن قبلت الاستمرار معك وأنت تعرض عليها الطلاق موقنا أنها سترفضه‏.‏

ماذا فعلت أمام نظراتها الحزينة وانكسارها ومرضها‏,‏ اكتفيت بالشعور بأنك ظالم‏,‏ لكنك لم تسع لرفع الظلم عنها‏,‏ بل طلقتها بدون أي خسائر فهي لم تشترط شيئا عند الزواج‏,‏ طلبت فقط الأمان وهو للأسف آخر شئ تملكه‏.‏

سيدي‏..‏ لقد أدمنت اللعبة‏,‏ وأعتذر لك عن هذا التعبير‏,‏ ولكن ماتفعله في هذا العمر ليس زواجا وإنما عبث بحياة ومشاعر أخريات لم يرتكبن إثما‏,‏ يبحثن عن حلال الله ولكنك بكل أسف تقودهن لأبغضه‏.‏

وللمرة الثانية وبدلا من أن تراجع نفسك وتصحح أخطاءك وتواجه أبناءك تفكر بنفس الطريقة التي ستقود حتما الي الطلاق‏..‏ فالنساء مرة ثالثة يتزين لك‏,‏ فتأتينا بحثا عن عروس جديدة فلماذا لاتختر من تعذبها وتطلقها ممن بين يديك؟

تريد زوجة حبيسة لن تشاركك في أي تفاصيل للحياة‏,‏ ستغيب عن مناسباتك العائلية‏,‏ تختفي في الأعياد والأفراح والمناسبات‏,‏ هي فقط للمتعة‏,‏ متعة سيادتك وتشترط أن تكون صغيرة لتتكئ عليها في كبرك ويكفيها أنك ستسكنها شقة في منطقة نائية‏,‏ وستطعمها ثلاث وجبات وقد تزيد‏.‏ ستزينها وتذهب بها الي السينما مرة في الأسبوع‏,‏ ما هذا الاستعلاء ياسيدي وما كل هذا الفهم الخاطئ للزواج‏.‏

أسف سيدي ليس لدينا ماتطلب ولاننصح أي امرأة بقبول الزواج بمن يفكر بهذا الأسلوب ومن يكرر اخطاءه بنفس الطريقة‏.‏

سيدي‏..‏ لاتتزوج وتفرغ لسعادتك مع أولادك أو أحفادك‏,‏ وان قررت ان تفعلها فليكن بالاتفاق والتفاهم معهم‏,‏ واختر من تناسبك في العمر والثقافة علي أن تكون واثقا من أنك لن تظلمها ولن تغرس الحزن في عينيها أو تصيبها الأمراض قهرا وضعفا‏,‏ فما أقسي أن تجتمع عليك دعوات من ظلمتهن‏,‏ فنحن لانحب لك ولا لنا الظلم‏,‏ أنار الله قلبك وأعادك الي صواب الحق والي اللقاء ـ بإذن الله‏.‏

هشام حلمي شلبي 07-31-2009 07:21 AM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بـريــد الأهــرام

44797‏السنة 133-العدد2009يوليو31‏9 من شعبان 1430 هـالجمعة
..‏ وبدا حزينا منهكا‏!‏

‏حادث قد يبدو بسيطا ولكنه آلمني بشدة‏,‏ فذات مرة أرسلنا في طلب أنبوبة غاز من بائع يسير بدراجة يحمل عليها مجموعة من الأنابيب ولاحظت انه يسير بتهالك ويبدو عليه الضعف الشديد‏,‏ حتي انني تساءلت كيف يعمل بهذه المهنة وكيف سيحمل الأنبوبة الي الطابق الثالث‏,‏ مما جعلني أهبط اليه من الطابق الثالث لأساعده في حمل الأنبوبة‏,‏ وحينما نزلت سألني عن الطابق الثالث فرأيت امارات الاحباط علي وجهه وبدا حزينا منهكا فحملتها عنه الي الطابق الثالث ثم وجدت نفسي أقوم بتركيبها وكذلك حملت الفارغة ونزلت بها الي موضع الدراجة‏,‏

ثم لاحظت انه يلتقط انفاسه بصعوبة بالغة وبصوت مسموع مما جعلني أسأله هل تعاني من شئ؟ فأخبرني انه مريض بالقلب‏!!!‏ تخيل ياسيدي‏,‏ مريض بالقلب ويعمل بائع أنابيب يصعد أحيانا للطابق الثالث والرابع حاملا أنابيب ممتلئة وفارغة يكاد بعدها يخر مغشيا عليه في كل مرة‏,‏ ومما زادني الما انه حدث ماتوقعت وعلمت انه بعد ذلك مرض وانتابته نوبة قلبية ودخل علي أثرها المستشفي‏,‏ ثم زارني في منزلي طالبا المساعدة‏,‏ حيث تقاعد تماما عن العمل خشية اصابته بنوبة قلبية قاتلة لأن هذه المهنة في غاية الخطورة علي مريض بالقلب‏,‏ ثم ناقشته في سبل الاناق علي أسرته التي علمت منه أنها تتكون منه وزوجته وولد وبنت بالجامعة‏,‏ فاخبرني ان صافي المعاش الذي يعيش به هو وأسرته‏300‏ جنيه لست ادري هل تكفي مواصلات الأبناء الي الجامعة فضلا عن المأكل والمشرب والملبس والأدوية لمريض بالقلب والكهرباء والمياه والإيجار‏..‏

سيدي‏..‏ لقد شعرت ساعتها كم نحن مقصرون في حق الله تعالي وفي شكر نعمه سبحانه علينا‏..‏ واضع أمر هذا المسكين بين ايديكم وايدي القراء الأعزاء عسي ان تتحرك القلوب الرحيمة لمساعدة هذه الأسرة المسكينة وعائلها المريض‏..‏

ايمان حسن 08-17-2009 11:49 PM

مشاركة: قصص من بريد الاهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بسم الله الرحمن الرحيم
إليكم
مجموعة لم تنشر من قبل للراحل
عبدالوهاب مطاوع اردت ان اتشاركها معكم
وللعلم الموضوع منقول للافادة
---------------
http://img145.imageshack.us/img145/6...e000xz5we4.jpg

قدمت أعذارى

http://img201.imageshack.us/img201/1...e000sa5hp8.jpg

صور من حياتهم

http://img262.imageshack.us/img262/8...e000fy7qq7.jpg

أهلاً مع السلامة

http://img165.imageshack.us/img165/4...e000uf0oq1.jpg

هتاف المعذبين

http://img405.imageshack.us/img405/3...e000tt6af0.jpg

خاتم فى إصبع القلب


http://img245.imageshack.us/img245/6...ture000kf7.jpg
سائح فى دنيا الله




كتب منقولة

العصافير الخرساء
افتح قلبك
اندهش يا صديقي
ارجوك لا تفهمني
ازواج و زوجات او صراع الديكه
صديقي ما اعظمك

.......





لجميع عشاق الكاتب الراحل عبد الوهاب مطاوع

http://img521.imageshack.us/img521/757/picturexy1.jpg

هذه الإسطوانة (كتاب مسموع) تحتوى على
مقطع فيديو للكاتب الراحل يحكى فيه عن رحلته مع بريد الأهرام
و ايضا
عشرات من مشاكل بريد الأهرام المقروءة و رد الأستاذ عبد الوهاب مطاوع عليها

الأسطوانة على ستة روابط

الجزء الأول
الجزء الثانى
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الخامس
الجزء السادس

يجب تنزيلهم جميعا ثم وضعهم فى فولدر واحد و فك أول ملف فقط (extract to eshret_omr" و سيتبعه فك كل الأجزاء
ثم يتم نسخ محتوى فولدر (لا الفولدر) على إسطوانة

و الإسطوانة ذاتية التشغيل


ارجو ان ينال الموضوع رضاكم
والشكر لمن بذل الجهد فى رفع هذه الكتب
حتى نستمتع بها
مع تحياتى.

هشام حلمي شلبي 10-16-2009 09:14 AM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
‏في هذا الزمن الذي للأسف الشديد نسمع فيه ونقرأ الكثير عن عقوق الابناء لآبائهم وأمهاتهم‏,‏ حتي وصل الامر إلي حد الضرب‏,‏ بل والقتل ـ والعياذ بالله ـ أرجو التكرم بنشر هذه القصة التي رواها السيد ماهر أبو طير في مجلة الوطن العربي‏,‏ ففيها من العبرة والعظة ما قد يردع الكثيرين ممن لايراعون آباءهم وأمهاتهم عندما يصلون إلي خريف العمر‏,‏ ويكونون في أمس الحاجة إلي عون وعطف أبنائهم‏,‏ لاهين عن حقيقة مهمة تقول‏:‏ كما تدين تدان‏,‏ وغافلين عن قوله تعالي‏:‏ إن الله سريع الحساب في الدنيا قبل الآخرة‏.‏

وإليك القصة‏:‏
يروي قبل سنوات‏,‏ أنه حدث في عاصمة عربية‏,‏ أن والدا عجوزا كان يضربه أولاده يوميا‏,‏ بسبب أو بدون سبب‏,‏ يعود الاولاد سكاري إلي المنزل آخر الليل‏,‏ ولايجدون سوي الاب لإخراج كل تلك القاذورات التي عششت في رءوسهم‏,‏ حتي وصل الاب إلي مرحلة بان فيها ضعيفا جدا ومريضا‏,‏ مما دفع الابناء العاقين إلي الاتفاق علي حمله ليلا ورميه عند حاوية نفايات في ذلك الحي الشعبي‏,‏ وقد حصل فعلا ما اتفقوا عليه‏,‏ إذ حملوه ليلتها وهو يرجوهم أن يتركوه‏,‏ وذهبوا إلي الحاوية ورموه عندها‏,‏ قائلين له‏:‏ مت هنا‏.‏ وخرج الجيران علي صوت الاولاد وهم يقهقهون علي أبيهم‏,‏ في ظل محاولة أخيرة منهم لرميه داخل الحاوية‏.‏ وهب الجيران هبة رجل واحد من أجل إنقاذ الرجل العجوز‏,‏ إلا أن المفاجأة كانت فيما قاله الاب الملقي جانب الحاوية‏.‏ إذ طلب من الجيران تركه عند الحاوية وطلب من أولاده أن ينصرفوا إلي شأنهم‏,‏ وبدأت دموعه بالتساقط بغزارة‏,‏ قائلا للجيران‏:‏ اتركوني هنا فهذا عدل السماء‏.‏ فقبل أربعين سنة‏,‏ كنت أضرب والدي العجوز‏,‏ ووصل بي الامر أنني حملته بتحريض من زوجتي‏,‏ جراء مرضه آنذاك وقرف زوجتي من خدمته‏,‏ وقمت بحمله ورميه في مزبلة القرية‏,‏ حيث مات

ليلتها وكانت عيناه شاخصتين الي السماء تدعوان‏,‏ بعد أن كان مشلولا لاينطق لسانه‏,‏ وما ترونه الليلة سداد دين أبي‏,‏ وانتقام الله مني‏,‏ فاتركوني‏..‏ وقد كان مأسويا أن يموت الأب ليلتها قرب حاوية النفايات‏,‏ مثلما عق والده قبل عقود ورماه علي مزبلة القرية إرضاء لزوجته المصون‏.‏ انتهت القصة والتي تحمل من العبرة والخوف وخشية الله في تعامل الابناء مع الآباء والامهات ما تشيب له الرءوس‏,‏ إذ إن ما يفعله الابناء اليوم مع آبائهم وأمهاتهم سيرتد حتما عليهم يوما ما في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ إن خيرا فخير‏,‏ وان شرا وعقوقا فشر وعقوق من أبنائهم في المستقبل عندما يحل خريف العمر بهم‏.‏ ذلك أن عقوق الوالدين يعتبر من الكبائر التي حذر منها الله ورسوله بعد الشرك بالله‏.‏ فحتي كلمة أف نهانا الله عنها في قوله تعالي‏:‏ ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما وقل لهما قولا كريما‏,‏ فما بالنا اليوم بكثيرين من الابناء لايزورون آباءهم وأمهاتهم إلا مرة واحدة كل شهر أو كل أسبوع‏,‏ ولايتفقدون أهلهم حتي بمكالمة هاتفية‏,‏ ناهيك عن معاملتهم بجفاء‏,‏ فهل أمنوا غضب الله عليهم وتقلب الأيام والليالي؟ أم أمنوا مكر الله‏,‏ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون‏.‏ إن
سداد الدين آت آت ولو بعد حين‏

هشام حلمي شلبي 11-20-2009 09:58 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
بـريــد الأهــرام

44909‏السنة 133-العدد2009نوفمبر20‏3 من ذى الحجة 1430 هـالجمعة
هـذا الوحـش‏!‏

http://www.ahram.org.eg/archive/2009.../44909_13m.jpg
سـيدي‏..‏ أرجو أن تتذكرني‏,‏ ويتذكرني قراء بابك الأعزاء‏,‏ فأنا صاحبة رسالة الانتقام التي نشرت بجريدتكم في‏2006/11/17,‏ نعم أنا التي كتبت لك عن والدي‏,‏ الذي كان يعاملنا ـ أنا واخواتي وأمي ـ معاملة مهينة حتي فقدت أمي الحياة‏,‏ كمدا‏,‏ ورفض تسلم جثتها ودفنها‏,‏ ثم تزوج بعدها عدة مرات‏,‏ وبعد أن ذهب لأداء العمرة‏,‏ انقطعت أخباره عدة سنوات حتي صدر قرار المحكمة بفقده‏,‏ وحصلنا علي ميراثه‏,‏ ولكن شاءت إرادة الله أن أجده مصادفة بعد سنوات‏,‏ عجوزا منهكا‏,‏ فاقدا للذاكرة‏,‏ يمسح سلالم العمارات‏,‏ ويتسول ثمن طعامه‏,‏ ودوائه‏,‏ بعد ان كان في رغد من العيش‏,‏ يحرمنا نحن منه‏,‏ ويهيننا في أعمال مرهقة لننفق علي أنفسنا‏!‏

سيدي‏...‏ قرأت ساعتها ردك علي رسالتي‏,‏ ونصيحتك لنا ـ أنا واخواتي ـ بالعفو‏,‏ وإطفاء نار الانتقام‏,‏ الذي لن تدوم لذته سوي لحظات‏,‏ فجمعت أخواتي‏,‏ وأخذتهم ومعنا المحامي وذهبنا لنري أبي الذي عاد‏..‏ سألنا عليه‏,‏ فدلنا أولاد الحلال علي مكانه‏,‏ وعلمنا انه تم نقله الي أحد المستشفيات الحكومية‏,‏ فذهبنا اليه هناك‏,‏ ورأينا مشاهد مؤلمة‏,‏ فقد كان ينام علي مرتبة متهالكة‏,‏ في حجرة كئيبة‏,‏ بها كثير من المرضي‏,‏ الذين أخبرونا أنه يذهب كثيرا في غيبوبة‏,‏ وأن الاطباء يريدون ان يخرجوه‏,‏ ولكنهم لايعرفون أهله حتي يتسلموه‏.‏

ذهبنا للطبيب لنسأل عن حالته‏,‏ فقال انه يعاني من أمراض كثيرة‏:‏ ضغط وسكر ومياه علي الرئة‏,‏ وتليف بالكبد‏,‏ ودوالي بالمريء‏,‏ نقلناه الي أحد المستشفيات النظيفة بالقاهرة علي مسئولية المحامي‏,‏ وعندما أفاق من الغيبوبة بكي بشدة‏,‏ وقال‏:‏ وحشتوني‏,‏ لماذا لم تأتوا الي منذ فترة‏,‏ بكينا سيدي من هذه الكلمات‏,‏ ومن حالته المأساوية‏,‏ ومن وصف الأطباء لأمراضه الكثيرة‏,‏ كان يقول هذه الكلمات ودموعه تغرق وجهه الذي سكنته الشقوق والجروح‏,‏ وكأنه كان يشعر أننا أولاده‏!!‏

بعد أيام‏,‏ طلب منا الاطباء الاهتمام بعلاجه‏,‏ ونظافته‏,‏ ومعيشته‏,‏ وفوجئنا به يطلب منا أن نخرجه من المستشفي لأنه علم أن الغرفة التي يقيم بها غالية الثمن‏,‏ وسامح الله شقيقتي‏,‏ فقد قالت له‏:‏ انت في حجرة متحلمش بيها أخفي وجهه في الملاءة‏,‏ وقال لي‏:‏ اخرجيني يا ابنتي من هنا‏,‏ واقرضيني ثمن العلاج‏,‏ وسوف أسدده لك إن شاء الله‏,‏ فقالت له أختي‏,‏ ومن أين ستسدد؟ قال‏:‏ سوف أعمل‏,‏ سأنظف البيوت‏,‏ وأمسح السلالم‏,‏ هذا هو عملي‏,‏ وان لم استطع تسديد دينكم سأعمل عندكم بثمن العلاج‏,‏ أمسح سلالم شققكم‏,‏ وأنظفها‏!‏

لم تعط شقيقتنا لنا فرصة لنشفق عليه بعد هذا الموقف‏,‏ فعلي الفور قالت له‏:‏ لقد كان لنا أب‏,‏ لكن لم يرحمنا‏,‏ ولم يرحم أمنا‏,‏ حتي وهي مريضة‏,‏ فكان يجبرها علي العمل ويقول لها اشتغلي بلقمتك علي الرغم من أنه كان يمتلك كثيرا من الأموال‏,‏ ولكنه اليوم علي استعداد للعمل عند أولاده‏,‏ يخدمهم‏,‏ ليسددوا نفقات علاجه‏,‏ وهنا تدخلت أنا‏,‏ وأخبرته أننا ننفق هذه الأموال عليك صدقة عن أمي المتوفية‏,‏ فأنت مثل والدنا‏,‏ نهرتني أختي قائلة‏:‏ متطمعهوش فينا‏,‏ انت السبب‏,‏ ربنا ياخدك معاه‏,‏ كان لازم تقابليه‏,‏ وترجعيه تاني‏.‏

أصر أحد أخوالي علي الذهاب الي أعمامي‏,‏ ليخبرهم أن أخاهم أبو البنات قد عاد‏,‏ وأنه حي‏,‏ لم يمت‏,‏ ويعالج في المستشفي‏,‏ فكذبوه‏,‏ وحضروا إلي المستشفي‏,‏ وحدثت بيننا خناقة كبيرة وضربونا‏,‏ وكانت فضيحة في العائلة‏,‏ ولكن خالي ذهب الي قسم الشرطة‏,‏ وعمل محضرا ضد أعمامي‏,‏ وجاء أمين الشرطة للمستشفي ليسأل العجوز‏:‏ انت مين؟‏..‏ قال‏:‏ أنا معرفش حاجة‏,‏ هؤلاء البنات ساعدوني‏,‏ وأحضروني للمستشفي للعلاج‏,‏ وقال للاطباء اني فاقد للذاكرة‏,‏ ولكني لو كنت فعلا أباهم‏,‏ فأنا مش عاوزهم يعرفوني تاني‏..‏ قالها سيدي‏,‏ وهو يبكي بحرقة‏,‏ فكيف لأب ان يضرب بناته‏,‏ ويعذبهم‏,‏ بل ويكون سببا في وفاة أمهم‏,‏ هل كنت أنا هذا الوحش‏,‏ ان كنت كذلك‏,‏ فلا أريد أن أذكرهم بما عانوه معي‏!!‏

خرج الرجل من المستشفي‏,‏ بعد علاجه‏,‏ وعلم اننا بناته‏,‏ وكان كلما يري واحدة منا يداري وجهه‏,‏ وهو يبكي ويقول اللهم قصر أيامي فأقول له انت مش مبسوط انك عرفت ولادك‏,‏ فيقول كان نفسي أكون مبسوط ولكن ذكرياتي معكم ذكريات موت ولهذا لن استطيع العيش معكم‏,‏ سأعود إلي حجرتي الصغيرة‏,‏ أكنس وأمسح السلالم‏,‏ والبيوت‏,‏ ولكن كل ما أطلبه منكم يا ابنتي هو ان تسامحوني‏..‏ سامحوني أرجوكم‏!!‏

كررها سيدي أكثر من مرة‏...‏ سامحوني‏,‏ فقلت له لو سامحناك نحن في حقنا‏,‏ فمن يسامحك في حق أمي؟‏...‏ فقال وهو يبكي يا ابنتي‏..‏ ياويلي من عذاب الله‏,‏ فلا أدري ماذا أقول لربي عندما يسألني‏,‏ لماذا لم تنفق علي بناتك‏,‏ وقد رزقتك مالا كثيرا‏,‏ لماذا تركتهن ومعهن زوجتك المريضة يعملن لينفقن علي أنفسهن؟

..‏ ماذا سأقول لربي إذا سألني لماذا لم تتسلم جثة زوجتك‏,‏ وتدفنها؟‏!‏

أخذته أختي الوسطي بعدها ليعيش معها‏,‏ ولكنها ـ سامحها الله ـ كانت تعطي له العلاج علي معدة خالية لأنها كانت تقوم من النوم متأخرة‏,‏ وكان أول طعامه هو العيش الناشف فكان يطلب منها ان تبلل له العيش ليستطيع مضغه‏,‏ فكانت تغرق العيش في الماء حتي يتفتت‏,‏ فيلملمه بأصابعه الضعيفة‏,‏ وهو لا يملك ما يسد جوعه غير ذلك‏,‏ وكانت كلمته التي يرددها دائما أهي أكلة والسلام‏!‏

لا استطيع ان أنسي مشهده‏,‏ سيدي عندما ذهبت لزيارته يوما‏,‏ فوجدته جالسا عند باب الشقة من الداخل‏,‏ حزينا وخائفا فسألته ماذا جري؟ فأخبرني أنه تبول لا اراديا علي مرتبة السرير وان شقيقتي قد نبهت عليه الا يفعلها مرة أخري‏,‏ بكي بشدة وترجاني ان ارحل به من عندها‏,‏ فأخذته وذهبت به الي اختي الاخري‏,‏ فقد كنت رافضة أن يعيش معي في الشقة‏,‏ فأنا أعيش منفردة‏,‏ وكنت لا أريد أن أعيش لخدمته‏,‏ وكنت أقول لنفسي في بعض الأوقات اتركيه يتبهدل عند ولاده ثم اذهبي به لحجرة الموت التي كان يعيش فيها‏..‏ أعرف انكم جميعا ستدعون بأن ينتقم الله مني‏,‏ وقد قلتها بالفعل لنفسي‏!!‏

عندما دخلنا علي أختي باغتته بسؤال‏:‏ انت لسه عايش‏,‏ وكمان هتعيش معايا‏!‏ تعلق الرجل في يدي‏,‏ وبكي‏,‏ واستحلفني الا أتركه‏,‏ وأصطحبه معي‏,‏ فأخبرته أنها أيام قليلة‏,‏ ثم يعود إلي حجرته الأصلية‏,‏ تركته سيدي‏,‏ ولكن ظلت نظرة عينيه لا تفارقني دقيقة‏,‏ وهو يتوسل لي ألا أتركه‏,‏ فعدت بعد أسبوع لزيارته‏,‏ فوجدته نائما علي كنبة ببلكونة المنزل‏,‏ وعلمت أن شقيقتي كانت تكلفه بنظافة المنزل‏,‏ ومسحه‏,‏ وكأنه خادمة‏,‏ حتي إن زجاج الشباك أصاب إصبعه‏,‏ فلم تكلف نفسها عناء علاجه‏,‏ وتركته ينزف ويعاني‏!!‏

أمسك بيدي ورجلي‏,‏ وترجاني أن أعود به إلي حجرته‏,‏ ووعدني أنه سيطلب من أولاد الحلال سداد ما أنفقناه عليه في علاجه‏,‏ أخذته‏,‏ وذهبت به إلي حجرته الصغيرة التي يسكن بها في مدينة طنطا‏,‏ وأعطيت أموالا لشيخ المسجد لكي يقوم علي رعايته‏,‏ ثم سافرت‏,‏ وما إن نزلت في محطة القطار‏,‏ إلا ووجدتني أعود مرة أخري‏,‏ وأستقل القطار العائد إلي طنطا‏,‏ وعندما دخلت عليه انهار في البكاء‏,‏ وقال كنت أعلم أنك ستعودين‏,‏ أنت فقط من أشعر بك‏,‏ استلقيت في حضنه ـ لأول مرة ـ إنه أبي يأخذني في حضنه الدافيء‏,‏ بكيت علي كتفيه‏,‏ غمرت وجهه الدموع‏,‏ ثم سألني‏:‏ هل سامحتيني‏..‏ فرحت في صمت عميق‏,‏ ولكنه ليس علامة عن الرضا‏!!‏

لم أستطع أن أتركه بعد كل ذلك‏,‏ واصطحبته معي إلي شقتي‏,‏ كنت أبحث عن رضا ربي‏,‏ قبل أي شيء‏,‏ علي الرغم من النار الدفينة التي كانت تسكن أحشائي مما فعله معنا‏..‏ عشنا معا فترة شعرت فيها ـ لأول مرة ـ بطعم أن يكون لك أب يربت علي كتفيك‏,‏ يحنو عليك‏,‏ كنت أدخل الشقة فأجده واقفا في الشباك ينتظرني‏,‏ ويطمئن علي‏,‏ كان يطلب مني أن آخذه إلي مقبرة والدتي‏,‏ وعندما وقف أمامها‏,‏ بدأ في قراءة القرآن‏,‏ وبكي كثيرا‏,‏ ثم طلب منها أن تسامحه‏,‏ وأن تشفع له عند الله ليسامحه‏.‏

لا أنسي هذه الأوقات التي كان يساعدني فيها في لملمة أوراقي التي كنت أحضرها معي للعمل بالمنزل‏,‏ ثم نبدأ في اللعب علي الكمبيوتر‏,‏ لم أعد أحتمل البيت بدونه‏,‏ فقد كان يذهب لزيارة حجرته‏,‏ التي كان يسكن بها‏,‏ فلم أتحمل هذه الساعات‏,‏ وذهبت فورا لإحضاره‏,‏ لا أخفي عليكم سيدي‏,‏ أنه حتي النوم أصبح له طعم في وجوده‏,‏ فكنت أستغرق في النوم‏,‏ وأنا مطمئنة أن أبي معي في المنزل‏,‏ يحرسني بدعواته التي لا تنقطع‏,‏ ربنا يكفيك شر عباده يا بنتي‏!!‏

في هذه الأوقات قررت أن أذهب لقضاء العمرة‏,‏ وعندما أخبرته‏,‏ ضحك‏,‏ وقال‏:‏ أوعي تفقدي الذاكرة‏..‏وبكي‏,‏ وقال لي‏,‏ ومن سيزورني‏,‏ ثم بدأ يوصيني بالدعاء‏,‏ ووعدته بأن أصطحبه معي في المرة القادمة‏,‏ سافرت بعد أن أعطيته تليفونا محمولا لكي أطمئن عليه‏,‏ وبعدها علمت أنه مرض‏,‏ ولم يجد أحدا يدخله المستشفي‏,‏ وبعد أن قضيت عمرة رمضان‏,‏ عدت‏,‏ وأخذته إلي المستشفي‏,‏ كان يعاني في هذه المرة‏,‏ يبتسم كثيرا‏,‏ ويبكي أكثر‏,‏ ويشرد بناظريه أكثر وأكثر‏..‏ وكان يردد دائما‏:‏ تري يا ربي هل خففت عذابك عني‏,‏ تري هل تقبلت دعوتي؟‏..‏ هدأته‏,‏ وقلت له‏:‏ ارحم نفسك‏,‏ ولأول مرة نبض قلبي بالدعاء له‏,‏ أن يشفيه‏,‏ تركته في اليوم التالي‏,‏ وذهبت لعملي‏,‏ وعدت مسرعة بعد أن اتصلت بي الممرضة‏,‏ لتخبرني أنه في غيبوبة‏,‏ فاقتحمت حجرة الرعاية المركزة‏,‏ ورميت نفسي فوق صدره‏,‏ وبكيت‏,‏ كما لم أبك من قبل‏,‏ وصرخت بأعلي صوتي‏..‏ يارب‏,‏ دعه يشعر بي‏,‏ ولو لحظة واحدة‏,‏ لكي أقول له‏:‏ سامحني‏..‏ سامحني علي كل لحظة عاملتك فيها بجفاء‏,‏ فقد كان كل ذلك رغما عني‏..‏ جلست عند قدميه‏,‏ وقبلتهما‏,‏ ثم قبلت رأسه‏,‏ واستحلفته ألا يتركني‏,‏ وطلبت منه
أن يغفر لي‏,‏ ثم ذهبت لأصلي‏,‏ وما هي إلا لحظات‏,‏ وحضرت الممرضة‏,‏ لتقول لي‏:‏ البقاء لله‏!...‏

رحل أبي‏,‏ ورحت أنا في غيبوبة‏,‏ وعلمت بعد أن أفقت أن أعمامي رفضوا دفنه في مقابرهم‏,‏ فدفنه خالي في مقابر العائلة‏,‏ بجوار أمي‏,‏ التي رفض ـ سابقا ـ استلام جثتها‏,‏ وياللقدر ياسيدي‏,‏ فربما تكون قد سامحته هي الأخري‏!‏

الآن سيدي لم أعد أجد من ينتظرني بالمنزل‏,‏ لم يعد هناك من يدعو لي‏,‏ أصبحت أعيش في وحشة الوحدة‏,‏ ويبدو أن انتقام الله قد بدأ معنا‏..‏ نعم سيدي لقد بدأ انتقام الله معي‏,‏ وأخواتي‏,‏ فقد مرضت بهوس نفسي‏,‏ كنت أقطع هدومي‏,‏ وأجري في الشارع‏,‏ وأصرخ‏,‏ وأبكي‏..‏ أضحك‏,‏ وأرقص‏,‏ ثم أعود لأصرخ‏:‏ أبويا مات‏..‏ ياناس‏,‏ أبويا مات‏!!‏

أما شقيقاتي‏,‏ فسوف أقول لك ماحدث لواحدة منهن فقط‏,‏ وهي التي كانت تطعم أبي العيش الناشف فقد أصابها مرض البهاق في جسدها كله‏,‏ ولم يتحملها أحد‏,‏ حتي أولادها‏,‏ وزوجها‏,‏ وطلبوا مني أن آخذها لتعيش معي‏!!‏

سيدي‏..‏ قل ما شئت لنا‏,‏ فنحن في انتظار كلماتك‏,‏ أيقظ ضمائرنا‏,‏ ولكن قبل ذلك كله مازال لدي سؤال أبحث له عن إجابة‏:‏ هل سامحني أبي؟‏!‏

*‏ سيدتي‏..‏ نعم أتذكرك جيدا‏,‏ فمثل تلك القصة لا يمكن أن تمحي من الذاكرة‏!‏ هل تصدقيني لو قلت لك أني أحكي تلك القصة حتي الآن لكثير ممن ألتقي بهم‏,‏ كما يسألني كثير من الأصدقاء والقراء عن حالة الأب أو بماذا انتهت حكايتكم‏,‏ وها أنت جئت بعد سنوات لتضعي كلمة النهاية‏,‏ ولكن هل انتهت قصتكم أم بدأت؟

سبق وحذرتكم ـ ياعزيزتي ـ من أن المنتقم يرتكب نفس خطيئة المنتقم منه‏,‏ وأن والدكم عندما عاد لم يكن هو هذا الوحش القديم الذي عذبكم وأهان والدتكم‏,‏ بل هو انسان عائد بفطرته الأولي‏,‏ بخيره ومحبته وسلامه‏..‏ نعم نحن بشر ولسنا ملائكة‏,‏ قد نجنح إلي الانتقام‏,‏ ولكن الله سبحانه وتعالي وضع ضوابطه لكبح جماح النفس وتهذيبها‏,‏ فطالبنا بالعفو عند المقدرة‏,‏ ووعد الصابرين والعافين عن الناس بجنات وخير كثير‏,‏ ونهانا عن معصية الوالدين وأمرنا بطاعتهما وألا نقول لهما أف ولا ننهرهما ونصاحبهما في الدنيا معروفا حتي لو كان جهادهما للإشراك به سبحانه وتعالي‏.‏

من عاد إليكن ياسيدتي ليس والدكن قاسي القلب‏,‏ متجرد المشاعر‏,‏ الأناني المتغطرس‏..‏ من عاد هو رجل مسن بائس‏,‏ قادكن العلي القدير إليه لترين انتقامه وليكن درسا لكن تتعلمن منه وتوقن بأنه سبحانه وتعالي يمهل ولا يهمل‏..‏ وبدلا من تأمل قدرة الله وفهم رسالته العظيمة‏,‏ تحرك الوحش في داخلكن‏,‏ واستمتعتن بالشر‏,‏ ووجدتن لذة مرضية في إيذاء رجل عاجز فاقد للذاكرة‏,‏ ليس فيه من والدكن إلا الجسد فبالغتن في إهانته وإذلاله‏,‏ وهو التائب النادم علي أشياء لا يذكرها بل ينكرها علي أي أب‏,‏ يخجل منها ويلتمس لكن العذر في الإساءة إليه‏.‏

سيدتي‏..‏ إنها النفس الأمارة بالسوء‏,‏ التي أخرجت الوحش الكامن فيكن حتي أشقائه‏,‏ خشوا علي ما ورثوه عنه‏,‏ وتجاهلوا أنه حي يرزق‏,‏ وأن ماامتلكوه هو مال حرام سيحرق حتما قلوبهم وأولادهم‏,‏ ولو كنت منهم الآن لتصدقت بكل ما ورثوه علي روحه‏,‏ فعليهم أن يسارعوا بتوبة إلي ربهم لعله سبحانه وتعالي يغفر لهم ويتقبل منهم‏.‏

سيدتي‏..‏ الحمد لله أن ضميرك قد استيقظ قبل رحيل والدك‏,‏ فجعلك تستمتعين بوجوده معك‏,‏ لذا هوني علي نفسك‏,‏ اطلبي المغفرة والتوبة‏,‏ صلي من أجله‏,‏ تصدقي وادعي له بالرحمة‏,‏ وثقي في مغفرة الله فأبواب التوبة مشرعة للتائبين‏,‏ وما يطمئنك أنه مات وهو راض عنك‏,‏ محبا لك‏,‏ ملتمسا كل الأعذار لما فعلته معه من تصرفات لا تليق بأبنة تجاه والدها في مثل هذه الظروف‏.‏

الأزمة الحقيقية ـ ياعزيزتي ـ في شقيقتيك وقلبيهما المتحجرين‏,‏ فقد نقلت لنا ما لحق باحداهما من انتقام إلهي‏,‏ ولم تذكري إذا كانت أفاقت من غفلتها واستقبلت الرسالة الإلهية‏,‏ أم مازال قلبها غلفا ؟‏..‏ لعلها تلحق بنفسها وتستغفر الله وتتوب إليه وكذلك شقيقتك الأخري‏,‏ فانتقام الله قادم لا محالة ومن يقتل الوحش بداخله فقد نجا‏,‏ أما من يستسلم له‏,‏ فلن يجني إلا عذابا في الدنيا والآخرة‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.

حسام هداية 08-25-2011 04:33 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
ماكينــة الخياطــة‏!‏


‏السنة 128-العدد 2004 فبراير 27 ‏7 من محرم 1425 هـ الجمعة

هل تذكر هذه الرسالة القصيرة المرفق صورتها والتي نشرتها لي في بريد الأهرام منذ‏22‏ عاما؟ لقد كنت وقتها طالبا بالسنة الثانية بطب الأزهر‏,‏ وشكوت لك من أن المدينة الجامعية رفضت قبولي بحجة أنني لم أكن مقيما بها في السنة الأولي‏,‏ في حين أن إمكاناتي لا تسمح لي بالسكن خارجها لأن نصيبي من معاش أبي لا يزيد علي‏12‏ جنيها واخوتي مثقلون بأعبائهم‏.‏

لقد كان هذا حالي بالفعل‏,‏ فلقد نشأت في أسرة بسيطة مكونة من‏3‏ أشقاء وشقيقتين وكنت الابن قبل الأخير لأبي ـ الذي حرمت منه وأنا في التاسعة من عمري ثم من أمي التي لحقت به بعد‏25‏ يوما كأنما لم تحتمل الحياة من بعده‏..‏ ونشأت في رعاية اخوتي إلي أن حصلت علي الثانوية العامة‏,‏ وجئت من مدينتي بالوجه البحري إلي القاهرة الواسعة لألتحق بطب الأزهر‏..‏ وأقمت أول سنة دراسية مع بعض أبناء بلدتي ثم تفرقوا‏,‏ فتقدمت للمدينة الجامعية للإقامة بها‏,‏ ورفضتني إدارة المدينة للسبب الذي أشرت إليه‏,‏ ولم أجد امامي سوي بابك فشكوت لك ونشرت الشكوي‏,‏ وللأسف لم تستجب إدارة الجامعة لرجائي‏..‏ لكن الرسالة بالرغم من ذلك لم تذهب سدي‏,‏ فقد حققت أثرا آخر لم يخطر في فكري وكان له أثر باهر في حياتي ومستقبلي‏,‏ فلقد تلقيت عقب نشرها خطابا من أحد قراء بريد الأهرام الأفاضل كان يعمل وقتها في الإمارات العربية‏,‏ يقول لي فيها‏:‏ إنه أخ مصري لي يعمل بالإمارات وأنه تأثر كثيرا بحالتي‏,‏ ويرجوني أن أقبل منه هذا المبلغ البسيط وهو شيك بمائة جنيه مرسل علي بنك القاهرة فرع الأزهر كما يرجوني أن ألجأ إليه كلما احتجت إلي شيء إذ إننا جميعا اخوة‏,‏ ولقد رزقه الله الرزق الوفير‏,‏ ثم يخيرني بعد ذلك بين أن يرسل إلي كل عدة شهور مبلغ مائتي جنيه لنفقات الدراسة والكتب‏,‏ أو ان يرسل إلي مبلغا شهريا منتظما قدره ثلاثون جنيها إلي أن انتهي من دراستي‏.‏

فشعرت بأن الله سبحانه وتعالي قد ارسل إلي ملاكا من السماء يأخذ بيدي ويعينني علي تحقيق أحلامي واحلام اسرتي‏,‏ وكتبت إليه أشكره وأدعو له بالخير والصحة والسعادة‏,‏ وابلغه أنني أفضل أسلوب المساعدة الشهرية لكي اضمن موردا يعينني علي الاستمرار في الدراسة‏.‏

وبالفعل بدأ الرجل الفاضل يرسل إلي كل شهر حوالة بمبلغ ثلاثين جنيها بانتظام‏..‏ ويكتب إلي من حين إلي آخر رسائل يشجعني فيها علي الاجتهاد والصبر علي ظروفي‏..‏ ويحرص فيها حرصا شديدا علي ألا يجرح مشاعري أو يشعرني بفضله علي‏..‏ فالتهمت دروسي التهاما لكيلا اتأخر في التخرج ونجحت بفضل هذه المساعدة الكريمة وانتقلت إلي السنة الثالثة ثم الرابعة‏..‏ وفي هذه السنة شعرت بأنني قد اثقلت علي الرجل كثيرا‏,‏ خاصة أنني كنت قد تحدثت عنه إلي زملائي بالكلية فكتب بعضهم إليه يطلبون مساعدته لسوء أحوالهم‏..‏ فلم يخذلهم وارسل إليهم بالفعل مساعدات مشابهة دون أن يشير إلي ذلك في خطاباته إلي‏,‏ وشعرت أنا بالحرج وبأنني قد ورطته في المزيد من الأعباء وكنت قد نجحت في الالتحاق بالمدينة الجامعية‏,‏ فقر قراري علي شيء عزمت علي تنفيذه‏,‏ ولقد نسيت أن اقول لك إنني خلال دراستي في المرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية كنت أعمل في ورشة للخياطة لكي اساعد أسرتي علي اعباء الحياة‏,‏ فتعلمت وأجدت خياطة ملابس الرجال والنساء علي السواء فاشتريت بمدخراتي القليلة من مساعدات الرجل الفاضل ماكينة خياطة واحضرتها إلي غرفتي بالمدينة الجامعية التي يشاركني فيها ثلاثة زملاء آ خرين‏..‏ وبدأت اعمل عليها وأفصل البنطلونات لزملائي في الكلية وفي الجامعة وبأجور متهاودة‏,‏ وسبحان الله انني لم اتسبب بالرغم من ذلك في أي ازعاج لزملائي في الغرفة‏..‏ وانهم لم يتضرروا من عملي علي الماكينة وسطهم‏,‏ ولم يشك أحدهم مني لإدارة المدينة‏..‏ بل كانوا أول زبائني وجلبوا لي زملاء لهم لأفصل لهم البنطلونات واغراهم بذلك حسن التفصيل من ناحية‏..‏ ورخص الأجرة من ناحية أخري‏,‏ بل إن المشرفين علي المدينة الجامعية أنفسهم لم يتوانوا عن تشجيعي علي الاستمرار تقديرا لظروفي‏,‏ بعد أن تأكدوا أنني لا أسبب إزعاجا لأحد‏,‏ ونظرت بعد بدء ممارستي للتفصيل بشهر فوجدت في يدي مبلغا يكفي لمطالب حياتي ودراستي‏..‏ وشعرت بأن الوقت قد حان لكي أطلب من الرجل الفاضل أن يتوقف عن إرسال المبلغ الشهري الي بعد ان أصبحت قادرا علي توفير نفقاتي من عائد عملي الي جانب نصيبي من معاش ابي‏..‏ فكتبت إليه أشكره علي ما فعل معي‏..‏ وأرجو أن يعتبر إجمالي المبلغ الذي تلقيته منه دينا علي أسدده إليه حين استطيع ذلك‏,‏ وأؤكد له أنني لن انسي ما حييت ما كان له من فضل في استمراري في الدراسة وفي حياتي‏.‏

واستجاب الرجل لطلبي‏..‏ ولعله وجه مساعدته لي لطالب آخر أكثر حاجة‏,‏ ومضت الأيام وأنا أدرس الطب واستذكر دروسي وأخيط البنطلونات والملابس حتي تخرجت‏..‏ وعملت‏..‏ وبدأت مشوار الحياة العملية‏..‏ وتوقفت عن الخياطة لكي أتمكن من الاستمرار في دراساتي العليا واستقرت أحوالي المادية‏..‏ وتزوجت وأنجبت ورويت لزوجتي ثم أولادي بعد ذلك قصة هذا الرجل الذي مد لي يد المساعدة في أشد فترات حياتي ضيقا‏..‏ وسافرت للعمل في السعودية حيث أقيم الآن‏,‏ وأنعم الله علي بالرزق‏,‏ ورضيت عن نفسي وعن حياتي غير أنه يشغلني الآن شئ شديد الأهمية بالنسبة لي هو‏:‏ أين هذا الرجل الفاضل الكريم الذي أعانني في شدتي منذ‏22‏ عاما؟‏..‏ وكيف أصل إليه‏..‏ ورد بعض دينه علي‏,‏ أنني مهما فعلت فلن استطيع أن أوفيه حقه‏,‏ لكني أريد أن أقدم إليه أو الي أي انسان ينتمي له أو يمت اليه بصلة قرابة جزءا مما أنعم الله به علي وأريد أن أتكفل باستضافته هو ومن معه في السعودية وبجميع نفقات الحج له ولمن يشاء من اسرته‏,‏ فهل تساعدني في العثور عليه وتحقيق هذا الحلم الجديد لي‏,‏ كما ساهم بريد الاهرام من قبل في تحقيق حلمي القديم بالاستمرار في الدراسة‏..‏ لقد كتبت اليك اسمه‏..‏ واسم الشركة التي كان يعمل بها بالإمارات وهي ليونار إلكترو واسمي ورقم تليفوني لتتفضل بالاتصال بي اذا توصلت الي شئ وشكرا لك مقدما‏..‏ وشكرا لكل من يبذر بذور الخير والعطف والنماء في الارض الطيبة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏






ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

يا إلهي‏..‏ ما أسرع ما تجري أمور الحياة‏!‏ فلكأني أكاد أتذكرك وأتذكر رسالتك القصيرة التي كان لها هذا الأثر في حياتك‏!‏
فأما الرجل الكريم فهو يعرف نفسه ولعله يتذكرك فيمن يتذكر ممن مد اليهم يد العون ذات يوم‏,‏ ولعله يتفضل بالكتابة الي أو الاتصال بي ليعطيني عنوانه أو رقم تليفونه لأرسله اليك‏,‏ فتتواصل معه من جديد وتعبر له عن عرفانك بجميله وامتنانك له؟

أن كثيرين يتحرجون من الاشارة الي ما قدمت ايديهم وماتلقوا الشكر عليه‏,‏ لكن العرفان علي الناحية الأخري فضيلة من أقدس الفضائل‏,‏ والشكر علي المنة والاقرار بفضل صاحبها من سمات الأصلاء والأوفياء‏.‏
ولقد حدث أن أصر بعض أهل الفضل علي تكريم شيخ جليل بالرغم من تحرجه من هذا التكريم‏,‏ وتباري الحاضرون في الإشادة بفضله وعلمه وصلاحه ومواقفه الكريمة‏,‏ ثم طلبوا منه أن يلقي كلمة فنهض محرجا وقال‏:‏ جاء في الأثر‏:‏ احثوا في وجوه المداحين التراب‏!‏وسكت للحظات‏,‏ بهت خلالها الحاضرون واستشعروا الحرج ثم قال‏:‏ غير أنه جاء في الأثر أيضا‏:‏ أن المؤمن اذا مدح في وجهه ربا الايمان في قلبه‏,‏ وبهذا المعني فإني اتقبل تكريمكم وأشكركم عليه وأذكركم بما قاله ابن عطاء الله السكندري من انه‏:‏ من مدحك فانما مدح مواهب الله فيك‏..‏ فالشكر لمن وهب وليس لمن وهب له فانفرجت اسارير الحاضرين‏..‏ وصفقوا بحرارة للشيخ الجليل‏.‏

وهذا صحيح‏..‏ فالإنسان اذا استشعر حسن ظن الآخرين به وإشادتهم به‏,‏ أحب ان يستزيد من الفضائل والأعمال التي استوجبت مدحه والإقرار بفضله وهذا هو المقصود بزيادة الإيمان في قلبه‏.‏
كما أنها حقيقة نفسية اكدها علم النفس الحديث بعد‏1400‏ سنة حين قال علماء النفس إن الانسان يميل دائما لأن يكون عند حسن ظن الآخرين به‏..‏ وإنك اذا أشعرت إنسانا ما بأنه أمين وأهل للثقة وعلي خلق كريم ويستحق الإعجاب‏,‏ فانه قد يراجع نفسه عدة مرات قبل أن يقترف ما يخدش هذه الصورة المثالية لديك‏..‏ ولقد يتوقف تدريجيا عما يتناقض معها من سلوكيات علي مدي الأيام‏..‏ حتي يصير بالفعل أمينا وأهلا للثقة‏.‏

ولأن الشكر هو الحفاظ للنعم‏,‏ فإنك تسعي للتواصل مع هذا الرجل الفاضل الذي أعانك علي أمرك في أشد فترات حياتك احتياجا للمساعدة‏,‏ وبمنطق مدح المؤمن في وجهه ينبغي له هو أن يتقبل شكرك وعرفانك ومحاولتك لرد بعض دينه اليه‏..‏ فلا يتواري وراء ستار التحرج والخجل‏,‏ ولا يبخل عليك بهذا الفضل الجديد ان شاء الله‏,‏ خاصة أنك انسان تستحق الإشادة والإعجاب لكفاحك الشريف في الحياة ولتعففك عن الاستنامة الي الاعتماد علي مساعدته الشهرية الي ما لا نهاية‏,‏ فلقد سعيت الي الرزق الشريف وانت طالب طب مثقل بأعباء الدراسة والحياة‏..‏ ونجحت في الاعتماد علي نفسك والاستغناء عن مساعدته في الوقت المناسب‏..‏ واحسب ان اللحظة التي كتبت اليه فيها تشكره علي فضله وتطلب منه التوقف عن إرسال المساعدة الشهرية كانت لحظة فارقة في حياتك وانها قد عمقت احترام هذا الرجل لك ولكفاحك واشعرته بأنه قد وجه مساعدته لمن كان يستحقها بالفعل‏,‏ غير أنك تستطيع ان تعبر عن عرفانك له بطريق آخر الي جانب استضافته هو أو بعض أفراد اسرته ودعوته للحج علي نفقتك‏,‏و لعلك تكون قد بدأت هذا الطريق تلقائيا منذ أن استقرت احوالك وأجزل الله سبحانه وتعالي لك العطاء وهو أن تكرر سيرة هذا الرجل معك في محنتك السابقة‏,‏ مع طالب آخر أو أكثر فتعينه علي أمره‏..‏ كما أعانك هو من قبل علي أمرك وتعيد اليه الأمل في الحياة والمستقبل‏..‏ كما أحيا هذا الأمل في قلبك فهكذا يتواصل غرس بذور الخير والحب والنماء الي ما لا نهاية‏.‏

وهكذا تتأكد بفضل الفضلاء من امثال هذا الرجل وأمثالك خيرية الحياة‏.‏
أنني أترقب أن يكتب ألي هذا الرجل الفاضل أو يتصل بي‏,‏ وأرجو أن أتمكن من تحقيق التواصل بينكما خلال وقت قريب بإذن الله‏.‏









42823 ‏السنة 128-العدد 2004 مارس 5 ‏14 من محرم 1425 هـ الجمعة

ماكينة الخياطة

إلي الطبيب كاتب رسالة ماكينة الخياطة في الطريق إليك خطاب مني يحمل رقم تليفون الرجل الكريم الذي وقف بجانبك خلال مرحلة الدراسة‏,‏ فلقد اتصل بـ بريد الأهرام رجل فاضل قال إنه ابن هذا الشخص‏,‏ وأنه قرأ رسالتك وتشكك في أن يكون والده هو المقصود بها‏.‏ فاتصل به حيث يقيم‏,‏ وسأله عما يعتقده فحاول كعادة الفضلاء في إنكار الذات ألا يجيب علي السؤال‏,‏ ثم تحت ضغط الابن اعترف بأنه فعلا ذلك الرجل‏,‏ ولقد تبين أنه مازال مقيما بالإمارات حتي الآن أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والسعادة‏.‏
وشكرا للابن الفاضل الذي اهتم بالاتصال بنا وإبلاغنا بهذه المعلومات

حسام هداية 08-25-2011 04:46 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

رحلة الأيام

بـريــد الأهــرام
السنة 127-العدد 42788
30 يناير 2004

‏8 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة


أنا رجل من الخامسة والأربعين من العمر‏,‏ نشأت في أسرة متوسطة بين أمي التي نهضت بمسئوليتي بعد وفاة أبي وأنا طفل صغير‏,‏ وثلاث شقيقات ولقد مضت بنا رحلة الأيام وتخرجت في كلية العلوم وبدأت اخطط لحياتي ولتحقيق نجاحي في الحياة العملية‏..‏ فكان أول ما فعلت هو أن تزوجت من فتاة من أسرة ثرية تكبرني بخمس سنوات‏,‏ تعرفت عليها خلال دراستي الجامعية لأنها كانت كثيرة الرسوب حتي ادركتها وهي لم تتخرج بعد‏..‏ وشعرت بأن زواجي منها سيفتح لي أبواب النجاح والثراء‏,‏ وبالفعل فقد كان اهلها كرماء معي وعرضوا علي وظيفة ذات مرتب عال لكني اعتذرت كيلا أكون تحت وصايتهم‏,‏ وعملت في إحدي الهيئات وبدأت أتطلع لممارسة العمل التجاري الحر إلي جانب الوظيفة‏,‏ وجمعت مبلغا مقبولا من المال يمكن أن يصلح كبداية للعمل‏,‏ كان حصيلة ما ادخرته واقترضته من أمي‏.‏ كما حصلت علي جزء منه من زوجتي‏,‏ ثم قدمته إلي شخص كان يمارس التجارة وكان يهتم بأمري ويمد لي يد العون‏,‏ فرحب بمشاركتي له بهذا المبلغ البسيط وأفسح لي المجال للعمل معه وتعلم أسرار التجارة والسوق‏.‏


وواصلت العمل معه أو من خلاله بحماس شديد‏,‏ ونفذت بعض العمليات التجارية لحسابي الخاص‏..‏ فبدأت احوالي المادية في التحسن‏.‏



وعاما بعد عام أصبح هذا النشاط التجاري هو عملي الأساسي‏..‏ وتفرغت له وحققت نجاحا ماديا كبيرا‏,‏ فاشتريت لنفسي سيارة بدلا من اعتمادي علي سيارة زوجتي‏,‏ واشتريت لنفسي شقة ممتازة بدلا من الإقامة في شقة زوجتي وانتقلت إليها مع ابنتي وزوجتي‏.‏


وأغراني النجاح والطموح فأردت أن تكون لي شركتي الخاصة‏,‏ وأن اتوقف عن العمل تحت مظلة شركة ذلك الإنسان الذي مد لي يد العون في البداية‏,‏ ونفذت قراري برغم محاولته اثنائي عنه‏,‏ وأسست شركتي وجاء وقت الانفصال عن شريكي القديم فتركته وأخذت معي معظم أعمال الشركة القديمة‏..‏ ولم أتأثر برجائه الحار لي أن اترك له بعض هذه الأعمال كيلا تتعثر أعماله هو بعد انفصالي عنه‏,‏ وانتابني الجحود تجاهه بشكل غريب‏,‏ ولم اشعر بأي تعاطف معه‏..‏ حتي وهو يودعني نادبا وقائلا‏:‏ حسبي الله ونعم الوكيل‏!.‏



وبدأت العمل في شركتي الخاصة بحذر ولازمني التوفيق فتوسعت في أعمالها شيئا فشيئا‏,‏ حتي افتتحت فرعا آخر لها‏,‏ وتدفق الربح علي فشعرت بأنني قد ملكت الدنيا وما عليها‏..‏ ولاحظت خلال ذلك أنني قد أصبحت عدوانيا وسليط اللسان بشكل غريب‏,‏ وأنه لا يكاد ينجو من لساني أحد ابتداء من زوجتي إلي موظفي الشركة‏.‏ كأني لا أطيق نجاحي وأريد أن أعبر عنه بالعدوان علي الآخرين‏..‏


ولم لا أفعل وقد أصبحت ثريا ولدي الخدم والحشم وفيلا وسيارات‏..‏ إلخ وفي غمرة نجاحي هذا فوجئت بابنتي الكبري تشكو من آلام لا تحتمل‏,‏ وهرولت بها إلي الطبيب فبدأنا دورة الفحوص والأشعات التي انتهت بالحقيقة المرة وهي إصابة ابنتي الحبيبة بالمرض العضال‏.‏



واجريت لها جراحة عاجلة واصطحبتها بعد الجراحة إلي الخارج لإجراء فحوص جديدة‏,‏ فتبين منها للأسف أن المرض مازال كامنا في جسمها‏,‏ وخضعت الابنة للعلاج الرهيب‏,‏ وعشت أسود أيام حياتي وأنا اري أثر هذا العلاج القاسي علي ابنتي وهيئتها‏,‏ ثم ادركتها رحمة الله سريعا فأراحتها من عذابها‏..‏ ورحلت عن الحياة وتركتني أتساءل ما قيمة أي شيء في الحياة إذا حرم الإنسان من أحب البشر إليه؟‏..‏ وماذا صنع لي المال الذي كدحت طوال السنين لجمعه‏..‏ هل حمي ابنتي من المرض؟‏..‏ هل خفف عنها الألم؟ هل أبعد عنها شبح القضاء المحتوم؟‏..‏


وبعد فترة اكتئاب شديد عدت للعمل من جديد وشغلت نفسي به ودفنت احزاني فيه‏..‏ وأصبحت اقضي معظم ساعات اليوم في مكتبي حتي بدأت جراحي تندمل تدريجيا‏..‏ وبدأت الأحزان تهدأ وإن كانت لا تموت‏,‏ ومضي عامان علي غياب ابنتي الكبري ثم لاحظت فجأة أن زوجتي وابنتي الأخري تخرجان معا في المساء كثيرا وتترددان علي عيادات الأطباء‏,‏ مرة بدعوي فحص الأم‏,‏ ومرة بدعوي فحص الابنة‏,‏ كما لاحظت علامات الإعياء علي وجه ابنتي‏,‏ وأحسست بشيء يجري في السر ولا أعلم به‏.‏ وسألت زوجتي عما يجري فإذا بها بعد تردد طويل تصارحني بأن ابنتنا الأخري قد أصيبت بنفس المرض العضال الذي أودي بحياة اختها‏,‏ وتقول لي‏:‏ إنها حاولت بقدر الإمكان تأجيل علمي بالخبر إشفاقا علي‏,‏ ولم اسمع بقية كلماتها لأني سقطت مغشيا علي ونقلت إلي المستشفي‏.‏



وفي المستشفي زارني كثيرون‏..‏ وفوجئت بزيارة شريكي القديم لي وكانت أول مرة آراه فيها منذ عشر سنوات‏,‏ وتوجست لحظات من أن يكون قد جاء شامتا في‏,‏ لكني لاحظت صفاء نيته‏,‏ كما لاحظت أيضا سوء أحواله المادية من مظهره وحديثه‏,‏ وبعد حديث المجاملة المألوف‏..‏ وجدتني فجأة أطلب منه السماح والعفو عما فعلت معه‏..‏ وعن مقاطعتي له طوال السنوات السابقة ونسياني أو جحودي لفضله علي في بداية حياتي‏,‏ وإذا بالرجل يقول لي في سماحة إنه قد فوض أمره إلي الله فيما حدث بيننا منذ زمن طويل‏,‏ وأن كل شئ نصيب‏..‏ والأرزاق دائما بيد الله وحده‏,‏ وشعرت بالارتياح بعض الشئ بعد أن تركني‏..‏ وغادرت المستشفي بعد بضعة أيام واصطحبت زوجتي وابنتي في رحلة إلي الخارج لإجراء المزيد من الفحوص والتحليلات‏.‏


ولكن الخوف استقر في أعماقي وأصبحت كثير البكاء‏..‏ ودائم التفكير في حال شريكي السابق وأطلب من الله العلي القدير أن يسامحني كل من ظلمته خلال رحلة العمل والطموح في مال أو في قول‏,‏ وأن يدعو الله وتدعو أنت وقراؤك لابنتي الكبري بالرحمة وللصغري بالشفاء والنجاة من الوحش الذي يترصدها‏.‏



إنني أخرج زكاتي كاملة وأتصدق كثيرا‏,‏ وأعول بعض الأيتام‏,‏ وأرجو أن يشفع ذلك لابنتي في مرضها ولي في محنتي‏,‏ كما أرجو أيضا أن تسامحني زوجتي من كل ما بدر مني تجاهها خلال رحلة العمر فهل يتقبل الله سبحانه وتعالي مني؟‏..‏


وهل هناك ما أستطيع أن أفعله لكي يعفو الله سبحانه وتعالي عني‏,‏ ويترفق بي‏..‏ وابنتي؟‏.‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


نعم يا سيدي هناك ما تستطيع أن تفعله أكثر مما فعلت قربي إلي الله سبحانه وتعالي‏,‏ عسي أن يحفظ عليك ابنتك‏,‏ ويخفف عنك أحزانك وآلامك ويحقق لك السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة‏..‏ تستطيع أن تعين شريكك القديم علي تحسين أحواله المادية التي تدهورت بانسحابك من عملكما المشترك مستوليا علي معظم أعمال الشركة القديمة‏,‏ وتاركا إياه للتعثر ومواجهة الصعاب‏..‏ فتستطيع إن شئت أن تعينه علي النهوض مرة أخري‏,‏ كما أعانك هو في بداية حياتك العملية‏,‏ وتستطيع أن تشاركه بجزء من مالك فتوفر له فرص الكسب والعمل واستعادة النشاط دون أن تخسر شيئا‏..‏ أو دون أن تخسر الشئ الكثير في أسوأ الأحوال‏,‏ وها قد علمتك رحلة الأيام بالدروس المؤلمة أنه لا قيمة للمال في حد ذاته إذا كان الإنسان مؤرق الضمير معذبا‏,‏ ولا أمان للأيام إن لم يتسلح المرء لها بالعدل مع الجميع‏..‏ واجتناب الظلم وإيلام الآخرين والعدوان علي حقوقهم‏,‏ وبالأعمال الصالحات التي يرجو بها المرء وجه ربه ويتشفع بها لديه في أن تحميه من غوائل الأيام‏.‏


لقد وضعت أقدامك علي هذا الطريق بعد رحيل ابنتك الغالية رحمها الله وعوضها عن شبابها في جنات النعيم إن شاء الله‏..,‏ ولم يبق إلا أن تواصله حتي النهاية بإذن الله مرددا قول الخليفة المعتصم في مرضه الأخير‏:‏ اللهم أنك تعلم أنني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك‏,‏ وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي‏.‏



كما تستطيع أيضا أن تراجع مشوار حياتك العملية وتتحري أن كان ثمة من ظلمته أو بخست حقه أو أسأت إليه عامدا متعمدا فتصلح ما فعلت‏,‏ وترد الحقوق لأصحابها ولو بطريق غير مباشر كنوع من التعويض والتكفير عن نثار الطريق الذي أصاب بعض العيون بالأذي خلال انطلاق جواد الطموح الجامح إلي أهدافه‏.‏ إننا جميعا نحتاج إلي هذه الوقفة مع النفس من حين لآخر‏,‏ لكي ننقي الثوب من أدرانه السابقة‏,‏ ونواصل الرحلة بضمير غير مثقل بالذنوب‏,‏ وأنه لتشتد حاجتنا إلي مثل هذه المراجعة كلما كابدنا أحزان الحياة وآلامها‏,‏ وكلما تعاملنا مع همومها الحقيقية‏.‏


أما ابنتك الصغري فلسوف يحفظها الله سبحانه وتعالي عليك بقدرته وهو جل شأنه من أمره بين الكاف والنون‏..‏ وأما زوجتك وشريكة رحلتك فلقد سامحتك بالفعل علي كل ما بدر منك تجاهها‏,‏ لأن الألم مطهر للنفوس الخيرة‏,‏ ولقد كابدت محنة الثكل أعانها الله علي تحملها ورفع بها من درجاتها فليس لأي شئ آخر قيمة تستحق أن تحزن من أجلها‏,‏ وأما رحلة الأيام فستمضي بك وبأسرتك في أمان وسلام بإذن الله ولسوف تسعد باكتمال شفاء ابنتك الغالية واستوائها يوما بعد يوم وردة زاهية تنجب لك الأحفاد وتملأ حياتك بعطر الحب ودفء القلوب إن شاء الله‏.‏



فواصل الطريق الذي بدأته ياسيدي‏,‏ واسترجع دائما الدعاء الذي قيل إن بعض الصحابة قد سمع رجلا غريبا يردده في المسجد النبوي‏,‏ ووصفوه للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه‏,‏ فقال ما معناه‏:‏ هذا أخي جبريل‏..,‏ وهو‏:‏ اللهم اغفر لي مامضي من ذنوبي‏..‏ واعصمني فيما بقي لي من عمري‏,‏ وارزقني أعمالا زاكية ترضي بها عني‏.‏


وما أحوجنا جميعا إلي ترديد هذا الدعاء كل حين وإلي العمل به‏!‏



حسام هداية 08-25-2011 04:47 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

ثــــورة البركــان

بـريــد الأهــرام
42788
‏السنة 127-العدد
2004
يناير
30
‏8 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة


أرجو ان يتسع صدركم لمشاركتي مشكلتي العائلية‏,‏ وان تساعدوني برأيكم فيما أعانيه في حياتي‏,‏ فأنا طبيب أبلغ من العمر‏54‏ عاما وقد نشأت في أسرة فقيرة جدا‏,‏ وتوفي والدي العامل بإحدي المؤسسات الحكومية وانا في الخامسة عشرة بعد صراع مرير مع المرض‏,‏ وتولت والدتي تربيتي وشقيقاتي البنات الثلاث حتي أتممنا دراستنا الجامعية‏,‏ ولا يخفي عليكم كم عانت والدتي وهي تواجه الحياة ونفقات تعليمنا بمعاش ابي الهزيل‏,‏ وفي عامي الأخير بالكلية تعرفت علي زميلة لي لها نفس ظروفي الاجتماعية وحظها من الجمال بسيط‏,‏ وجمعنا الفقر والمعاناة فأحببنا بعضنا واصبحنا لا نفترق‏,‏ وعرفتها بأسرتي واستقبلوها بترحاب وفرحة‏,‏ ولكن اهلها رفضوا بشدة مبدأ ان تتزوج ابنتهم انسانا فقيرا‏,‏ غير أننا اصررنا علي الزواج وتم زواجنا بالفعل علي أسنة الرماح واقمنا في سكن حكومي بالوحدة الصحية التي عملنا بها وكان كل جهازنا في بيت الزوجية دستة اطباق ودستة ملاعق وملاءتين للسرير فقط ومع ذلك فلقد كنا في منتهي السعادة‏.‏


وبعد عام واحد من الزواج اكتشفت ان زوجتي التي اكن لها حبا عظيما ليست إلا قنبلة موقوتة او بركانا قابلا للثورة في اي وقت وأمام أي شخص ولأتفه الأسباب‏,‏ ويرمي بحممه في كل الاتجاهات دون أي محاذير أو ضوابط‏,‏ ولقد انفجر هذا البركان حتي أمام امي وشقيقاتي اكثر من مرة فساءت العلاقة بينهن واصبحت امي وشقيقاتي هن الهدف الرئيسي لحمم البركان حتي ولو كانت ثورة البركان لأي سبب آخر لا علاقة لأسرتي به‏.‏



وبعد نحو أربع سنوات من زواجنا حصلنا علي عقد عمل باحدي الدول العربية وبدأت حالتنا المالية تتحسن ورزقنا الله بولد وبنت‏,‏ حاولنا تربيتهما أفضل تربية‏,‏ ولكن كان هناك دائما اختلاف في وجهات نظرنا تجاه تربية الأولاد‏.‏ فأنا أومن بأهمية الشدة والحزم معهما احيانا اذا تتطلب الأمر ذلك وهي تؤمن بحرية الأولاد المطلقة وبأنه لا مكان علي الإطلاق للشدة والحزم‏,‏ وخوفا من ثورة البركان فقد كنت اتنازل لها عن كل شيء يتعلق بتربية الابناء وكانت النتيجة ان الابن الكبير ضحي باحدي كليات القمة للالتحاق بأحد المعاهد الفنية‏,‏ ولم اعترض بل باركت ما فعل‏,‏ ومع ذلك فهو متعثر في دراسته و أدمن شرب الخمور أما الابنة فإنها عنيدة بشكل رهيب وورثت طبع أمها البركاني تجاه كل الناس‏,‏ ففقدت القدرة علي تكوين صداقات‏,‏ ومرت بنا سنوات العمر علي نفس المنوال‏..‏ ثورات بركانية رهيبة لا تبقي ولا تذر لأي اختلاف بسيط في وجهات النظر‏,‏ ولا أخفي سرا انني في بداية زواجنا كنت أتفاعل مع هذه الثورات حتي مددت يدي عليها مرتين أو ثلاثا دفاعا عن نفسي ولمنع ايذائها البدني لي أو نتيجة لاستثارتها وإهانتها الشديدة الشديدة لي ولأهلي بلا أي سبب‏,‏ وكانت بعد كل ثورة بركانية منها أو بعد كل انفجار قاتل تقوم بمنتهي العذوبة بمحاولة مصالحتي‏,‏ ومرات أرفض التصالح واترك المنزل لعدة أيام وأقيم في منزل والدتي حتي تصفو نفسي‏,‏ وفي أحيان أخري كنت اقابل مصالحتها لي بأحسن منها‏.‏



وبعد ان تحسنت حالتنا المالية قمت بشراء شقة فخمة في احد احياء القاهرة الراقية بدلا عن الشقة المتوسطة باحدي المدن بمحافظتها‏,‏ واصرت زوجتي علي كتابة الشقة الفاخرة باسمها ووافقت في الحال وحين اشترينا بعد ذلك فيلا صغيرة في احدي المدن الجديدة اصرت علي كتابة نصفها باسمها ووافقت كذلك دون اي مناقشة‏,‏ كما أصرت ايضا علي ان تكون السيارتان باسمها وكذلك الأموال السائلة ولم اعارض لأني علي علم أن حبنا مازال قائما رغم كل ما نعانيه‏,‏ ولأنه لا رغبة عندي في الثروة او التملك فكل ما أجمعه من ثروة هدفه الوحيد اسعاد ابنائي بعد مماتي‏.‏



وهكذا مضت حياتنا طوال الأعوام السبعة والعشرين وفي كل مرة كانت تنفجر فيها كانت تعيد علي مسامعي كل ما حدث مني تجاهها في الماضي‏,‏ مكررة في كل مرة أنني قد اعتديت عليها بالضرب ذات يوم منذ عشرين عاما ولا تذكر سبب اعتدائي عليها‏,‏ وتقوم خلال انفجارها بسبي بأبشع الألفاظ وكذلك سب شقيقاتي وأمي رحمها الله‏,‏ ومنذ‏15‏ عاما اصبحت لا اتفاعل علي الإطلاق مع انفجارها وإنما اغادر المنزل لفترة قصيرة وأعود حين تهدأ أعصابها أو أغلق علي نفسي احدي الحجرات أو أقوم بوضع قطعة القطن في اذني حتي لا أسمع ما تقول‏,‏ وفي كل انفجاراتها طوال‏27‏ عاما كانت تصر علي ان تكون فضيحتنا علي الملأ وتقوم بفتح كل النوافذ علي مصراعيها‏,‏ وحين أقوم بإغلاقها تفتحها مرة أخري‏,‏ وتقف بالنافذة وتصرخ وتسب بكل ما أوتيت من قدرة علي الصراخ حتي اصبحت سيرتنا علي ألسنة الجيران‏,‏ في الحي الراقي الذي نسكنه‏,‏ وكل هذا وانا لا أرد بكلمة واحدة حتي لا تزداد ثورة وعنفا‏,‏ غير أن ما حدث في الانفجار الأخير للبركان لم يخطر لي علي بال أو فكر أو توقع من قبل‏,‏ فقد كنا قبل امتحانات الأولاد بحوالي‏3‏ أسابيع وكان المفروض انه بعد اسبوع بالضبط سوف نستقبل أحد الشباب مع أهله لطلب يد ابنتي وهو شاب ممتاز يعمل في مهنة مرموقة ويشهد له الجميع بمستقبل باهر في مهنته‏,‏ ولقد قابلني وزوجتي واتفقنا معه علي حضوره مع اهله لإتمام الاجراءات المعروفة وتحديد موعد لخطبة ابنتنا له‏,‏ ولكن قبل‏7‏ أيام فقط من هذا الموعد وكان يوم جمعة صحت زوجتي من نومها متعكرة المزاج وبدأت الأبخرة والغازات التي تسبق الانفجار في التصاعد بشكل سريع جدا وبدون أي اسباب علي الإطلاق وجاءت لحظة الانفجار الرهيب حين رأت ابنتنا تتصفح الجريدة اليومية فانفجرت فيها متهمة إياها بأنها تشبه اباها في اضاعة وقتها في قراءة الجرائد والكتب‏,‏ ثم بدأت الحمم في التناثر في كل اتجاه وأصابت كالعادة شقيقاتي وأمي رحمها الله‏,‏ ونالتي من الحمم أكثرها إيلاما مع ذكر كل ما مرت به من مآس وصعاب خلال رحلة الأعوام السبعة والعشرين وانتابتها حالة هياج عصبي شديد‏,‏ وأنا لا أقوم سوي بمحاولة تهدئتها مذكرا إياها بالعشرة والحب‏,‏ طالبا منها أن تتقي الله في نفسها قبل اتقائه فينا‏..‏ فما كان منها إلا أن ألقت بالقنبلة القاتلة في وجهي خلال هياجها فقالت لي أمام ابنائنا انها كانت تخونني في كل مرة كانت تحس فيها بالإهانة ولما لم أصدق أذني كررت نفس الكلام أمام ابننا البالغ من العمر‏23‏ عاما وابنتنا البالغة من العمر‏20‏ عاما وأسقط في يدي ولم ادر ماذا أفعل كرد فعل لما تقوله وأصابني الذهول مما اسمع حيث كنت أتوقع منها أي شيء إلا هذا‏,‏ خاصة وانني لم أشك لحظة واحدة طوال سنوات زواجنا في أي سلوك من جانبها‏,‏ فضلا عن انها علي درجة كبيرة من التدين وتؤدي كل فرائض دينها وتفعل الخير الكثير للآخرين‏..‏ وبعد أن عدت إلي تفكيري المنطقي بعد لحظات الذهول الأولي ادركت انها محاولة منها لإيلامي كعادتها في كل مرة‏,‏ ولكن هذه المرة كانت مدمرة‏,‏ ودخلت غرفتي لترتيب افكاري والوصول إلي قرار بشأن ما قالته‏..‏ ثم استقر رأيي علي إبلاغ أخواتها بما حدث منها واستدعائهم من المحافظات البعيدة التي يسكنون فيها لمحاولة معرفة أسباب قولها الخطير هذا‏,‏ وبعد نحو نصف ساعة اتصلت بها احدي شقيقاتها تليفونيا تستفسر منها عما حدث وتوصيها بتقوي الله في نفسها واسرتها‏,‏ وفوجئت بردها علي أختها وكنت بالمصادفة موجودا أثناء المحادثة فقد قالت لاختها أنها لا تدري كم مرة طاوعت الشيطان وكم مرة قاومته‏.‏ وهنا وسوس الشيطان لي إنها قد تكون صادقة فيما قالت بالرغم من استبعادي لهذا الفعل منها‏,‏ وحضرت أخواتها وحاولن إفهامي انها كانت تغيظني


فقط بهذا القول وجئن بها أمامي وقالت إنها لم تكن تعني ما قالته‏,‏ ولكن كل هذا لم يجد نفعا معي فقد ركبني الشيطان وتملكتني الوساوس‏,‏ وفي محاولة مني لوضع حد لهذا العذاب فقد طلبت منها أمام أخواتها أن تقسم علي كتاب الله بأن كل ما قالته كان غير حقيقي ولكنها رفضت نهائيا القسم بحجة أن في هذا اهانة لها وان القسم معناه أنني أشك فيها‏,‏ وهذا أمر مرفوض فأصررت علي موقفي‏,‏ فما كان منها إلا أن غادرت المنزل إلي منزل آخر لنا ومعها الأبناء‏,‏ وبعد ذلك حاولت استرضائي كعادتها بعد كل انفجار بركان‏,‏ لكنني رفضت تماما إلا إذا أقسمت بأن كل كلامها كان غير صحيح ومازالت ترفض القسم حتي الآن‏.‏


إنني أعتقد إلي حد كبير أنها لم تكن تعني ما تقول ولكن تلك الوساوس تتملكني وانا علي ثقة تامة بأنها لن تقسم علي كتاب الله كذبا‏,‏ وأنا الآن في حالة يرثي لها من حيث شكوكي فيها وضاقت السبل أمامي وأصبحت أعتقد أن الحياة لا تستحق أن نعيشها‏,‏ حيث إن كل أمالي في أسرة هادئة سعيدة ناجحة لم يتحقق أي شئ منها بسبب تعنت زوجتي وعواصفها البركانية‏..‏ لقد تحملت كل انفجاراتها طوال‏27‏ عاما‏,‏ فهل يكون جزائي بعد كل ذلك هو ايلامي بهذا الشكل‏,‏ وهل هذا جزاء الوفاء والإخلاص والتفاني والتحمل؟ انها الآن تطلب الطلاق لأني أشك فيها بعد ما قالته وبسبب اصراري علي أن تقسم بالله وأنا لا اتخيل بيتي محطما خاصة ان الطلاق سوف يؤدي الي ضياع مستقبل الأولاد خصوصا مع تعثر ابني في دراسته وأيضا إبنتي الأن في سن الزواج‏,‏ فكيف يكون موقفها أمام خطيبها اذا حدث الطلاق بين ابيها وامها بعد‏27‏ عاما من الزواج ارجو ان تساعدني في التفكير واتخاذ القرار مع عظيم شكري وتقديري لك مقدما‏.‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


قد يكون لزوجتك بعض الحق في أن تغضب لكرامتها وتستشعر الإهانة‏,‏ إذا كنت قد بادرتها بالشك في وفائها لك دون آية شواهد يمكن أن تثير مثل هذه الشكوك‏,‏ أما أن تعلن هي علي رءوس الأشهاد وأمام أبنها الشاب‏,‏ وهي في قمة ثورتها البركانية أنها كانت تخونك كلما شعرت بالإهانة من جانبك لها‏,‏ وتتعلل بعد ذلك بأنها لم تكن تعني ما تقول‏,‏ وتدافع عنها شقيقاتها بانها كانت تقصد إيلامك وإغاظتك في حمأة استسلامها لشياطين الغضب‏,‏ وترفض هي أن تطمئن خواطرك بالقسم علي كتاب الله علي كذب ما ادعته علي نفسها‏,‏ ثم تغضب بعد كل ذلك لأن طائفا من الشك في إخلاصها قد ألم بك؟ فهذا مالم اسمع به من قبل ومالم أتعامل معه علي كثرة ما تعاملت مع هموم البشر‏,‏ وعرفت ولمست من غرائب النفس البشرية‏!‏


فالمرأة السوية اذا استسلمت مرة لشياطين الغضب قد تحاول إيلام زوجها بأي وسيلة إلا أن تقترب‏,‏ وهي في قمة غضبها من المنطقة المحرمة‏,‏ وهي منطقة الشرف‏..‏ شرفها هي أولا ثم شرف زوجها من بعدها‏,‏ ولقد تدين نفسها بكل سبة‏,‏ لكنها وأبدا لايمس شرفها وشرف زوجها علي هذا النحو الذي يكشف عن طبيعة سادية شديدة القسوة‏.‏



أما غضبها بعد ذلك لمجرد استسلامك لبعض وساوس الشك في أن يكون ما صرحت به في عنفوان ثورتها عليك صحيحا‏,‏ وليس كما تقول شقيقاتها فليس إلا نوعا من التجبر والكبرياء الجوفاء التي لا سند لها من الواقع والحقيقة‏.‏


ولو كان لدي زوجتك أي قدر من الحكمة لأدركت أنها قد أخطأت بما قالت خطأ لاتغسله مياه البحر‏,‏ ولا يجدي شئ في تبريره حتي ولو كانت الرغبة السادية في الإيذاء النفسي لزوجها‏.‏



بل ولأدركت كذلك أن من حقك أن تتردد بعض الوقت بين تصديق ما صرحت به عن نفسها‏,‏ وبين الاقتناع بأنه ليس سوي حلقة جديدة ولكن مبتكرة في محاولة إيلامه وجرح كرامته وإشعاره بالهوان معها ولعرفت كذلك انك لو لم تفعل ذلك وتفكر في هذا الأمر بجدية لكنت مفرطا في كرامتك كرجل وكزوج‏,‏ ولنهضت لإزالة أسباب هذا الشك من نفسك بكل الحيل ولو تطلب الأمر أن تقسم علي مصاحف الدنيا كلها‏,‏ ليس فقط تهدئة لخواطرك‏,‏ وإنما أيضا صيانة لشرفها وكرامتها‏,‏ واستردادا لاعتبارها أمام ابنها الشاب الذي أصابت كرامته في مقتل بهذا التصريح الشائن‏.‏


والحق أنني لا أري فيما حدث‏,‏ سواء كانت صادقة أو كاذبة فيما ادعته علي نفسها‏,‏ الا فصلا جديدا من فصول القهر النفسي التي تعيشها معها منذ زواجك منها‏,‏ فأنت مقهور معها منذ زمن طويل وتحملت منها الكثير والكثير حتي اعتادت منك الخنوع التام‏,‏ فما أن حاول عقلك التمرد مرة واحدة‏,‏ وطلب الدليل علي عدم صحة ما قالته عن نفسها‏,‏ حتي انتفضت غاضبة وهي الملوم في الأصل وهجرتك وطلبت الطلاق‏,‏ فبأي منطق تفكر هذه السيدة؟



وبأي شريعة تستحل مالك وأملاكك التي قهرتك علي تسجيلها باسمها دون اعترض من جانبك؟


يا سيدي أنني أري لك أن تتمسك بموقفك وبمطلب القسم علي كتاب الله أمام جميع أفراد أسرتها لكي تزيل هي آثار الشك الذي بذرته في نفسك بتصريحها المعيب ذاك‏,‏ وبأن تتنازل عن تجبرها وكبريائها الأجوف وتخضع لعلاج منتظم لدي طبيب للأمراض العصبية يحاول أن يخلصها من نوباتها البركانية أو يقلل من معدلها أو يخفف من أثقال حممها وشظاياها‏,‏ فإن لم يكن هذا ولا ذاك‏..‏ فلترد عليك أملاكك ومالك بعد استقضاء حقوقها الشرعية كاملة‏..‏ ولتطو أنت هذه الصفحة من حياتك وتضع كلمة النهاية غير نادم لحياة زوجية لم تكن مودة ولا رحمة‏,‏ وأما الخوف علي مستقبل الابن المتعثر في دراسته‏,‏ وحرج الابنة الشابة أمام خطيبها وأصهارها اذا أنفصل أبواها في هذه المرحلة من العمر‏,‏ فهو حرص حميد علي صالح الابناء لكنه ينبغي له ألا يقتصر علي أحد الأبوين دون الآخر‏,‏ بل إن الأولي بالهم به هي الأم التي ينبغي لها أن تكون عماد الأسرة وحاميتها من الانهيار والكوارث‏..‏ ولله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 04:49 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

أيـام مســــــــروقة‏!‏


بـريــد الأهــرام
42795
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
6
‏15 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة


أنا شاب في الرابعة والعشرين من عمري‏,‏ نشأت في أسرة بسيطة واقتضت ظروفي العائلية والمادية أن اخرج للعمل منذ سن الثامنة‏..‏ فعملت كل صيف في إحدي المهن كصبي‏,‏ لكي أستطيع مواصلة تعليمي‏..‏ وعملت في بعض السنوات خلال الدراسة فكنت أغادر المدرسة إلي العمل مباشرة ولا أرجع إلي البيت إلا في العاشرة مساء‏,‏ لكي أزدرد بعض الطعام وأنام كالقتيل‏.‏


وظل الحال علي هذا النحو حتي عملت منذ عدة سنوات في شركة تجارية صغيرة‏,‏ وبدأت فيها من البداية صغيرا‏..‏ ثم تقدمت وازداد اعتماد صاحب العمل علي تدريجيا حتي أصبحت بمثابة نائبه أو وكيله في أداء الأعمال التجارية التي يكلفني بها‏..‏ ثم رحل صاحب العمل عن الحياة منذ عامين فجأة‏,‏ وترك كل شيء في يدي‏..‏ وحزنت علي رحيله حزنا شديدا‏..‏ ووجدت أنني استطيع إذا أردت أن أخفي بعض الأموال التي لايعلم أحد عنها شيئا سواي‏,‏ وأن أظهر البعض الآخر‏..‏ لكني خشيت الله سبحانه وتعالي وقررت ألأ اخون الأمانة وألا أمد يدي إلي حرام‏.‏



وبعد انتهاء المراسم الحزينة بأيام ذهبت إلي بيت صاحب العمل والتقيت بأرملته وقدمت لها كل ما لدي من مال وأوراق ومستندات تخص العمل‏,‏ ومن بينها كمبيالات علي بعض العملاء‏..‏


وشكرتني السيدة كثيرا وامتدحت أمانتي وطلبت مني الاستمرار في العمل واعتبار نفسي المسئول عنه‏,‏ ومداومة الاتصال بها وزيارتها كل يوم لإبلاغها بنتائج العمل ومشاكله‏..‏ ورحبت بذلك‏,‏ وعدت لمواصلة عملي وقد أصبحت المسئول الأول عنه‏..‏ ووفقني الله في الحفاظ علي عجلة العمل دائرة‏,‏ وفي تحصيل بعض الديون من بعض العملاء‏,‏ وفي تصريف بعض البضائع الراكدة منذ فترة‏..‏ واطلعت ارملة صاحب العمل علي كل ذلك فسعدت به كثيرا وأثنت علي همتي ودعت لي بالخير‏,‏ وابتهاجا بهذه الاخبار السعيدة دعتني لتناول الغداء معها ومع أطفالها يوم الجمعة التالي‏,‏ وذهبت إليها في الموعد المحدد‏,‏ فشممت رائحة البخور المعطرة تفوح من الشقة‏..‏ ودخلت فوجدتها في أبهي صورة‏,‏ واستقبلتني بابتسامة ساحرة‏,‏ وقدمت لي عصير البرتقال‏,‏ وجلسنا في الانتريه بعض الوقت نتحدث ونتسامر ونداعب أطفالها الذين يمرحون حولنا‏,‏ ثم انتقلنا إلي مائدة الغداء التي أعدتها السيدة التي تدير شئون البيت‏,‏ واستمتعنا بأكلة شهية وتواصل الحديث بيننا علي المائدة بلا انقطاع‏,‏ وكادت الجلسة تمضي عادية لولا شيء واحد أعطاني مؤشرا مهما‏..‏ فلقد أمسكت السيدة بقطعة من اللحم ووضعتها بيدها في فمي‏..‏


وابتسمت‏..‏ فرددت علي ابتسامتها بمثلها‏,‏ وأدركت أو تأكدت مما كنت أشك فيه قبل أسابيع‏,‏ وهو أن هذه السيدة تفكر في كرجل‏..‏ وليس فقط كمدير لعملها التجاري‏,‏ وسعدت بذلك في قريرة نفسي‏,‏ لكني لم أقدم علي أية خطوة علي طريق الاقتراب منها لعلمي أنها تكبرني بثلاثة عشر عاما‏,‏ ولخوفي من أن يسئ البعض‏,‏ خاصة أقاربها وأقارب زوجها الظن بي ويتصوروا انني طامع في مالها‏,‏ كما أن أبي وأمي لن يرحبا أبدا بزواجي من أرملة تكبرني في السن وذات أبناء ولو كانت من اغني الأغنياء‏.‏


وهكذا واصلت العمل والدراسة وكنت قد بلغت السنة النهائية من دراستي الجامعية‏..‏ وانشغلت بالمذاكرة والامتحانات‏,‏ فتخلفت عن زيارة صاحبة العمل عدة مرات‏,‏ واعتذرت لها بمشاغلي‏,‏ وظهرت النتيجة وحصلت علي شهادتي ففوجئت بها تقدم لي ساعة ثمينة هدية النجاح وتدعوني من جديد للغداء‏,‏ وتكرر ما حدث في الدعوة السابقة‏..‏ لكن شيئا جديدا قد طرأ‏,‏ هو أنها دخلت الحمام وتركتني وحيدا في الانتريه لفترة طويلة‏,‏ فجاءت السيدة التي تعمل لديها بالشاي ووضعته أمامي ثم نظرت إلي نظرة معبرة وسألتني بطريقة مباشرة‏:‏ لماذا لاتطلب يد السيدة فلانة؟‏!..‏ وهي الجمال كله والأدب كله والأخلاق كلها‏,‏ وذهلت لما سمعت وترددت في الإجابة‏,‏ ثم قلت لها انني شاب عمري‏24‏ سنة وخريج جديد لم يحصل علي عمل رسمي بعد‏,‏ وظروفي المادية سيئة‏,‏ فبأي شيء أتقدم لمثل السيدة فلانة؟‏..‏



فرمقني بنظرة جانبية وقالت‏:‏ بشبابك‏..‏ ومستقبلك‏..‏ وأمانتك‏!‏ تتقدم ولا تحمل هم الأعباء المادية لأننا لن نكلفك شيئا‏.‏ أو دعني اتحدث باسمك حين تخرج السيدة من الحمام وأعلنها برغبتك فيها‏!.‏


وسكت موافقا‏,‏ وجاءت السيدة فقابلتها مديرة البيت بزغرودة‏,‏ واعلنتها ان هذا الشاب الخجول يطلب يدها علي سنة الله ورسوله‏,‏ لكنه يخشي ألا تقبلي به لظروفه‏..‏ فأشادت السيدة بأخلاقي وكيف أنها لا تقدر بمال الأرض وأعلنت موافقتها علي الفور‏..‏



وبدأنا بعد ذلك الحديث في التفاصيل وحددنا موعدا لعقد القران بعد أيام‏,‏ وطلبت منها شيئا واحدا هو أن نتكتم هذا الزواج عن أهلي‏,‏ لأن أبي وامي لن يوافقا عليه ولن يدعاني لحال سبيلي إذا علما به‏.‏


وطلبت هي أن نتكتم الزواج عن أهل زوجها الراحل لكليلا يثيروا لها المتاعب خاصة بالنسبة لأولادها‏,‏ واتفقنا علي ألا يعلم به إلا أخوتها ووالدتها‏..‏



وبدأت حياتي الزوجية معها‏..‏ وغرقت في طوفان عاطفتها وشوقها‏,‏ وأصبحت أتناول الغداء معها كل يوم وأرجع للعمل وأعود إليها في المساء لقضاء السهرة‏,‏ وارجع للبيت في منتصف الليل واعتذر لأمي وأبي بالعمل‏,‏ أو أزعم لأمي أنني سأتسلم بضاعة طوال الليل‏,‏ وأقضي الليل مع زوجتي‏..‏


وبالرغم من المجهود الذي ابذله في العمل فلقد تحسنت صحتي‏..‏ وازداد وزني‏..‏ بفضل التغذية الجيدة والسعادة‏,‏ فأنا أحب زوجتي وحريص عليها وهي تحبني حبا كبيرا وتعتبرني هدية السماء لها‏,‏ وانا سعيد معها وأتفجر حماسا للعمل‏..‏ وأصبحت احصل علي نسبة‏5%‏ من أرباحه إلي جانب مرتبي مقابل إدارتي له‏..‏ وجرت النقود في يدي وأصبح يتوافر لدي لأول مرة أكثر من احتياجاتي‏,‏ واعطيت أمي مائتي جنيه هدية لها فسعدت بها كثيرا‏..‏ شيء واحد فقط ينغص علي هذه السعادة هو خوفي من أن يعلم أبي وأمي بزواجي من السيدة التي ادير تجارتها‏,‏ خاصة أمي‏..‏ لأن أبي يمكن بعد ثورته الأولي وسخطه أن أتفاهم معه‏,‏ أما أمي فلن يهدأ لها بال إذا علمت إلا بعد أن ترغمني علي طلاقها‏,‏ وترك العمل معها وتحرم علي رؤيتها‏,‏ لأنها كأي أم تريد لابنها ان يتزوج فتاة بكرا وأصغر منه‏,‏ وليست ارملة تكبره بـ‏13‏ عاما ولديها ثلاثة أبناء‏..‏ وأنا أعرف عن نفسي أنني لن اتحمل غضب أمي علي‏,‏ اذا غضبت وافكر في اليوم الذي ستنفجر فيه المشكلة وادعو الله أن يبعده إلي أقصي حد ممكن‏..‏ وأن يؤجل المتاعب لأجل بعيد‏.‏



ولكن الي متي سأظل خائفا اتلفت حولي كالمشبوه وأنا أتسلل إلي بيت زوجتي‏..‏ أو أغادره في الليل؟


وماذا تقترح علي أن أفعل لأتخلص من هذا الخوف الثقيل علما بأنني قد كتبت لزوجتي مؤخر صداق كبيرا لا استطيع الوفاء به‏,‏ كما لا استطيع تحمل بقية اعباء الطلاق الذي لا ارغب فيه؟‏!‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


ماذا فعلت بنفسك أيها الشاب؟


لقد تزوجت زواجا محكوما عليه بأن يكون مؤقتا‏,‏ وان ينتهي مخلفا وراءه جراحا علي الجانبين طال المدي أو قصر‏,‏ إن لم يكن بسبب زوال غشاوة الرغبة والشوق والاندفاع إلي الارتواء العاطفي بعد حين‏,‏ فلقد يجئ الانهيار لأسباب خارجية لا يمكن تفاديها إلي الأبد‏,‏ كثورة الأهل علي هذا الزواج غير المتكافئ من كل الوجوه‏,‏ خاصة أهل الزوج الراحل الذين سيتشككون بالضرورة‏,‏ ولهم بعض العذر في ذلك‏,‏ في دوافعك المادية للارتباط بهذه السيدة‏,‏ وسيتهمونك بالطمع في ثروة الأرملة وابنائها‏,‏ وقد ينهضون لمنازعة زوجتك في حضانة الأبناء وحق الوصاية عليهم بعد ظهور رجل غريب في حياة أمهم يخشي منه علي ثروة الأبناء ومستقبلهم‏,‏ خاصة وهو ليس رجلا متوسط العمر مستقرا ماديا وناضجا ويبحث عن الأمان والاستقرار‏,‏ وإنما شاب طموح يصغر زوجته بـ‏13‏ عاما‏,‏ فماذا تفعل زوجتك إذا خيرت بين حضانة ابنائها والوصاية عليهم‏..‏ وبين التخلي عن هذا الزواج الذي لا تستطيع الدفاع عنه أو تبريره أمام أهل زوجها الراحل؟‏.‏



هل تراها تضحي بأبنائها من أجلك؟


ان الجواب معروف‏,‏ولا يحتاج إلي بيان‏..‏ لهذا فإن زواجك هذا هو مهلة مسروقة من الزمن قد تكون لعدة أسابيع وقد تطول بالشهور والسنوات‏,‏ لكنه في كل الأحوال سوف تمارس قوانين الحياة الطبيعية تأثيرها علي كل الأطراف في الوقت المناسب فتكتشف أنت بعد الري والشبع والارتواء انك قد تسرعت في الزواج من هذه السيدة التي تكبرك كثيرا في العمر ومثقلة بأعباء الأبناء‏,‏ وتكتشف هي أنها قد خرجت علي المألوف وتجاهلت الاعتبارات العائلية والاجتماعية العديدة‏..‏ فأساءت الي نفسها وعرضت ابناءها لخطر انتقال حضانتهم والوصاية عليهم لغيرها‏..‏ فتندم علي انسياقها وراء مشاعرها المحرومة عقب وفاة زوجها وتتمني لو لم تكن قد ضعفت أمام نداء الرغبة علي هذا النحو‏.‏



علي أية حال فإن بعض الحقيقة خير من أي زيف‏,‏ كما يقولون‏,‏ ولا مفر إذا اردت أن تتخلص من الخوف والإحساس الباطني ـ بأنك ترتكب خطأ لا تستطيع مواجهة الآخرين به ـ من مواجهة الحقائق بدلا من الهروب منها وتحمل تبعات المواجهة بشجاعة أيا كانت النتائج‏,‏ فابدأ بأبيك وصارحه بما فعلت وتحمل ثورته وغضبه‏..‏ ثم اطلب منه النصيحة فيما تفعل‏..‏ وكن أمينا معه في الحديث عن نفسك ومشاعرك وطموحك وحقيقة رغبتك في هذه السيدة‏..‏ وتدبرا معا اذا تقبل ابوك حقيقة زواجك كيفية تخفيف وطأة القصة علي والدتك‏..‏ واصمد للأعاصير والعواصف والرعود والبروق المتوقعة‏..‏ فإذا نجحت في الصمود لهذه الأهوال‏,‏ فمن يدري ربما تكون الاستثناء من القاعدة وينجح زواجك ويطول عمره بعض الوقت‏..‏ قبل أن ينفجر من ناحية الزوجة ومنازعات أهل زوجها معها‏..‏


وفي كل الأحوال فإنك ايها الشاب كما قلت لك في البداية راكب قطار سيصل إلي محطته الأخيرة طال الوقت أو قصر‏,‏ ولو كنت من أهل الحكمة لبادرت أنت علي الفور بتصحيح هذا الوضع الذي يخالف قوانين الحياة بدلا من انتظار انهياره المحتوم‏,‏ وتفاهمت مع زوجتك وديا علي الانفصال بلا تبعات مادية مراعاة لظروفك وسابق خدمتك لها‏,‏ ثم انسحبت من العمل معها وبحثت عن مستقبلك في طريق آخر بلا اجتراء علي مخالفة المألوف‏..‏ ولا تحد لقوانين الحياة الطبيعية‏.‏




حسام هداية 08-25-2011 04:52 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الطاعة المقدسة‏!‏

بـريــد الأهــرام

42795
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
6
‏15 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة

أنا سيدة في منتصف العشرينيات من عمري ونحن ثلاثة ابناء أنا الكبري بينهم وقد نشأنا بين أبوين متعلمين تعليما جامعيا‏.‏ وعلي أن الكلمة الأولي والأخيرة بالنسبة لجميع شئون حياتنا هي لوالدتي‏,‏ وقضينا زهرة سنوات حياتنا في الدول العربية‏,‏ ولذلك حصلت علي الثانوية العامة من إحدي دول الخليج‏,‏ وعدت بعدها الي مصر‏,‏ حيث التحقت باحدي كليات القمة بجامعة الإسكندرية‏,‏ والحمد لله رب العالمين فقد أنهيت دراستي بالجامعة دون أي مشاكل‏,‏ وفي العام الأخير من الكلية تقدم لي العديد من الشباب للزواج مني‏,‏ الا أن أمي كانت ترفضهم لأسباب تراها هي‏,‏ الي ان تقدم لي منذ نحو عام ونصف العام شاب من الوجه البحري لاصلة لنا به ولا نعرفه ولا يعرفنا‏...‏ ولكن والدتي رأت فيه أنه الشاب المناسب لي من جميع الوجوه المادية والاجتماعية والأدبية‏..‏ لكن هذا الشاب الممتاز من وجهة نظر والدتي ليس من ابناء الإسكندرية‏,‏ ولذلك فقد اشترطت عليه الإقامة بالإسكندرية‏,‏ فوافق أهله برغم أنه وحيدهم‏,‏ وذلك رغبة منهم في سعادته‏,‏ ودون دخول في تفاصيل كثيرة فقد تسارعت خطوات الزواج‏..‏ حتي تم زفافنا في الأسبوع الأخير من سبتمبر سنة‏2002‏ في شقة بالإيجار علي أطراف مدينة الإسكندرية‏,‏و برغم حدوث بعض المشاكل البسيطة في الطريق إلا أنها مرت جميعها بسلام‏...‏ لكن والدتي صنعت منها سجلا اسودا لأهل زوجي‏.‏



وبعد انتقالي لمنزل الزوجية ومعايشتي لزوجي وجدته إنسانا فاضلا يحبني ويقدرني ويغير علي من كل شيء‏...‏ ووجدت معه كل معاني الحب والسعادة والهناء‏.‏


ومع بداية زواجنا بدأ زوجي يطلب مني ان اراعي بعض الأمور كأن أغطي رأسي حيث كنت لا أضع اي غطاء علي رأسي‏,‏ كما أنني كنت أرتدي البنطلون‏..‏ فطلب مني عدم ارتدائه‏,‏ وأضع المساحيق علي وجهي فطلب مني عدم وضع المساحيق علي وجهي خارج المنزل لأنني كما يقول أجمل بدونها‏,‏ ورحبت انا بكل ذلك واقتنعت به وبأحقية زوجي في طلبه مني‏,‏ الا أنني فوجئت بوالدتي الحبيبة تثور علي أنا وزوجي وتطلب مني عدم طاعته بدعوي أنه بذلك سوف يلغي شخصيتي‏!‏ واحترت ماذا أفعل؟ وحلا لهذا الإشكال كنت أرتدي أمام زوجي ما يرضيه عني‏..‏ وبعد انتهاء إجازته وسفره الي عمله وعودتي لمنزل والدي أرتدي ما يرضي والدتي‏.‏



وبعد نحو عشرة شهور من الزواج لاحظت أن زوجي يتعب كثيرا عند نزول الاجازة‏...‏ حيث يحضر الي الإسكندرية وبعد يوم أو يومين نسافر معا الي أهله في مدينتهم لنمضي معهم جزءا من الاجازة‏,‏ ولذلك اقترح علي زوجي ان ننقل إقامتنا من الإسكندرية الي مدينتهم حتي يشعر ببعض الاستقرار والراحة خلال اجازته‏..‏ فقلت له إنني مقتنعة تماما بحقه في ذلك‏,‏ ولكن عليه أن يعرض الموضوع علي والدتي لكي توافق علي هذا الاقتراح‏,‏ وذهبنا الي والدتي لعرض الأمر عليها‏...‏ وبمجرد سماعها للفكرة تكهرب الجو وثارت علينا ثورة عارمة‏...‏ وتوعدتنا بالويل والثبور وعظائم الأمور إن تم ذلك النقل‏,‏ وقالت بصيغة الأمر النهائي‏...‏ إما أن نظل في الإسكندرية وإما أن يتم الطلاق بيني وبين زوجي‏,‏ وحجتها في ذلك أمران‏:‏


الأول‏:‏ إن اثاث منزلي أفخم من ان ينقل الي الأقاليم‏,‏ علما بأنني عندما زرت بعض زملاء زوجي وأصدقائه وجدت عند بعضهم أثاثا أفخر من أثاث منزلي‏.‏



الثاني‏:‏ إنه لا يوجد في الإقاليم مدارس أجنبية‏..‏ وهي تريد أن يتعلم أبنائي في مدارس أجنبية‏,‏ علما بأنه لايوجد عندنا من تعلم في مدارس أجنبية كما أن مدينة زوجي بها مدارس خاصة‏.‏


وأنا الآن حائرة بين الطرفين والدتي وزوجي‏,‏ فكيف أوفق بين الرغبتين المتعارضتين؟ وكيف احافظ علي حياتي الزوجية من أجل زوجي وطفلي الوليد ونفسي‏,‏ ان والدتي تتوعدني بغضب الله علي إن خالفتها‏...‏ وهي تقول لي بمنتهي البساطة إن الحل الأمثل لمشكلتي هو طلاقي‏,‏ كأن الطلاق أمر غاية في السهولة واليسر علي المرأة وأيضا بكل بساطة تقول لي الآن‏...‏ إنها سوف تطلقني‏..‏ وبعد انتهاء العدة‏...‏ سوف تزوجني ممن هو أفضل من زوجي مادمت أطيعها‏..‏ لأن طاعة الأم أمر مقدس عند الله‏!‏ فهل خراب البيوت والطلاق أمر هين لهذه الدرجة؟‏...‏ إنني لاأتخيل الحياة مع رجل آخر غير زوجي‏,‏ كما لا أتخيل الحياة لحظة واحدة دون ابني فلذة كبدي‏..‏ فماذا أفعل؟



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


تمسكي يا سيدتي بزوجك وحياتك الزوجية ودافعي عنها حتي الرمق الأخير‏,‏ لكي يسعد طفلك بحياة آمنه مستقرة بين أبوين متفاهمين متحابين‏..‏ أما اغراءات والدتك لك بالطلاق ووعودها المسمومة بأن تزوجك ممن هو أفضل من زوجك الحالي ووالد طفلك‏,‏ وبشراها لك بتأكيد ذلك كمكافأة من السماء لك لأنك قد أطعت أمك ودمرت حياتك الزوجية ومزقت طفلك الوليد بين أبويه‏,‏ حيث إن طاعة الأم أمر مقدس‏..‏ فكل ذلك ليس سوي ابتزاز عاطفي لك لكي تخضعي نهائيا لإرادتها وترفضي الانتقال مع زوجك الي مدينته‏,‏ ولو تطلب الأمر هدم حياتك الزوجية رغم سعادتك بها‏,‏ والحق أني أعجب لأم لا تشجع ابنتها علي طاعة زوجها الذي تحبه ويحسن معاملتها‏,‏ وتطالبها بالطلاق منه لأنه قد فكر مجرد تفكير في نقل مقر اقامته بعيدا عن مدينة الأم‏..‏



إن كل انسان مسئول عن حياته واختياراته‏,‏ وانت زوجة وأم وتملكين ارادتك وحياتك‏,‏ ومن واجبك ان تلحقي بزوجك حيث يقيم‏,‏ والطاعة المقدسة التي تشير اليها والدتك لكي تظل ممسكة بقياد حياتك وتوجهه كيف تشاء‏,‏ لاتنسحب علي ما يتعارض مع الشرع والدين والحكمة والمصالح المشروعة للبشر‏,‏ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏,‏ وزوجك أحق بطاعتك له في هذا المطلب العادل المشروع‏,‏ وهو الانتقال إلي مدينته‏,‏ وقصة المرأة الأعرابية التي ارسلت تستفتي الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في الخروج من بيتها لزيارة أمها المريضة معروفة‏,‏ فقد أمرها زوجها قبل سفره بألا تغادر البيت قط خلال غيابه ثم مرضت أمها وارادت زيارتها للاطمئنان عليها‏,‏ فأرسلت تستفتي الرسول الكريم هل يجوز لها ان تزورها خلافا لأمر زوجها‏,‏ فأجابها الرسول صلوات الله وسلامه عليه بما معناه أن‏(‏ أطيعي زوجك‏),‏ وحين لاقت الأم منيتها قبل عودة الزوج بعث الرسول الي المرأة الأعرابية من يبشرها بحسن المآل جزاء وفاقا لطاعتها لزوجها في احلك الظروف‏.‏



يا سيدتي ان البر بالأبوين لايعني ابدا ان يمحو احدهما شخصية الابن أو الابنة‏,‏ أو ان يتسلط تسلطا تاما علي حياته‏,‏ فلايخطو خطوة في اي اتجاه الا بإذنه وقبوله‏,‏ ولا يعني أن يتخذ احد الأبوين القرارات المصيرية دونه خاصة اذا كان الابن راشدا وقادرا علي إدارة حياته‏..‏ والانسان يحتاج دائما الي مشورة المخلصين من حوله في أمره‏,‏ وليس هناك من هما أحرص علي مصالح الابن من أبويه‏,‏ لهذا فإن مشورتهما في أمور حياة المرء لها الأولوية القصوي‏,‏ ولكن بشرط ان يكون الناصح متجردا من الهوي‏,‏ وتكون النصيحة خالصة لوجه الله وليست من نوع نصائح الطاعة المقدسة‏!‏


حسام هداية 08-25-2011 04:54 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الاعتـراف

بـريــد الأهــرام
42795
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
6
15 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة

لقد قرأت اليوم الرسالة التي أرسلها رجل طلق بالخلع تحت عنوان السلاح السحري التي يشكو فيها الرجل من سوء استغلال الطفلة كسلاح لإذلاله وانعكاس ذلك علي نفسية الطفلة‏!!‏ ووصفه زوجته او خليعته بأنها ضعيفة الشخصية كوالدها‏.‏


للأسف الشديد فأنا والد هذه الزوجة الذي وصفه الزوج المخلوع بالرجل عديم الشخصية‏!!‏



نعم أنني لا استطيع ان أعارض زوجتي ولقد قاطعت جميع أهلي خوفا من بطشها‏,‏ وسيطرت علي تماما ومنذ زمن بعيد‏..‏ ففي صدر شبابي طلقتها وتركتها في بيت والدها بالقاهرة لمدة عام‏,‏ وكانت وقتها حاملا في ابننا الأول وتدخل شقيقها وتم الصلح بشرط ألا يزورني أحد من أشقائي أو يتصلوا بنا وقبلت من أجل الطفل‏..‏ وتوالت التنازلات حتي أنني كنت أترك عملي لأرعي الأطفال في حين تنزل هي إلي العمل ولم تهتم بي ولا بالأطفال‏,‏ وكرست حياتها للعمل مهملة بيتها حتي وصلت إلي اعلي المناصب‏,‏ ولقد انجبنا‏3‏ أبناء والتحقوا جميعا بكلية الطب‏,‏ وبعد تخرج الولدين سافرا إلي القاهرة للعمل هناك‏,‏ حيث إن لوالدتهما شقة قامت بشرائها لتأمين مستقبلها‏..‏ ونحن ندفع لهما الإيجار وقمنا بطلاء الشقة‏(‏ أو بمعني أصح والدتهماوهما بعيدان عنا كل البعد ولم يتصلا بنا طوال إقامتهما بالقاهرة سوي مرات معدودة؟‏!‏ وكانت الأم مشغولة بعملها ولم يبق معي بالمنزل سوي ابنتي التي صرت اعشقها لحد الجنون‏,‏ حيث انها كانت تملأ الفراغ الذي تتركه الأم بغيابها عن المنزل في عملها واجتماعاتها‏.‏


وهكذا نشأت ابنتي في منزل لا توجد فيه الأم سوي لساعات قليلة ونائمة‏..‏



منزل لم يعرف عما أو عمة أو ابناء العموم أو العمات‏,‏ ـ منزل لا يعرف سوي صوت الأم العالي‏..‏ وهكذا كانت القدوة‏..‏ فالأم هي قدوة للبنت ولم تعلم زوجتي ابنتها الوصايا الحميدة التي أوصت بها الأعرابية ابنتها عند الزواج عندما قالت لها‏:‏ لقد خرجت من دار غير دارك‏..‏ فكوني لزوجك أمة يكن له عبدا‏..‏ وكوني له فرشا يكون لك سماء‏.‏


وهكذا فإن ابنتي لم تكن ضعيفة الشخصية كما صورها زوجها السابق ولكنها كانت تحاول أن تقلد أمها؟‏!‏



أما أنا فليس لي من أهل أو أقارب بعد أن قاطعتهم منذ أمد طويل‏..‏ حتي أن لي شقيقة مريضة وطريحة الفراش لم أزرها ولم أتصل بها‏,‏ ولا استطيع أن أفعل خوفا من بطش زوجتي‏..‏ وما يقول عنه صاحب الرسالة فهو صحيح لأن زوجتي تقوم بتلقيني درسا في إثارة حفيظة الرجل‏,‏ كما تقوم بتلقين الطفلة درسا مماثلا‏,‏ وبعد عودتنا من رؤية الأب تسأل الطفلة ماذا فعلت؟ فإن كان غير ما أمرتني به تكون ليلة سوداء ومعركة وسبابا‏.‏ ولذلك ونظرا لكبر سني أحاول أن اتفادي الصدام معها ـ فهي كما وصفها فولاذية ذات شخصية متسلطة ـ وأقوم بتنفيذ ما تطلبه مني حتي يكره الرجل طفلته وتكرهه الطفلة‏.‏


بل وأكثر من ذلك لقد ألحقنا الطفلة بمدرسة أجنبية‏,‏ وقمنا برفع دعوي في المحكمة لمطالبته بالنفقات‏,‏ وهكذا تحاول أن تجعل حياته جحيما‏.‏



إنني اكتب لك اليوم لعلي استريح من حمل ثقيل لم استطع أن أبوح به لأحد من قبل‏,‏ وهذا بمثابة اعتذار للرجل الذي اتابع نجاحاته من الزملاء‏..‏ ولأنه ليس في العمر بقية‏,‏ حيث وصلت من العمر ارذله‏,‏ أرجو منه أن يسامحني حتي ألقي ربي وهو راض عني‏.‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


انت تقر ياسيدي بكل ما قاله زوج ابنتك السابقة في رسالته‏,‏ لكنك تبرره بمبرر وحيد هو انك مقهور الإرادة مع زوجتك‏,‏ وانها تفرض عليك اداء هذا الدور البغيض مع حفيدتك في بث كراهية ابيها في نفسها لكي تستقر في اعماقها منذ الصغر‏.‏


وإذا سلمنا بأنك لا تستطيع لأسباب تتعلق بضعف الشيخوخة وضعف الإرادة وطلب السلامة ان تواجه زوجتك وترغمها علي الكف عما تفعل‏,‏ فإنك تستطيع علي الأقل ان تتحايل علي عدم تنفيذ تعليماتها الصارمة بأن تدع الأبنه خلال جلسة الرؤية وحدها مع ابيها‏,‏ وألا تبث السموم في نفسها تجاهه‏,‏ بحيث تتيح للأب حقه العادل في التواصل مع طفلته دون مؤثرات سلبية من جانبك‏,‏ وتتفادي في نفس الوقت غضب زوجتك المتجبرة‏..‏ نعم تستطيع أن تفعل ذلك كما تستطيع ايضا ان تكف دائما عن ترديد البهتان علي مسامع الطفلة لكي تكره اباها‏..‏ لأنه لن يدفع ثمن ذلك في النهاية إلا هذه الابنة نفسها‏..‏ كما أنه امر ليس من العدل والدين والتربية الصحيحة في شيء‏,‏ وشكرا‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 05:15 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الخروج من الشرنقة


بـريــد الأهــرام
42809
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
20
‏29 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة

هل تذكرني؟ إنني صاحب رسالة الحب الزائفالتي تفضلت بنشرها في يونيو عام‏2000,‏ وشكوت لك فيها من أمي ورفضها القاطع لزواجي من أي فتاة أو سيدة‏,‏ لأني ابنها الوحيد الذي ترتبط به وتعتمد عليه خاصة بعد زواج شقيقاتي‏,‏ وحكيت كيف كانت كلما هممت بخطبة فتاة تمرض أو تتمارض وتلازم الفراش‏,‏ ويبدو كما لو أنها علي وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة‏,‏ فنضطر لتأجيل الخطبة وأتفرغ لملازمتها ورعايتها الي أن يمضي موعد الخطبة‏..‏ فتسترد علي الفور دماء الصحة والعافية وتنهض من فراش المرض وهي في قمة السعادة‏..‏ كما رويت لك كيف تأجلت آخر خطبة لي عدة مرات لنفس السبب‏,‏ حتي ضاق بنا أهل الفتاة واعتذروا عن إتمام الارتباط‏,‏ إلي أن يئست تماما من أن أجد حلا لمشكلتي فكففت عن محاولة الزواج بعد أن أصبحت لي سمعة غير مستحبة في بيوت العائلات الكريمة من جراء ما حدث في محاولات الخطبة العديدة السابقة‏,‏ وأذكر أنك بعد أن حللت موقف أمي مني ووصفت حبها لي بأنه حب زائف‏,‏ لأنه حب أناني لا يضع سعادة الابن المحبوب في الاعتبار‏,‏ وأن كل ما يهدف اليه هو استمرار الاستئثار به وتملكه دون بقية النساء‏..‏ قلت لي إنه لا مفر من أن تسعي الي الارتباط بفتاة مناسبة في سرية تامة بعيدا عن والدتك لكيلا تفسد عليك المشروع ثم تتزوج وتضع والدتك أمام الأمر الواقع وتتحمل صواعقها وعواصفها وحمم براكينها الي أن تخمد النار وتسلم بما حدث‏,‏ مع تأكيدك لي بضرورة الفصل بين أمي وزوجتي في المسكن‏...‏ لكيلا يحدث الاشتباك المتوقع بينهما‏,‏ وبعد نشر الرسالة ساءت حالتي النفسية للغاية وانقطعت عن زيارة الاصدقاء أو استقبالهم وأصبحت أخرج بعد صلاة الفجر الي عملي وأعود إلي البيت في المساء منهكا فأجد أمي تتفجر شبابا وحيوية تتحدث في التليفون مع إحدي بناتها وتطلق ضحكاتها العالية‏..‏ فأدخل غرفة نومي محسورا ولطبيعة عملي فلقد كنت أسافر الي عاصمة المحافظة التي تقع فيها مدينتي عدة مرات كل اسبوع وأتردد علي مسجد قريب من العمل لأصلي فيه‏,‏ وفي هذا المسجد رأيت رجلا سمح الوجه وقورا‏,‏ لاحظت أنه ينظر الي ويراقبني‏,‏ ربما لأنني وجه غريب يظهر في المسجد فتبادلنا النظرات والابتسامات والتحية ثم حدث في أحد الأيام وكنا نستعد لأداء صلاة المغرب‏..‏ أن سمعت صوت سقوط جسم علي الأرض في أحد أركان المسجد‏,‏ ورأيت المصلين يهرولون ناحيته فهرولت معهم‏..‏ فوجدت هذا الرجل وقد أصيب بأزمة صحية مفاجئة‏,‏ فقد معها توازنه وساعدناه علي النهوض فطلب


مني أنا بالذات أن أوصله إلي بيته القريب‏,‏ ففعلت وأحضرت له طبيبا وصرفت الدواء من الصيدلية ومكثت معه حتي صلاة العشاء وودعته بعد الاطمئنان عليه وهو يشكرني بحرارة ورجعت إلي مديتني الصغيرة‏.‏



وبعد أسبوع لاحظت أنه لم يظهر بعد في المسجد منذ ذلك اليوم‏,‏ فتوجهت إلي بيته للسؤال عنه‏,‏ وطرقت الباب ففتحته لي فتاة شابة فارتبكت لأني لم أر من قبل أحدا معه في بيته وكنت أظنه أرمل وحيدا وهممت بالرجوع لكنه ناداني من الداخل ورحب بي‏,‏ وفسر لي وحدته في المرة السابقة بأن زوجته وبناته الأربع كن حين رجعت معه الي بيته يحضرن درسا دينيا لداعية مشهورة واستشعارا مني بحرج الموقف حاولت الانصراف بعد فترة قصيرة‏,‏ لكنه أصر علي أن أبقي معه حتي نتناول معا طعام العشاء‏..‏ وعرفت منه أنه رجل بالمعاش عمل مديرا بوظيفة سيادية كبري‏,‏ وطلب مني أن أحكي له قصتي لأنه يلاحظ نظرة حزن غريبة في عيني‏,‏ فوجدتني أروي له كل شئ بصراحة تامة‏,‏ وأحكي له مالم أصرح به لانسان قبله‏,‏ فربت علي كتفي وطلب مني الصبر علي والدتي والدعاء لها بالهداية‏,‏ ثم سألني‏:‏ مارأيك في ابنتي الكبري التي فتحت لك الباب‏..‏ هل تراها مناسبة لك‏,‏ فأجابته علي الفور بالإيجاب‏,‏ ولم أفكر في أن أطلب مهلة للتروي والتفكير في الأمر‏,‏ فشجعه ذلك علي أن يدعوها ويبلغها أن هذا الشاب الطيب يطلب يدك



فماذا تقولين؟ وخفق قلبي خوفا من الحرج وفوجئت بها توافق حتي بعد إطلاعها علي جميع الظروف التي تحيط بي‏,‏ وطلب مني الرجل ألا أبوح بما حدث لأحد إلا من اثق به ثقة كاملة حتي لايتسرب الخبر الي والدتي‏,‏ وبالفعل لم ابح لأحد بسري سوي خالي وزوج إحدي شقيقاتي‏,‏ وخلال ذلك خطرت لوالد فتاتي فكرة كان لها أثر السحر في إتمام الارتباط‏,‏ فقد اقترح علي إرسال أمي لأداء العمرة عارضا ان يتكفل هو بنفقاتها كاملة‏,‏ وخلال غيابها فيها يتم عقد القران والزفاف والانتقال الي بيت الزوجية في بلدتي‏..‏ وترجع أمي من عمرتها فتجدني زوجا ورب أسرة مع حرصي علي مراعاتها ورعايتها وتحملها خلال فترة الثورة الأولي‏,‏ ونفذنا الفكرة بالفعل‏..‏ ورحبت امي بها ولم تسألني عن مصدر النقود التي دفعتها للعمرة‏,‏ ولعلها اعتبرتها آخر مدخراتي التي كنت قد ادخرتها للزواج‏,‏ واطمأنت بذلك الي اني لن اتمكن من الزواج ذات يوم‏,‏ وسافرت والدتي الي العمرة ورجعت واستقبلتني بالقبلات ثم عرفت بما تم في غيابها‏,‏ ولك ان تتخيل ماحدث وماجري بعد ذلك‏,‏ وكيف بعد ان بح صوتها من الصراخ والعويل هاجمتها جميع امراض الأرض حتي عجزت عن الحركة ولازمت الفراش؟ وتفرغت أنا وزوجتي لخدمتها ورعايتها وتمريضها‏,‏ وصرنا ننام علي الأرض بجوار فراشها لنجيب نداءها في أية لحظة‏,‏ ونصحبها الي الأطباء لعلاج أمراض لاندري عنها شيئا‏,‏ وهكذا طوال ثلاثة أشهر كاملة‏..‏ فاذا استأذناها في العودة لبيت الزوجية في مساء أحد الأيام لكي نبدل ملابسنا ونرتب أمورنا‏..‏ واذنت لنا علي مضض لم نكن نستقر في البيت ساعة حتي يلاحقنا الجيران بالتليفون‏:‏ عودوا والدتك تموت‏!‏



فنرجع مهرولين‏..‏ ونجدها في نفس الحال‏..‏ ونسلم أمرنا الي الله‏..‏ وهكذا عشت شهور الزواج الأولي كلها في جو الإرهاب المعنوي هذا‏..‏ والويل لزوجتي اذا ارتدت فستانا نظيفا في البيت‏,‏ والويل لي ولها اذا تبادلنا الحديث امامها بكلمة‏,‏ لأن الكلام ينبغي له ألا يوجه إلا لها هي‏,‏ واخيرا ظهرت بارقة امل في ان تخفف امي من موقفها هذا من زواجنا‏,‏ فلقد تحركت ثمرة الحب في أحشاء زوجتي‏,‏ وأملنا ان تسعد امي بالخبر وابلغتها به امام خالي‏,‏ فلم أنس تعبير وجهها حين سمعته ولا كيف اسود وجهها واظلم كانما قد أبلغتها بأسوأ خبر في الوجود‏,‏ وانقضت من شهور الحمل ثلاثة أشهر وزوجتي برغم كل شيء دائمة الابتسام في وجه أمي وحريصة علي خدمتها وتجاهل إساءاتها‏..‏ ثم خرجت ذات يوم لأصلي العصر في المسجد القريب ورجعت فوجدت زوجتي مستلقية علي الأرض والدم يغرق فستانها وامي تحاول مساعدتها علي النهوض‏,‏ وسمعت روايتين تفسيرا لماحدث‏,‏ الأولي من أمي وتقول ان زوجتي داخت من الحمل وسقطت علي الكرسي ثم علي الأرض‏,‏ والثانية من زوجتي علي انفراد وتقول ان أمي ألقت علي الأرض عامدة قشر الموز وبعض الزيت لكي تتزحلق عليها‏,‏ وانها جمعت قشر الموز من الأرض ومسحت الزيت قبل وصولي بدقائق‏,‏ ثم تظاهرت بمساعدتها علي النهوض وطلبت زوجتي أن تذهب الي بيت أهلها لتستريح فترة تسترد خلالها عافيتها بعد ان فقدت جنينها فوافقتها علي ذلك‏.‏



وشفيت امي من كل امراضها بقدرة قادر بمجرد ان رحلت زوجتي الي بيت أهلها‏..‏ وتحركت في البيت وتزينت وارتدت اجمل ملابسها البيتية وغطت الابتسامة وجهها‏,‏ وبعد أسابيع اخري حملت زوجتي من جديد‏..‏ فحرصنا علي تكتم الخبر عن أمي هذه المرة‏,‏ فلم تعلم به إلا بعد ان لاحظت انتفاخ بطن زوجتي‏,‏ ولم تعلق سوي بالسباب واللعنات‏..‏ ثم بدأ مسلسل الأمراض والأزمات الصحية‏..‏ فحرصت علي إبعاد زوجتي عن أمي بقية شهور الحمل‏,‏ وتحملت انا كل العبء وحدي في رعايتها‏,‏ وحين جاء موعد الولادة نقلت أمي الي المستشفي لاشتداد الأزمة عليها وحرت في رعايتها ورعاية زوجتي التي علي وشك الوضع‏,‏ واستعرت سيارة صهري لأتنقل بين الاثنتين‏,‏ ووضعت زوجتي طفلا وطفلة فرحت بهما فرحة طاغية‏,‏ وهرولت لأطمئن علي أمي التي دخلت العناية المركزة‏,‏ فوجدتها قد تحسنت وغادرت العناية‏,‏ ولم تسألني عن زوجتي ولا عن مولودها‏,‏ وأرادتني ان ابقي إلي جوارها ليل نهار وأدع زوجتي لنفسها‏.‏


ومضت الأيام بطيئة وكئيبة ورجعت أمي لبيتها وزوجتي لبيت اهلها لفترة ثم إلي بيت الزوجية‏,‏ ولم استطع أن احتضن طفلي وطفلتي واداعبهما طوال شهرين سوي مرة أو مرتين لأنه مطلوب مني ألا اتحرك بعيدا عن امي خطوة واحدة‏..‏ وطوال ذلك لم تسألني هي ولو من باب المجاملة هل وضعت زوجتك أم لا‏..‏ وماذا انجبت طفلا أم طفلة؟‏!.‏



وبعد عدة أسابيع انشغلت بعض الشيء بالطفلين وبزوجتي‏,‏ ودخلت أمي المستشفي لإجراء جراحة دقيقة فسلمت زوجتي طفليها لأهلها ونهضت لخدمة أمي في المستشفي ثم في البيت‏,‏ فما أن عادت اليه حتي شكت أمي لشقيقاتي من زوجتي ومن إهمالها لها وتأخيرها مواعيد الدواء‏..‏ الخ‏,‏ وإذا بشقيقاتي يتأثرن بهذه الادعاءات ويقاطعنني ويقاطعن زوجتي‏,‏ وعبثا حاولت مصالحتهن وارضاءهن لكيلا يقطعن صلة الرحم معي ومع الطفلين اللذين بلغ عمرهما عشرة شهور ويعيشان كالمنبوذين من أهلي‏,‏ فلا يفرح بهما احد ولا يداعبهما أحد‏,‏ و قالت لي اختي الصغري انهن يعرفن جيدا ان امي تظلم زوجتي فيما تدعيه عليها‏,‏ لكنهن لا يردن إغضابها ولا عصيان اوامرها لهن بمقاطعتنا فسلمت امري إلي الله‏..‏ وكلما اشتد حولنا الحصار والمقاطعة ازددت انا وزوجتي اقترابا والتصاقا وحاول كل منا تعويض الآخر عما ينقصه من عطف وحنان‏.‏


والآن يا سيدي فإني في حيرة من أمري‏,‏ فلقد حاولت مجددا الاتصال بشقيقاتي أو زيارتهن فواصلن مقاطعتي‏,‏ ما عدا ازواجهن الذين يقدرون ظروفي‏..‏ فماذا أفعل لكي اصون صلة الرحم التي قطعتها شقيقاتي‏..‏ ولكيلا ينشأ اطفالي منبوذين بلا أهل؟



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


كل ما تعانيه الآن هو من جراء تجرؤك علي الخروج من الشرنقة التي أرادت لك والدتك ان تحيا فيها محنطا إلي ما لا نهاية‏,‏ غير أنه لم يكن هناك مفر من هذا الخروج لتعيش حياة طبيعية‏..‏ وتنعم بالزواج والإنجاب وممارسة إحساس الأبوة وإحساس المسئولية عن أسرة صغيرة يسودها العطف والحنان‏,‏ فتحمل اقدارك يا صديقي وواصل حياتك‏..‏ وأرض بما تدفعه من ثمن لامتلاكك لزمام أمرك من جديد‏..‏ واختيارك للحياة السوية ضد رغبة أقرب الناس إليك‏.‏ والحق انه لم يعد بمقدورك ان تفعل أكثر مما فعلت للحفاظ علي صلة الرحم بينك وبين شقيقاتك‏,‏ فان كان ثمة ما تستطيع أن تضيفه إلي جهودك السابقة لرأب الصدع‏,‏ فهو فقط أن تتعالي علي جرح مقاطعة شقيقاتك لك‏,‏ وتتعامل معه بروح الفهم والتسامح‏,‏ لأنك تدرك جيدا انه ليس موقفا نابعا منهن‏,‏ وانما هو خنوع للأم وخضوع لرغبتها في مقاطعتهن لك‏,‏ ومداراة لها‏,‏ محاولة لتجنب إغضابها إشفاقا عليها مما تعتبره هي هزيمة لها في صراع الاستئثار بك دون غيرها من النساء‏.‏


وفهم كل شيء يؤدي إلي التسامح مع كل شيء كما يقولون‏.‏ ولهذا فلقد تستطيع إبلاغ شقيقاتك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة‏.‏ انك تتفهم موقفهن‏,‏ بل وتلتمس لهن بعض العذر في الضغوط التي تمارسها عليهن أمهن‏,‏ وتدرك انه لايعبر عن حقيقة مشاعرهن تجاهك‏,‏ وتنتظر في صبر ان تنكسر القيود التي تحول بينهن وبينك‏,‏ وسواء تحقق ذلك في المدي القريب أو البعيد‏,‏ فلسوف تظل دائما الأخ المخلص المحب لهن‏..‏ والحاضر دوما حين يحتجن اليك‏.‏



اما شقيقاتك فاني اذكرهن بانه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق‏,‏ وان قطع صلة الرحم من اكبر الكبائر‏,‏ وانهن يستطعن ان يعفين أنفسهن من وزرها دون التعرض لغضب الأم بالتحايل علي أوامرها‏,‏ والتواد عن بعد مع شقيقهن ولو سرا في بيوت بعض الأهل من حين لآخر‏,‏ أو في المناسبات أو عبر الأزواج أو بأي وسيلة للاتصال‏,‏ مع الالتزام بأوامر الأم بعدم زيارة بيته أو استقبال زوجته في بيوتهن إلي أن يغير الله من حال إلي حال‏.‏


أما والدتك فإني اعجب كيف لم يرق قلبها لهذين الطفلين اللذين جاءا إلي الحياة منذ عشرة شهور فلم تطلب رؤيتهما ولم تشعر بأي رغبة في ذلك حتي الآن؟



لقد حدث في كثير من القصص المماثلة ان كان مرأي الحفيد من الابن أو الابنة الخارجة علي طاعة الأهل لأول مرة بعد سنوات المقاطعة‏..‏ أثر السحر في إذابة جليد الجفاء والخصام بين الأبوين وبين الأبناء‏.‏


وكثيرا ما نصحت بعض من استشاروني في قصص مماثلة بأن يحملوا أطفالهم الرضع ويتوجهوا بهم إلي الأب الغاضب أو الأم الغضبي‏,‏ ويطرق أحدهم باب الشقة رافعا طفله بين يديه كأنما يحتمي به مما ينتظره فما ان يفتح الباب‏,‏ حتي يضع طفله بين يدي امه أو ابيه‏,‏ ويقول له انه يتقبل منه كل عقاب لكن هذا الطفل البرئ لاذنب له فيما فعل وهو يحتاج إلي جده وجدته كما يحتاجان اليه‏..‏ فهل يرفضانه؟



فتكون الاستجابة في معظم الحالات‏,‏ ان لم يكن في كلها‏,‏ هي الترحيب والدموع والاحضان والتجاوز عن الأخطاء وفتح صفحة جديدة في علاقة الطرفين‏.‏


فتري هل لو نفذت هذه النصيحة يمكن ان يكون لها بعض الأثر في تغيير مشاعر والدتك الصخرية تجاه طفليك؟ الحق انني لست علي ثقة من ذلك لكنه لابأس من التجربة ولو من باب استنفاد آخر الوسائل اذ لعل وعسي الله الذي ألان الحديد لعبده ونبيه داود عليه السلام‏,‏ يلين قلب والدتك لهما‏..‏ ولو انصفت لفعلت ولما حكمت علي نفسها بالحرمان من حفيدين جديدين يمكن أن يضيئا حياتها الخاوية ولو ادركت والدتك ان عاطفة الابن تجاه أمه لاتتعارض ابدا مع عاطفته تجاه زوجته واطفاله لما وضعت نفسها كطرف نقيض مع زوجتك وطفليك ولما اتخذت هذا الموقف المتعسف من زواجك منذ البداية‏.‏



فمكانة الأم سامية وراسخة في عمق اعماق القلوب حتي ولو لم يع البعض ذلك بوضوح واثرها في وجدان الانسان مما لا يمحوه‏,‏ الزمن‏,‏ فكيف تنزل بعض الأمهات عن هذه المكانة العليا الي محاربة طواحين الهواء والتنافس والتجاذب مع شريكة الحياة حول الابن المحبوب؟


لقد تذكرت وانا أقرأ رسالتك ماكان يحدث في الصين في الأزمان القديمة‏,‏ حين كانت العادة ان يعتزل الشاب الحياة فترة طويلة اذا مات احد ابويه وخاصة أمه‏,‏ فيترك كل متاع الدنيا ويتردد علي قبرها كل يوم ويمضي النهار الطويل الي جواره يتأمل في الحياة والموت‏,‏ ويشعر بأنه يؤدي بذلك واجبا تجاه امه أو يكفر عن تقصير سابق في حقها عليه‏.‏



وحين ماتت والدة حكيم الصين كونفوشيوس وكان في الرابعة والعشرين من عمره وزوجا وأبا ظل يتردد علي قبرها‏27‏ شهرا انصرف خلالها عن زوجته‏,‏ وانتهي به الأمر الي طلاقها بعد‏4‏ سنوات فقط من الزواج بسبب حزنه علي امه وإهماله لزوجته‏..‏ واختصر احد المؤرخين القصة في عبارة تقول‏:‏ ماتت امه فطلق زوجته‏!‏


فهل تدرك بعض الأمهات قيمتهن الحقيقية‏..‏؟ وهل يترفعن عن التناحر مع زوجات الأبناء حول مكانتهن في قلوب الأبناء‏.‏؟



حسام هداية 08-25-2011 05:19 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

التحول الكبير


بـريــد الأهــرام
42809
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
20
‏29 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة


فكرت كثيرا قبل أن أمسك القلم وأكتب اليك فأنا شاب متعلم مثقف متوسط الدخل لم استسلم للبطالة فتعلمت وتخرجت وفور تخرجي التحقت بوظيفة خاصة وكانت هي‏..‏ زميلتي‏..‏ انسانة متوسطة الجمال‏,‏ اعجبني فيها التواضع والقناعة وقبل كل هذا كانت من نفس مستواي الاجتماعي أي فقيرة مثلي فربط الحب بيننا ودون أي تفكير تقدمت لطلب يدها علي أن أقيم بعد الزواج في منزل اسرتي‏,‏ وتمت الموافقة من الطرفين وبمساعدة الأب تمت الخطبة ومن بعدها الزواج وبدأت حياتي وسط جو أسري سعيد وكانت أولي المفاجآت أن زوجتي لابد وأن تمر بفترة علاج لكي تنجب ورضيت بقضاء الله وبدأنا رحلة العلاج التي أثمرت في النهاية حورية من حوريات الجنة ومع قدومها تغيرت حياتي فقد فتح الله لي أبواب الرزق لأجد انفسي قد التحقت بالعمل الحكومي ويرزق الله والدي بميراث ليضعه في يدي وأبدأ مشروعا صغيرا ويرزقني الله بطفلتي الثانية ومعها رزقني الله رزقا وفيرا وأصبحت أبا لطفلتين كنت أقضي معهما أوقات فراغي ألعب وأمرح وأعيش عالم الطفولة والبراءة وانسي كل هموم الدنيا‏..‏ اذن أين المشكلة انها تتلخص في كلمة واحدة هي‏..‏ زوجتي‏..‏ نعم زوجتي‏..‏ الانسانة المتواضعة القنوعة اذ انه مثلما حدث التحول لي من العسر الي اليسر حدث لها هي الأخري تحول كبير ولكن الي الأسوأ‏..‏ فلقد بدأت تفتعل المشاكل بينها وبين أسرتي وأهملت الاهتمام بأطفالي وذهب الاحترام من نفسها للجميع فلم تعد تبالي احدا فراحت تثير المشاكل بينها وبين أمي بل بينها وبين أبي أيضا وأنا حائر في سر هذا التغير وحاولت اصلاحها ولم أفلح وراحت هي تهين أمي وأبي فانفجر بركان غضبي وطردتها من المنزل الي منزل اسرتها‏..‏ نعم فكل شيء يهون إلا أبي وأمي ولا أدري هل يسر الحال يحول الانسان الي النقيض أم يجعله يشكر الله علي نعمته‏..‏ لقد اتفقت مع ابي حلا للمشاكل أن أقوم بتأجير شقة سكنية لاعيش فيها مع أطفالي وكان نعم الاتفاق لكن تجارتنا تعثرت واحتاج والدي‏..‏ وقبل ان ينطق بها سلمته كل ما معي من مال علي أن أحصل عليه عندما تتحسن السوق وأجلت فكرة الشقة لحين تحسن الأحوال وأصبحت زوجتي تقيم اقامة كاملة عند اسرتها وانا عند اسرتي وأصبحت حياتي جحيما لبعد أطفالي عني‏..‏ إن زوجتي تأتي يوميا وقد انهارت تماما وتريد أن تعود وأنا رافض أن تدخل منزل الاسرة لسوء معاملتها لأبي وأمي ولكن بعد أطفالي مثل الخنجر يمزق قلبي‏..‏ ماذا أفعل بالله عليك‏..‏ لقد حاولت اصلاحها من ناحية أسرتي ولم أفلح وهي مصممة انها علي حق وأسرتي تعاملها بقسوة رغم أن كل هذا افتراء وكذب‏..‏ انها انسانة مستفزة من الدرجة الأولي فماذا أفعل‏..‏ هل انهي حياتي الزوجية وأبحث عن زوجة تقدر دور الأب والأم أم أصبر وأجمع ما أخذه والدي من مال وأحصل علي مسكن خاص بي؟



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


أنت محق في غضبك لكرامة ابيك وأمك‏,‏ لكنك قد بالغت في رد فعلك لخلافات زوجتك معهما حين طردتها من البيت وباعدت بينك وبين أطفالك‏..‏ فالزوجة مطالبة بالفعل باحترام أهل الزوج وبنفس القدر الذي يطالبون به باحترامها ومراعاة خصوصياتها اذا كانت تجمعهما حياة مشتركة‏..‏ لكنه علي الجانب الآخر فان المثل الانجليزي يقول يحتاج الأمر الي شخصين لكي تقع مشاجرة‏!‏


ومعني ذلك ان مسئولية المشاجرة تتوزع غالبا علي طرفين أو أكثر وخلافات الزوجة مع الأبوين خاصة في الحياة المشتركة لابد أن تؤخذ دائما بقدر كبير من التفهم والادراك لحقيقة أن احتكاكات الحياة اليومية لابد أن تفرز بعض الشظايا من حين لآخر‏,‏ فتطالب الزوجة بالصبر والحرص الأبدي علي احترام أبوي زوجها وأهله‏,‏ ويطالب الأبوان بالرفق بزوجة الابن‏..‏ والتجاوز عن بعض هناتها‏..‏ وتقدير متاعبها مع أطفالها ومسئولياتها‏,‏ ويطالب الزوج بالحكمة في التعامل مع شكوي الأبوين من زوجته‏,‏ وشكوي الزوجة من أهل زوجها والسعي الدائم للتهدئة‏,‏ مع تجنب التورط في عقد المحاكمات العائلية‏..‏ واجراء المواجهات التي يجد الزوج فيها نفسه ممزقا بين وفائه لابويه‏,‏ وبين مشاعره تجاه زوجته‏.‏



علي أية حال فإذا كنت تبحث عن سر التحول في شخصية زوجتك بعد أن تحسنت أحوالكم المادية بعض الشيء فأغلب الظن أنه اعتقادها أنك قد أصبحت الآن قادرا علي توفير مسكن مستقل لها ولأطفالها‏..‏ يعفيها من الاقامة في حياة مشتركة مع ابويك إلي مالانهاية وحلم المسكن المستقل حلم مشروع لكل زوجة‏,‏ وهي إن قبلت الاقامة في بداية الزواج في كنف أبوي زوجها فباعتبار ذلك حلا مؤقتا الي حين تتوافر الامكانات المادية لتحقيق الحلم المنشود‏.‏


ولقد لاحظت زوجتك أنك بعد تحسن أحوالك المادية لم تقدم علي أية خطوة علي طريق الاستقلال بحياتكما الزوجية‏,‏ وأرادت ان تذكرك بانها ليست سعيدة بالحياة المشتركة مع والديك‏,‏ فبدأت في استفزازهما وتوالت المتاعب والمشاكل‏.‏



فطمئنها علي أنك جاد في نية الحصول علي مسكن مستقل لكما حين تسمح الأحوال بذلك‏,‏ واصفح عنها مكتفيا بفترة العقاب السابقة وأعد أطفالك إلي أحضانك‏,‏ واطلب من والديك أن يعتبرا زوجتك ضيفة مؤقتة في بيتهما الي أن تستقل بحياتك الزوجية بعيدا عنهما خلال وقت قصير إن شاء الله‏.‏

حسام هداية 08-25-2011 05:22 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الرسالة السادسة


بـريــد الأهــرام
42809
‏السنة 127-العدد
2004
فبراير
20
‏29 من ذى الحجة 1424 هـ
الجمعة



أنا رجل أبلغ من العمر‏40‏ عاما نشأت في ريف الدقهلية لأب موظف وأم ربة بيت وأسرة محافظة مترابطة متدينة‏,‏ توفي والدي وأنا خارج مصر حيث أعمل لأبني مستقبلي‏,‏ وحضرت بعد‏3‏ سنوات وتم تجنيدي بالمؤهل فوق المتوسط‏,‏ وتم تعييني بمصلحة مرموقة‏,‏ وحصلت خلال عملي علي المؤهل العالي والدراسات العليا والدورات التدريبية التي يرشح لها أفضل العناصر‏,‏ وتوفيت أمي الصدر الحنون وتزوجت من انسانة ريفية هي صغري أخواتها‏,‏ وللعلم فهي الثامنة من اخوتها‏,‏ وانا الرابع‏,‏ وكلهم في مراكز مرموقة والحمد لله ومازلنا مترابطين متماسكين نحب بعضنا حبا صادقا أخويا عظيما‏,‏ والكبير يحترم الصغير سواء في أسرتي أو أسرتها وتزوجت منذ‏13‏ عاما وأنجبنا ثلاثة أولاد في التعليم وزوجتي تحمل مؤهلا متوسطا وموظفة‏,‏ ومنذ أيام تشاجرت معها بسبب خروجي مع بعض الأصدقاء‏,‏ وهم محترمون وعلي خلق ومراكزهم مرموقة ولا نفعل شيئا يغضب الله تعالي إنما نجلس بعض الوقت في المساء وزوجتي بطبيعتها تنام من العاشرة مساء‏,‏ ووصل الأمر الي أنني سببتها وتخاصمنا‏,‏ وفي اليوم الثاني أحسست بدوخة ولم أذق طعم النوم في هذه الليلة وذهبت الي معمل التحليل‏,‏ وفي المساء فوجئت بأن عندي السكر‏,‏


ولأريد شيئا من الدنيا إلا رحمة ربي‏,‏ والحمد لله أنني أخذت من الدنيا كل شيء بل وأعطيت اشياء كثيرة والحمد لله ابتغاء مرضاة الله‏,‏ ولكن زوجتي هذه لماذا وهي نائمة ترتدي بيجامة وفوق البيجامة قميصا منزليا‏,‏ ولماذا أسير في المنزل فأدوس علي دبابيس وبنس شعر ومشابك غسيل ولماذا لا يوجد ترتيب في المنزل‏,‏ ولماذا عدم المبالاة‏..‏ أنني لا ينقصني شيء وما أريده ويريده الرجال هو سيدة تحافظ علي ترتيب بيتها وترتدي ما يرضي الزوج وترضي بالحياة خاصة ونحن ميسورون‏,‏ أم تري هل الزوجة عندما تطيع زوجها يغضب عليها الله‏,‏ أو هل الزوجة عندما تعطي لزوجها أقل حقوقه تغضب الله‏,‏ هل الزوجة عندما تنظف نفسها وبيتها تغضب الله‏,‏ هل الزوجة عندما تكون سعيدة وبشوشة في وجه زوجها تغضب الله وهل معقول ان تنام الزوجة‏18‏ ساعة في اليوم بعيدا عن فراش الزوجية؟‏!.‏



أريد حلا لأنني يئست من الحياة وبدأت في التفكير في البعد عن المنزل لولا أولادي‏!‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


هذه هي الرسالة السادسة التي اتلقاها منك في الشكوي من زوجتك‏..‏ وتعداد مناقبها‏!‏



والحق أنني اري ان معظم عيوب زوجتك قابلة للإصلاح بشيء من الجهد والنصح والصبر‏..‏ كما أن بعضها الآخر يمكن التجاوز عنه والقبول به كأمر واقع‏..‏ كما نتقبل ما لا نستطيع تغييره من ظروفنا الإنسانية أو الصحية أو الاجتماعية‏..‏ ونتعايش معه راضين أو كارهين‏,‏ فهون عليك يا صديقي وحاول الاستعانة بوالدي زوجتك علي حثها علي الاستجابة لما تريده منها‏,‏ ومحاولة إصلاح أمرها‏..‏ وعاتبها برقة فيما تراه مقصرة فيه بدلا من أن تطوي صدرك علي المرارة تجاهها فتتراكم المرارات‏,‏ وتقوم كالسد بينك وبينها‏..‏ وفي انتظار الرسالة السابعة لأعرف منها آخر التطورات‏,‏ وأرجو لك التوصل الي صيغة مريحة للطرفين مع زوجتك والسعادة وراحة البال‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 05:23 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الحلــم المتأخــر


بـريــد الأهــرام
42823
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
5
‏14 من محرم 1425 هـ
الجمعة



قرأت رسالة الخروج من الشرنقة للشاب الذي يشكو من محاولات والدته السابقة لإفساد أي مشروع زواج يقدم عليه‏..‏ ثم من محاولاتها بعد أن تزوج للاستئثار به دون زوجته‏,‏ ومحاولتها إجهاضها بعد أن حملت‏,‏ إلي آخر ما جاء في رسالته‏..‏ وقد دفعتني هذه الرسالة لأن أروي لك قصتي عسي أن تستفيد بها بعض الأمهات اللاتي يحتجن إلي النصيحة‏,‏ فأنا سيدة تزوجت من محاسب عمل لفترة طويلة بالخارج‏..‏ وصاحبته في مقر عمله بضع سنوات في البداية‏,‏ ثم حين تقدم الأبناء في مراحل الدراسة استقر رأينا علي أن أرجع بهم إلي مصر ليواصلوا دراستهم وأتفرغ لرعايتهم‏..‏ علي أن يأتي زوجي إلينا كل ستة أشهر‏,‏ ويقضي معنا شهر الإجازة الصيفية‏..‏ أو نذهب إليه نحن فيها‏..‏


واستقرت حياتنا علي هذا النحو‏..‏ وارتبطت خلال هذه الفترة بابني الاثنين ارتباطا شديدا حيث أصبحت بمثابة الأب والأم والمرشد والصديق لهما‏,‏ ولأنني قوية الشخصية بطبعي فلقد فرضت عليهما سيطرتي الكاملة‏..‏ بحيث لا يخطوان خطوة دون استشارتي وقبولي‏..‏ وإذا غضبت علي أحد منهما أنزوي خجلا وراح يستعطفني أن أسامحه وأعفو عنه‏,‏ أما زوجي فكان قد استسلم لسيطرتي عليه منذ البداية‏..‏ وراح يستجيب لكل طلباتي المادية والعائلية‏..‏ ورحت أنا أنفق ببذخ علي نفسي وبيتي وأشتري أشياء ربما لا أحتاج إليها‏,‏ لكني أتلذذ بعملية الشراء نفسها‏,‏ وأشعر بالفخر وأنا عائدة من الشارع محملة بأكياس الحقائب الجلدية والأحذية والملابس والاكسسوارات‏,‏ وتسعدني تعليقات الجارات والصديقات علي كثرة مشترياتي‏..‏



وواصل الابنان دراستهما إلي المرحلة الجامعية‏..‏ وتخرج الأبن الأكبر‏..‏ وكالعادة أحب ابنة الجيران وأراد أن يتزوجها وفاتحني في ذلك فرفضتها علي الفور لأنها من أسرة عادية وليست ثرية‏,‏ ولم اقتنع بما قاله لي من أنه يحبها ولن يجد سعادته إلا معها‏,‏ لأنني لا أعترف بالحب ولا أومن به‏..‏ وأؤمن فقط بأن الزواج لابد أن يكون متكافئا بين الطرفين في المال‏..‏ وحبذا لو كانت العروس أكثر ثراء لكي تشتري أثاثا فاخرا وتسهم بدخلها في نفقات الحياة‏..‏


ولم يقتنع ابني برأيي‏..‏ وصدمت لمخالفته لي لأول مرة‏..‏ لكني لم أستسلم للغضب حين ألح علي بالموافقة علي اختياره ومساعدته علي خطبة فتاته‏,‏ وقررت أن أتبع معه طريقة أخري‏,‏ فأقنعت أباه بأن نسايره ونتظاهر بالموافقة علي اختياره‏,‏ ثم أقوم أنا بطريقتي الخاصة بتدمير هذه العلاقةوإنهائها‏..‏ وفعلنا ذلك وسعد ابني كثيرا بتغير موقفي وصحبناه إلي بيت أسرة الفتاة لقراءة الفاتحة وتقديم الدبلة ـ وتظاهرت بالفرح والابتهاج بخطبة ابني‏.‏



ومن الأيام التالية علي الفور بدأت في التخطيط لإفشال هذه الخطبة‏..‏ وكان سلاحي هو الاستعلاء والتكبر علي أسرة الفتاة‏,‏ وانتهاز كل فرصة لإشعارها بتكبري عليها وبالفارق الاجتماعي والمادي بيننا وبينها‏..‏ وافتعال المشاكل معها‏..‏ ومحاولة الإيقاع بين ابني وفتاته‏,‏ لكنهما صمدا للعجب أمام كل هذه المحاولات وازدادا تمسكا ببعضهما بعضا‏..‏ فلم أجد في النهاية من وسيلة لتشويهها هي وأسرتها سوي الادعاء بأنهم طامعون في مالنا لأنهم فقراء‏.‏ ورحت أردد هذا الكلام في كل مكان لكي يصل إلي أسرة الفتاة‏..‏ وعاتبني بعض الأهل علي ذلك فلم أستجب لهم‏..‏ وواصلت حملتي علي أسرة الفتاة‏..‏ حتي حققت أغراضها وشعر والدها بجرح كرامته‏,‏ وتحدث إلي ابني أكثر من مرة‏..‏ وعاتبني ابني‏,‏ فأنكرت‏,‏ ولم يتحمل والدها الإهانة فبادر هو بفسخ الخطبة وحبس ابنته في البيت ومنع ابني من زيارتها أو الاتصال بها‏..‏ وشعرت أنا بالزهو والانتصار‏..‏ وتظاهرت بالأسف لفشل الخطبة‏,‏ ووعدت ابني بأن أرشح له من هي أفضل منها‏..‏ ولم يرق قلبي له وأنا أراه حزينا مكتئبا ويشعر بالإهانة‏,‏ وأنزوي ابني في غرفته لا يغادرها إلا إلي العمل‏,‏ وتوقف عن الكلام معي ومع أبيه‏..‏ ولم يعد يتحدث مع أحد سوي شقيقه الذي يصغره بعامين‏,‏ وبعد عدة شهور تزوجت الفتاة بإلحاح من أبويها من شاب مناسب وانتقلت إلي مسكن الزوجية‏,‏ وعلم ابني بذلك فازداد صمتا وانطواء وبعدا عنا‏,‏ وبعد شهور أخري فوجئنا به يجمع ملابسه وأشياءه الخاصة‏,‏ ويقول لنا إنه قد تعاقد للعمل في احدي الدول العربية وسيسافر إليها الليلة‏!‏



ودهشنا كيف لم يبلغنا بذلك من قبل‏,‏ وسألناه عن عنوان عمله ومسكنه في البلد العربي فأجاب باقتضاب بأنه لا يعرفهما بعد‏,‏ وأن مندوبا من الشركة سينتظره في المطار وينقله إلي استراحة الشركة‏..‏ ثم يستقر بعد ذلك في مسكن‏..,‏ إذن كيف نتصل بك‏..‏ ومتي ستتصل بنا لتطمئننا عليك؟ فيجيب بأنه سيتصل بشقيقه ويبلغه بكل شيء‏..‏ وسافر وأنا في شدة الضيق والعصبية والغم‏..‏ فلقد خرج عن نطاقي نهائيا‏,‏ وأصبح يفكر ويخطط ويتصرف وحده‏.‏


وانتظرت أن يتصل بنا بعد وصوله إلي مقر عمله‏..‏ فلم يتصل‏,‏ وعلمت أنه يتصل بشقيقه علي التليفون المحمول من حين لآخر‏,‏ ويطمئنه علي أخباره‏,‏ لكنه لايسأل عن أبيه وأمه خلال الاتصال‏,‏ ولا يعطي أخاه عنوانه أو رقم تليفونه لكيلا نعرفه منه‏..‏ ولكي يكون صادقا أقسم لنا أنه لا يعرفهما ومضت بنا الأيام‏..‏ وجاء اليوم الذي فاتحني فيه ابني الأصغر برغبته في الزواج‏..‏ ورحبت بذلك ووعدته بأن أختار له عروسا ممتازة له‏..‏ ولأنه قد تعلم من درس تجربة أخيه فلم يعارض وإنما استسلم لكل رغباتي ووافق علي الفتاة التي اخترتها له وقبل بكل ما أمليته عليه من خطوات وشروط‏..,‏ وأبدي أهل الفتاة قدرا كبيرا من المرونة فلم يتمسكوا بشيء اعترضت عليه أو رفضته‏..‏ وكأنما قد خبروا قدرتي علي الهدم والتدمير فخشوا أن استخدمها معهم‏.‏



وتم زواج ابني الأصغر تحت إشرافي ووفقا لشروطي‏..‏ وإبني يستجيب لكل ما أقرره طلبا للسلام‏,‏ وامتثلت زوجته لأوامري في كل شيء حتي مواعيد حضورها مع ابني للزيارة كما أردتها‏..‏ ولأوامري لها بعدم زيارة أهلهاإلا مرة واحدة لبضع ساعات كل شهر‏,‏ وبدا أن الجميع سعداء وراضون بسيطرتي وأوامري‏..‏ لكني فوجئت بعد عدة شهور بابني الأصغر يبلغني بأنه سيسافر بعد غد إلي البلد العربي الذي يعمل به شقيقه‏,‏ لأنه تعاقد للعمل بإحدي الشركات هناك بمساعدة أخيه‏,‏ وأنه سيقيم معه لفترة في البداية‏,‏ ثم يتخذ لنفسه مسكنا مستقلا ويستدعي زوجته بعد أن تضع حملها خلال أسابيع‏!‏ يا ربي متي حدث كل ذلك؟ ولماذا لم تبلغني به في حينه‏,‏ ولماذا أفاجأ دائما بنبأ رحيل ابني قبل موعد الطائرة بساعات؟ وبغير أن يجيب أدركت أنا أنه قد عمل بوصية شقيقه الأكبر له‏,‏ بأن يتكتم نية السفر عني وعن أبيه لكيلا أعترض أو أثير له المشاكل أو أضيع عليه الفرصة‏,‏ كما أضعت علي ابني الأكبر حلمه بالزواج من فتاته‏.‏ وثرت ثورة هائلة وصببت جام غضبي علي رأس ابني وزوجته التي اتهمتها باللؤم والخبث وسوء الطوية والتخطيط لانتزاع ابني من أمامي‏,‏ وانهلت باتهاماتي علي أهلها وأسرتها‏..‏ حتي زوجي لم ينج مني بالرغم من قسمه لي بأنه لم يعرف بالخبر إلا مني‏.‏



وتحمل الجميع ثورتي لكن زوجة ابني بكت طويلا وشعرت بالمهانة وأقسمت ألا تدخل لي بيتا مرة ثانية‏,‏ فلم أتوان عن طردها من البيت أمام زوجها‏,‏ وسافر ابني وهو ممرور مني لإهانتي له ولزوجته ومنعتني كبريائي من أن أطلب منه أن يتصل بنا للاطمئنان عليه وابلاغنا برقم تليفونه‏..‏ وآثرت الاستعلاء علي إظهار أي ضعف أمومي تجاهه‏.‏


ومضت الأيام والأسابيع وهو لايتصل بنا‏..‏ وتصورته وهو يروي لشقيقه في الغربة ما فعلته معه‏..‏ ويشتركان معا في مهاجمتي وانتقادي فامتلأت نفسي سخطا وغضبا‏,‏ وقررت أن أتحدي الضعف وأثبت للجميع أنني لم أخسر شيئا‏..‏ وانما الخاسر هما ابناي‏..‏ فنهرت زوجي حين اتهمني بتطفيش الابنين والقسوة عليهما حتي ابتعدا عنا‏..‏ وطلبت منه ألا يعود للحديث في هذا الموضوع مرة أخري‏,‏ وبدأت أكثر من الخروج وحدي أو مع زوجي في زيارات عائلية واجتماعية وإلي النادي‏..‏ وفرضت علي زوجي أن نسافر في رحلات سياحية إلي أجمل الأماكن في مصر من شرم الشيخ إلي الغردقة إلي الأقصر وأسوان وأنفقت بجنون‏..‏ وغيرت سيارة زوجي التي أقودها نيابة عنه‏,‏ وجددت أثاث الشقة واندمجت في شلة صديقات جدد بالنادي‏,‏ وأصبحنا نقضي وقت الضحي والظهيرة معا ثلاث مرات اسبوعيا بالنادي‏..‏ وبدوت أمام الجميع دائما سيدة قوية وميسورة الحال وسعيدة بحياتها وزوجها ويعمل أبناؤها بالخارج‏,‏ وخلال ذلك ترامت إلي أنباء غريبة‏..‏ فلقد سمعت أن الفتاة التي كان ابني الأكبر يريد أن يتزوجها قد فشلت في حياتها الزوجية التي فرضت عليها وطلقت من زوجها ومعها طفلة في الرابعة من عمرها وليس في ذلك شئ عجيب في


حد ذاته‏..‏ أما العجيب حقا فهو أن ابني قد علم بوسيلة أو بأخري بطلاقها‏,‏ فاتصل بأهلها وسأل عن موعد انتهاء العدة واتصل بالفتاة‏..‏ وفي الموعد المناسب جاء لمصر وتقدم لأهلها وحده دون أي فرد من عائلته وقبل به أهلها علي هذا النحو لسابق تجربتهم معي‏,‏ وعقد قرانه عليها‏..‏ وعاد من حيث جاء‏,‏ ولم يقض في مصر سوي‏48‏ ساعة‏,‏ لم يتصل خلالها بنا ولم يزرنا‏..‏ وبعد أسبوعين سافرت إليه فتاته القديمة مع طفلتها وبدآ حياتهما الزوجية التي تأخرت خمس سنوات بسببي‏!‏


وشعرت بغصة شديدة في حلقي ومرارة أشد في قلبي‏..‏



إلي هذا الحد نسي ابني الأكبر أمه وأباه‏..‏ وكره أن يراهما أو يتحدث إليهما‏,‏ وما ذنب أبيه وهو كما يعرف عنه مغلوب علي أمره معي‏,‏ ولم يرد له ما حدث‏,‏ ألم يشعر بالشوق إلي أبيه بعد ثلاث سنوات من الغياب‏.‏


لقد علم والده بما جري بعد عدة أسابيع فحزن حزنا شديدا واشتدت عليه وطأة المرض حتي لازم الفراش‏,‏ ولم يعد قادرا علي مغادرته إلا إلي الحمام وبصعوبة شديدة‏,‏ ووجدت نفسي أقضي معظم أوقاتي إلي جواره أرعاه وأحاول تعويضه عما جنيته عليه‏,‏ وفي هذه الفترة بدأت ولأول مرة في حياتي الاقتراب من الله‏,‏ فانتظمت في الصلاة ولم أكن أواظب عليها من قبل‏..‏ وبدأت أقرأ القرآن كل يوم لمدة نصف ساعة‏..‏ وأستمع إلي إذاعة القرآن الكريم التي لايسمع زوجي سواها‏,‏ وكنت أضيق بها من قبل‏..‏ وبدأت أشياء كثيرة داخلي تتغير‏..‏ فندمت علي تكبري علي الآخرين وغروري واحتقاري للضعفاء والبسطاء‏,‏ وعلي بعدي عن الله في معظم سنوات عمري‏,‏ وأسفت أشد الأسف علي ما فعلت بأسرة فتاة ابني الأكبر وادعاءاتي عليها وعلي ابنتها بالباطل‏,‏ وعلي تدبيري لإفشال خطبته لها وقسوتي علي ابني الأصغر وزوجته‏,‏ ونظرت في المرآة فوجدت الجمال الذي كنت أتيه خيلاء وغرورا به قد بدا يذبل‏,‏ والقوة التي اعتززت بها تتحول إلي ضعف ووحدة‏..‏ وأيام وليال موحشة وكئيبة لايزورنا خلالها أحد ولا يسأل عنا أحد حتي أقرب الناس إلينا وهما ابناي‏..‏ انني نادمة علي كل ما فعلت وأريد أن يعرف ابناي ذلك وأن


يتصلا بأبيهما المريض الذي يبكي كل يوم وهو يتحدث عنهما ويتشوق إليهما‏,‏ ولن أفرض نفسي عليهما إذا أرادا ألايتكلما معي‏..‏ لأن المهم هو أن يتحدثا إلي أبيهما ويعيدا إليه البسمة والأمل في الحياة‏..‏ فهل يفعلان وهل تكتب لهما كلمة تناشدهما فيها أن يفعلا ويعفوا عما سلف ويفتحا معي ومع أبيهما صفحة جديدة خالية من المرارات؟



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


النجاح الحقيقي لأي أم حكيمة هو أن تملك أبناءها بالحب والعطف والفهم‏,‏ والعطاء المستمر لهم من ينبوع الحنان الدافق في أعماقها من البداية للنهاية‏,‏ وفي مقابل هذا العطاء الدائم يرتبط الأبناء بالأمهات والآباء ارتباطا أبديا يسري في شرايينهم‏..‏ فتقطر حبا وعطفا وبرا ووفاء للأبوين‏,‏ أما امتلاك الأبناء بالتسلط وقهر إرادتهم وفرض رغائبنا وأفكارنا نحن عليهم دون تبصر أو مراعاة لرغباتهم وارادتهم واستقلاليتهم‏..‏ فهو نجاح مزيف ومؤقت‏,‏ إذ لا يلبث أن ينكشف عن فشل تام في إنشاء العلاقة السوية العميقة مع الأبناء‏..‏ ولايلبث أن ينكشف عن بركان من التمرد والنفور والعدوانية تجاه الأم المسيطرة أو الأب المسيطر‏,‏ بمجرد أن يملك الأبناء مقاديرهم ويستطيعوا الاستغناء عن الاعتماد علي الأبوين في متطلبات حياتهم‏..‏ بل إن بعضهم قد يبدأ هذا التمرد وهو مازال معتمدا علي أبويه من الناحية المادية‏..‏ معتمدا علي قدرته علي ابتزازهما والحصول علي ما يريد منهما‏..‏


ولأن الأمر كذلك فلقد عجبت وأنا أقرأ في رسالتك إنك قد شعرت بالزهو والانتصار حين نجحت في تدمير خطبة ابنك الأكبر وحرمانه من حلمه بالزواج منها‏,‏ لغير شئ سوي أنه قد اختار لنفسه بدلا من أن يواصل الاعتماد عليك في اختيارات الحياة‏,‏ كما كان الحال وهو فتي‏,‏ وبدعوي أن الفتاة من أسرة عادية وليست ثرية‏..‏ وكان عجبي لإحساس الانتصار في حرمان ابن طيب لم تبدر منه أية بادرة سوء تجاه أبويه من حبه وحلمه في الزواج والسعادة حتي ولو كان أبواه غير مقتنعين تماما بأنه قد اختار الأفضل لنفسه‏,‏ فلقد كان من حقه أن يحقق أحلامه ويخوض تجربته مادام الاختيار في النهاية في الإطار العام المقبول وليس في الفتاة أو في أسرتها مثالب واضحة تدين اختياره؟



إن بعض مواقف الحياة قد تجرفنا‏,‏ إن لم نتنبه لذلك ـ إلي تحديات مع أقرب البشر إلينا يكون انتصارنا فيها أكثر إيلاما لنا في الحقيقة من هزيمتنا‏,‏ لأننا لاننتصر فيها للأسف إلا علي فلذات الأكباد‏,‏ ولأننا نتجرع مرارة هزيمتهم قبل أن يتجرعوها‏,‏ كما أن الانتصار الحقيقي هو الذي يتحقق علي أهواء النفس وأنانيتها وميلها الغريزي للتسلط علي الأحباء‏,‏ وليس علي ثمرات القلب وأحلامهم البسيطة‏.‏


لقد فاتتك يا سيدتي أشياء كثيرة خلال رحلة الحياة‏,‏ ولقد تفكرت طويلا في أسباب ذلك فلم أجد تفسيرا له سوي في اعترافك ببعدك معظم سنوات الرحلة عن الله سبحانه وتعالي‏,‏ واعتزازك بأعراض الدنيا الزائلة‏,‏ وتكبرك وغرورك بمالك وجمالك وسطوتك علي زوجك وابنيك‏.‏



والحكمة القديمة تقول إن الاستبداد هو الأب الشرعي للمقاومة‏..‏ ولهذا فلقد شق عليك ابنك الأكبر عصا الطاعة وابتعد عنك وعن أبيه لإحساسه بالقهر معك وإيمانه بمسئوليتك عن تدمير خطبته السابقة وحرمانه من السعادة مع فتاته‏,‏ وتلاه ابنك الأصغر لإهانتك له ولزوجته واستبدادك بهما معا‏,‏ وفرضك عليهما أسلوب حياتهما ومواعيد زيارتهما لك ولأهل الزوجة وغير ذلك من أمور الحياة‏..‏


ولاعجب في ذلك فالكأس الممتلئة تفيض بما فيها فجأة ودون سابق إنذار‏.‏



انني لا أقر مقاطعة ابنيك لك ولأبيهما بالرغم من تفهمي لأسبابها والتماسي لبعض العذر لهما فيما فعلاه‏...‏ لأن هذه القطيعة التامة هي في النهاية جنوح عن جادة الرحمة والعدل‏,‏ يوقعهما في إثم عقوق الوالدين‏,‏ وهو إثم لو تعلمون عظيم‏..‏ ولقد كان في مقدور الابن الأكبر أن يبقي علي شعرة معاوية مع أبويه مهما كانت مرارته من أمه‏,‏ وأن يطلعهما علي عنوانه ووسيلة الاتصال به‏,‏ ويعفي ضميره من الإحساس بالذنب بالكتابة إليهما كل حين أو الاتصال بهما كل فترة‏,‏ ودون أن يسمح بما يخشاه من محاولتك استعادة السيطرة أوإملاء إرادتك عليه‏..‏ وبذلك يدفع عن نفسه وزر العقوق والإحساس بالذنب‏..‏ ويحتفظ باستقلاليته كما يشاء‏,‏ خاصة أنه قد تحرر بالفعل من قيود الأم الحديدية وحقق حلمه المتأخر بالزواج من فتاته‏..‏ فلماذا يفسد سعادته بتحمل وزر قطع صلة الرحم مع أبويه؟


أما بالنسبة لابنك الأصغر‏..‏ فلقد مضت شهور منذ سافر غاضبا شاعرا بالإهانة لنفسه وزوجته‏..‏ فلماذا لم تسعي أنت للإصلاح بينك وبين زوجته قبل أن تلحق به في الغربة‏..‏ ولماذا لم تحصلي منها علي عنوانه أو عنوان ابنك الأكبر‏,‏ لقد فاتك ذلك أيضا ضمن ما فاتك خلال انغماسك في تحدي مشاعر الأمومة وإنكار الضعف ومحاولة التظاهر بأنك لم تخسري شيئا‏..‏ وعلي أية حال فإن الزمن خير دواء للجراح‏..‏ ولابد أن تكون نفس ابنك قد برأت الآن من المرارة والغضب‏..‏ وأصبح مستعدا نفسيا للتجاوز عما حدث‏..‏ كما أنني أحسب أن ابنك الأكبر وقد حقق لنفسه ما أراده ما عاد يسعده أن يصم نفسه بقطيعة أبويه وعقوقهما‏..‏



والمشكلة فقط هي فيمن يبدأ الخطوة الأولي‏..‏ غير أن المنطق يقول إن هذه الخطوة لابد أن تجئ من الابنين لسبب بسيط‏,‏ هو أنهما يعرفان كيف يتصلان بأبويهما ــ في حين يعجز الأبوان عن القيام بمثل هذا الاتصال‏..‏ وإني علي ثقة من أنهما سوف يتجاوزان عما جري‏,‏ ويحرران نفسيهما من وزر العقوق وقطع الرحم‏..‏ ويفتحان صفحة جديدة مع أبويهما خالية من المرارات والأحزان‏.‏


فكل شئ إلي زوال‏.‏ ولا يبقي إلا العمل الصالح‏,‏ ولا معني لأي نجاح يحققه الإنسان وهو محروم من الأهل والأحباب والمشاعر الأبوية والإنسانية الصادقة‏.‏



ولقد روي الأديب والمفكر الفرنسي أندريه مالرو في مذكراته أنه في نهاية حوار طويل في أواخر الحرب العالمية الثانية بين الزعيم السوفيتي ستالين والزعيم الفرنسي ديجول عمن سوف ينتصر في الحرب قال ستالين‏:‏


ــ في نهاية الأمر لاينتصر إلا الموت‏!‏



فإذا كان الأمر كذلك‏,‏ فلماذا نبدد فرصة العمر القصيرة في القطيعة والخصام واجترار المرارات؟

حسام هداية 08-25-2011 05:26 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الذكريـــات المريـــرة‏!‏


بـريــد الأهــرام
42830
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
12
‏21 من محرم 1425 هـ
الجمعة


قرأت رسالة ماكينة الخياطة للطبيب الذي يروي قصة كفاحه في الحياة حتي استطاع أن يكمل تعليمه ويصنع نجاحه بمساعدة رجل فاضل‏,‏ كان يرسل اليه علي غير سابق معرفة مبلغا شهريا خلال دراسته للطب‏..‏ إلي أن استطاع أن يعتمد علي نفسه ويكسب رزقه من تفصيل البنطلونات للطلبة علي ماكينة خياطة في غرفته بالمدينة الجامعية‏..‏ وكيف يبحث الآن عن هذا الرجل الكريم ليرد له أو إلي أي فرد من أسرته دينه عليه‏.‏ ولقد حسمت هذه الرسالة ترددي في أن أكتب لك بالرغم من مراودة الفكرة لي منذ فترة طويلة‏..‏ ففي قصتي مع الحياة أنا أيضا ما قد يفيد بعض القراء‏..‏


وأبدأ من البداية فأقول لك إنني نشأت ابنا وحيدا لأب يعمل موظفا حكوميا‏..‏ وأم لا تعي الذاكرة منها إلا أطيافا غائمة‏..‏ لأنها رحلت عن الحياة وأنا في السادسة من عمري‏,‏ وعشت وحيدا مع أبي الطيب‏..‏ يرعاني ويهتم بأمري ويصاحبني في أوقات المذاكرة‏,‏ ويصطحبني معه في زياراته لشقيقه‏..‏ وشقيقته أو أصدقائه‏..‏ ولا يطمئن إلا إذا كنت أمام ناظريه‏..‏ فحتي حين يذهب إلي المقهي ليلعب الطاولة مع بعض أصدقائه كان يجلسني إلي جواره‏.‏



وهكذا عشنا معا صديقين متلازمين حتي بلغت سن الثالثة عشرة‏,‏ وعدت من المدرسة ذات يوم فوجدت مسكننا يعج بالرجال والسيدات‏..‏ ومن بينهن عمتي التي استقبلتني بالبكاء‏..‏ واحتضنتني وأبلغتني أن أبي قد توفاه الله فجأة وهو جالس إلي مكتبه في عمله‏..‏ وأنني الآن قد صرت رجلا وطالبتني بألا أبكي‏..‏ وأن أقف بين الرجال لتلقي العزاء في أبي‏..‏ وبالفعل فإنني لم أبك حين عرفت بما حدث‏,‏ وانما أصابني الذهول‏..‏ وراح جسمي ينتفض لا إراديا طوال اليوم واستضافتني عمتي في بيتها لفترة نعمت خلالها بعطفها علي وحنانها‏..‏ ثم قيل لي إنني يجب أن أنتقل للإقامة في بيت عمي‏,‏ لأن زوج عمتي يتضرر من وجودي بين بنتيه اللتين تكبرانني ببضع سنوات‏,‏ وانتقلت إلي بيت عمي الذي تولي الوصاية علي‏..‏ وكان أبي قد ترك لي معاشا ضئيلا لا يتجاوز‏11‏ جنيها ونصيبا علي المشاع في فدان من الأرض كان قد ورثه مع عمتي وعمي‏,‏ وفي بيت عمي هذا أدركت معني اليتم الحقيقي وافتقاد النصير‏,‏ فلقد واجهني من اليوم الأول بأنه لا مكان لي للمبيت سوي الأرض في غرفة ابنيه‏,‏ لأن الفراش لا يتسع لغيرهما‏..‏ والغرفة الأخري مخصصة لبنتيه‏,‏ فلم أعترض لكن ليالي الشتاء القاسية كانت تشق علي فطلبت منه أن يشتري لي مرتبة صغيرة أنام عليها‏,‏ فرفض بحجة أن الحالة لا تسمح بذلك‏,‏ وشيئا فشيئا وجدتني أتحول تدريجيا إلي خادم للأسرة وليس عضوا فيها من دمها ولحمها‏..‏ فزوجة عمي تنتظر عودتي من المدرسة لتكلفني بأعمال البيت وشراء الخضار وكي ملابس ابني عمي وابنتيه‏..‏ وغسل الأطباق‏,‏ ناهيك عن يوم التنظيف الاسبوعي الذي يتعين علي فيه أن أمسح تحت اشرافها الشقة كلها‏,‏ وابناؤها يتسلون بمشاهدة التليفزيون‏..‏ فإذا خلوت من كل الواجبات وبدأت أذاكر دروسي في الصالة لم أسلم من لومها لي لإسرافي في استخدام الكهرباء‏,‏ وشكواها من فاتورتها‏..‏ فاختلس ساعة للمذاكرة علي الأكثر وأسرع بإطفاء النور‏..‏ وقد تقطع علي مذاكرتي بتكليفي بالخروج لشراء شيء للبيت أو للأولاد‏.‏



أما عمي فقد رفض أن يعطيني مصروفا يوميا أو اسبوعيا‏,‏ بحجة أنني أتناول الطعام والشراب في البيت‏..‏ في حين كان أبناؤه جميعا يحصلون علي مصروفهم وينفقونه علي شراء الحلوي والأشياء الصغيرة‏..‏ وحتي الحلاقة كان يرفض أن يعطيني أجرتها‏..‏ ولما طال شعري كثيرا وأصبح منظري منفرا أحضر شفرة حلاقة وطلب مني أن أحلق لنفسي مستعينا بوضع الشفرة علي حد المشط وتمريره فوق شعري‏..‏ ولم أجد مفرا من أن أفعل ذلك‏..‏ أما الكتب والكراريس فلقد قال لي صراحة إن معاشي ونصيبي من الأرض لا يكفيان لطعامي وشرابي‏,‏ وعلي أن أتصرف في بقية احتياجاتي‏,‏ فكنت أجمع الكشاكيل القديمة لابني عمي وأنزع منها الصفحات البيضاء وأصنع منها كراسات‏..‏ وأستعير الكتب من زملائي‏..‏ وأعرض خدماتي يوم الجمعة كل أسبوع علي محال المكوجية والبقالة والفاكهة لأعمل لديها مقابل‏5‏ قروش‏..‏ بل لقد عملت في محل لتصليح الأحذية أربع جمع مقابل اصلاح حذائي المخروق بالمجان‏..‏


ناهيك عن أنني أمضيت السنوات الثلاث الأولي من إقامتي عند عمي دون شراء أية قطعة ملابس حتي صغرت علي ملابسي بشكل فاضح‏,‏ لأن الشاب ينمو جسمه بسرعة خلال هذه المرحلة‏..,‏ ورجوت عمي مرارا أن يشتري لي بنطلونا وقميصا مناسبين لطولي وحجمي دون جدوي‏,‏ وزاد الطين بلة أن جسمي ابنيه بالرغم من أن أحدهما يماثلني في السن والآخر يصغرني بسنة‏,‏ ضئيلان بحيث لا أستطيع الاستفادة من ملابسهما القديمة‏,‏ وحين أصبح منظري مثيرا للرثاء توجهت إلي عمتي وشكوت لها حالي‏,‏ فبكت وقدمت لي جنيهين هما كل ما تستطيع مساعدتي به‏,‏ فأخذتهما وتوجهت إلي سوق الكانتو واشتريت بهما بنطلونا وقميصا من مخلفات المعسكرات‏,‏ ومضت بي الحياة علي هذا النحو‏..‏ وزاد من معاناتي أنني لم أتعثر دراسيا في حين كان ابنا عمي ينجحان سنة ويرسبان أخري‏..,‏ وبدلا من أن يعترف لي عمي وزوجته باجتهادي برغم ظروفي القاسية ازدادا نفورا مني حتي لم يعد أحدهما يطيق النظر في وجهي‏.‏



وجاءت اللحظة الفاصلة حين عدت ذات يوم من مدرستي فوجدت عمي وزوجته وأبناءه علي هيئة مجلس للعائلة يتناقشون بصخب وعمي ثائر لكثرة المصروفات وزوجته تدافع عن نفسها‏,‏ بأنها تفعل المستحيل لتدبير معيشة الأسرة بأقل التكاليف‏,‏ لكن ابن أخيك يسرق الطعام من المطبخ في الليل‏..‏ ويأكل كثيرا‏..‏ ولو لم يكن يفعل ذلك لما نما جسمه علي هذا النحو الهائل‏!‏


ياربي‏..‏ أسرق الطعام؟ إنني أحافظ علي صلاتي منذ كنت في السابعة من عمري وأصوم رمضان وصيام التطوع وكثيرا ما صمت يومي الاثنين والخميس‏,‏ وكثيرا ما اكتفيت بوجبة واحدة وتغاضيت عن تفضيل زوجة عمي لأبنائها بأطايب الطعام والقائها لي ببقاياه‏..,‏ وكثيرا ما تحلب ريقي وهي تجمع أبناءها في غرفة الأولاد في المساء ليتناولوا عشاء خاصا‏,‏ وأنا جائع في الصالة ولا يفكر أحد في دعوتي للانضمام إليهم‏..‏ وبعد ذلك أتهم بسرقة الطعام‏,‏ كان هذا آخر احتمالي فانهرت باكيا‏,‏ وقلت لعمي وللجميع إنني تحملت الذل صابرا في هذا البيت مراعاة لظروفي ويتمي‏,‏ لكن أن يصل الأمر إلي حد هذا الاتهام المقزز فلا‏..‏ ولسوف أغادر البيت وأرجع إلي شقة أبي وأواجه حياتي معتمدا علي نفسي وأريد منه أن يعطيني معاشي كل شهر لأدفع إيجار الشقة وتكاليف الحياة‏.‏



وجمعت ما تبقي لي من هلاهيل وكتبي ومددت يدي إلي عمي وكنا في منتصف الشهر طالبا نصف المعاش‏,‏ وبعد عذاب قبل بمغادرتي لمسكنه‏,‏ لكنه رفض أن يعطيني معاشي كاملا وهو‏11‏ جنيها‏,‏ وقال لي إنه سيخصم منه ثلاثة جنيهات كل شهر مقابل نفقاتي الاضافية خلال إقامتي لديه‏!‏


ولم أجد مفرا من القبول‏..‏ وأخذت مفتاح شقة أبي‏..‏ وتوجهت إلي صاحبة البيت التي تقيم في الدور الثاني منه‏,‏ وكنت أمر عليها من حين لآخر وأشرب لديها الشاي وتعطف علي‏,‏ فرويت لها ما حدث وقلت لها إنني سأعيش وحدي في الشقة بغير مورد سوي ثمانية جنيهات سأدفع لها منها أربعة مقابل الايجار وأعيش بالباقي‏,‏ وسأعمل لأغطي بقية نفقاتي‏,‏ فبكت وترحمت علي أمي وأبي وطلبت ألا أدفع لها الإيجار إلي حين تتحسن أحوالي وأصبح قادرا علي ذلك‏.‏



ووحيدا تماما من الأهل والأقارب واجهت الحياة في هذه الشقة الصغيرة‏..‏ وشعرت برغم قلة الدخل وجفاف الحياة بالأمان والاستقرار‏,‏ وحصلت علي الثانوية العامة بمجموع كبير يؤهلني للالتحاق بكلية الهندسة‏..‏ وسعدت بذلك‏..‏ وخلت نفسي من الشماتة لنجاح ابن عمي بمجموع ضعيف لا يؤهله إلا للالتحاق بأحد المعاهد‏..‏


وتفضل عمي‏,‏ الذي كان يراوغني كل شهر في دفع المعاش وأطارده عدة مرات حتي يدفع‏,‏ بزيارتي في مسكني زيارة خطيرة لينصحني من أجل مصلحتي بالاكتفاء بهذا القدر من التعليم والبحث عن وظيفة كتابية‏..‏ أو الالتحاق بأي معهد لمدة سنتين والعمل‏,‏ وشكرت له حرصه علي مصلحتي وأكدت له أنني سأفعل ما فيه صالحي بإذن الله‏.‏



وفي اليوم التالي قدمت أوراقي لمكتب التنسيق وحددت رغبتي الأولي وهي كلية الهندسة‏.‏ وقبلت بها‏..‏ ولن أروي لك عما تكبدته من عناء وحرمان وكفاح خلال دراستي للهندسة مستعينا بالعمل في المساء في مكتب هندسي‏..‏ وفي هذا المكتب نشأت صداقة حميمة بيني وبين زميلين بنفس الكلية والمكتب أصبحنا بفضلها أخوة مخلصين وتعاهدنا علي أن يساعد أحدنا الآخر إذا حقق نجاحا يسمح له بذلك‏.‏


وحصلت علي بكالوريوس الهندسة بتقدير جيد جدا‏,‏ وعينت معيدا بنفس الكلية وبدأت التحضير للماجستير في حين رفض صديقاي العمل في مصر‏..‏ وسافرا لاستكمال دراستهما العليا والعمل في أمريكا‏.‏



وفي غمرة سعادتي بتوفيق الله سبحانه وتعالي لي وشكري له علي أن أعانني علي تحمل ظروفي حتي وصلت إلي بر الأمان‏,‏ زارني عمي لا ليهنئني بالنجاح والتعيين‏,‏ وانما ليطلب مني أن أرد له الجميل بخطبة ابنته الكبري التي صادفها حظ عاثر في زواجها وطلقت من زوجها ولديها طفلة في الثالثة من عمرها‏..‏ مؤكدا لي أن هذا هو واجبي نحوه وابتسمت رغما عني وقلت له انني اعتبر ابنته أختا لي ولا أستطيع التفكير فيها أبدا كأنثي‏..‏ لهذا فاني أشكره علي حسن ظنه بي واعتذر عن هذا الشرف الذي لا أستحقه‏..‏ وعبثا حاول إقناعي فوجدني صامدا لا أتغير فغادرني ناقما علي جحودي‏!‏


وحصلت علي الماجستير وبدأ صديقاي المقيمان في أمريكا يكتبان إلي طالبين مني اللحاق بهما‏..‏ وأرشداني إلي جامعة قريبة من مقرهما لأكتب لها طالبا منحة دراسية لدراسة الدكتوراه فيها‏..‏ فكتبت إليها وفوجئت بقبولها لي فاعددت أوراقي للسفر وسافرت واجتمع شملنا من جديدا وأقمت معهما في شقتهما‏..‏ والتحقت بالجامعة‏,‏ وتوالت الأحداث سريعة بعد ذلك‏,‏ فحصلت علي الدكتوراه‏,‏ وألح علي صديقاي بالبقاء في أمريكا والعمل في احدي جامعاتها وقلبت الفكرة في رأسي فتساءلت‏:‏ لمن أعود في مصر وليس لي فيها أب ولا أم ولا أخ‏..‏ ولا عم ولا خال‏,‏ ولماذا لا أستمر هنا بضع سنوات حتي إذا ثقلت علي الغربة رجعت إلي بلدي في أي مرحلة من العمر؟



وهكذا راسلت بعض الجامعات فتلقيت عرضا بتعييني أستاذا بجامعة أخري بنفس المدينة‏,‏ واستمرت بذلك صحبتنا نحن الثلاثة‏..,‏ وبعد أن استقرت أحوالنا بحثنا عن أقرب مسجد لمدينتنا لكي نؤدي فيه صلوات الجمعة بعد أن كنا نؤديها في بيت أحد المصريين المهاجرين‏,‏ واهتدينا إلي مسجد علي بعد‏40‏ كيلو مترا من مدينتنا‏,‏ فأصبح قبلتنا وواحتنا‏,‏ نتوجه إليه يوم الجمعة وفي الأعياد والمناسبات‏..‏ ونطهو الطعام في رمضان في مسكننا ونحمله إليه لنتناول افطارنا مع رواده‏,‏ وجمعتنا صداقة متينة بإمام المسجد وهو مصري مهاجر منذ‏30‏ عاما ومثقف ويجيد الانجليزية‏,‏ وفي احدي جلسات الصفاء معه رويت له ذكرياتي المريرة في بيت عمي ويتمي وقلة حيلتي وهواني علي الناس‏..‏ فربت علي كتفي وقال لي إنه لا بأس بأن أتذكر ذلك من حين لآخر لكي أدرك نعمة الله التي أسبغها علي الآن وأقدرها حق قدرها‏,‏ ولكن بشرط ألا تفسد علي هذه الذكريات صفاء نفسي أو تدفعني لكراهية رموز هذه الذكريات ومحاولة الانتقام منهم‏.‏


والحق إن هذه الكلمات قد أثرت في كثيرا‏..‏ وغالبت نفسي لكيلا تحمل الحقد أو الكراهية لأحد مهما فعل بي في الماضي‏,‏ بل إنني سامحت عمي وزوجته وأبناءه فيما فعلوه معي‏,‏ ولقد تزوجت بواسطة هذا الشيخ الفاضل من فتاة مصرية طيبة متدينة أرشدني إليها الشيخ‏,‏ ورجعت إلي مصر بعد أن وفقت أوضاعي في أمريكا‏..‏ ومع كليتي السابقة في مصر ودفعت راضيا الغرامة التي يدفعها من لا يعود للكلية بعد الحصول علي الدكتوراه‏,‏ وزرت أهل هذه الفتاة في بلدة صغيرة بجوار طنطا‏..‏ وقدمت نفسي لوالدها بأنني من طرف الشيخ فلان في أمريكا‏..‏ فرحب بي وكان علي علم بمقدمي ودخلت الفتاة تحمل صينية الشاي فوقع القبول في قلبي من أول وهلة‏.‏



والآن فلقد مضت سبع سنوات علي زواجي أنجبت خلالها ولدين‏..‏ وأحيا حياة سعيدة مع زوجتي الطيبة القنوع‏..‏ وطفلاي يملآن حياتي بهجة وسرورا ونعيش في بيت صغير جميل له حديقة اشتريته بالتقسيط‏,‏ وأركب سيارة فارهة وأخواي اللذان عوضني بهما ربي عن وحدتي قد تزوجا وأنجبا وأصبحنا عصبة عائلية واحدة نلتقي عائليا بانتظام‏,‏ ولقد رجعت إلي مصر خلال هذه الفترة عدة مرات وأقيم كل مرة في شقة أبي القديمة التي جددتها وأعدت تأثيثها‏..‏ وأحرص علي زيارة صاحبة البيت الطيبة وتقديم الهدايا لها‏..‏ ولقد رفعت بمبادرة مني ايجار الشقة من‏4‏ جنيهات الي‏40‏ جنيها وأدفع لها الإيجار لمدة سنة مقدما‏.‏


وأزور عمي وزوجته وابناءه حاملا لهم جميعا الملابس والهدايا وأرقب فرحتهم بها وأراهم جميعا يتهللون لرؤيتي‏,‏ وأري ابناء عمي الذين لم يسمحوا لي بالاقتراب منهم أو صداقتهم يتوددون الي‏,‏ فتطوف بي الذكريات المريرة لكني أسارع بنفضها من رأسي لكيلا تفسد علي استمتاعي باللحظة‏.‏



وفي كل مرة انفح عمي مبلغا محترما من المال ليستعين به علي زواج ابنائه‏..‏ فيرفع يديه بالدعاء لي كما تركت له نصيبي من الأرض‏,‏ أما عمتي الطيبة‏,‏ فقد رحلت عن الدنيا‏,‏ وأنا مازلت ألاطم أمواج الحياة خلال دراستي للهندسة‏..‏ وكم تمنيت لو كانت قد عاشت حتي تراني‏,‏ وقد صنعت نجاحي واصبحت قادرا علي إعالة نفسي وأسرتي‏,‏ غير أنني أعوض غيابها ببر ابنائها وزيارتهم حين أجيء الي مصر وتقديم الهدايا والمنح المالية لهم‏..‏


وأريد أن أقول في النهاية لمن يواجهون ظروفا صعبة في حياتهم انه بالايمان والصبر والجلد والكفاح وانتظار الفرج لابد أن يعبروا هذه الظروف أويتخففوا منها‏..‏ وأن المهم دائما هو ألا يحمل الانسان مشاعر الحقد والكراهية لأحد حتي ولو كان ممن أساءوا اليه أو قسوا عليه خلال ضعفه‏..‏



ويكفي ان يمضي الانسان نحو اهدافه في الحياة لا ينشغل بغيرها فيعينه ذلك علي النجاح وتحقيق الأحلام مهما تكن‏,‏ ذكريات الماضي مريرة‏..‏ أو مؤلمة‏.‏


وهذا ما فعلته وهذا ما أردت ان اضعه تحت أنظار قرائك لعلهم يجدون فيه بعض مايستفيدون به ـ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


خير ما ننتقم به ممن أساءوا الينا وظلمونا ونفروا منا ونحن في ضعفنا وشدة حاجتنا إلي العون والمساندة‏,‏ هو أن نصنع حياتنا بغير الاعتماد عليهم ونحقق اهدافنا ونجاحنا معتمدين علي أنفسنا‏,‏ حتي ليشعروا بالندم علي أنهم لم يشاركوا ولو بالكلمة الطيبة فيما حققناه من نجاح‏..‏ ولم يكن لهم أي فضل فيما أصبنا من توفيق‏,‏ ولم يعد يحق لهم ان يعتزوا بدورهم في مساندتنا‏..‏ وأن يشاركونا بعض ثمراته‏.‏


والحق أن من أهم العوامل المساعدة علي النجاح وتحقيق الأهداف‏,‏ الي جانب الايمان بالله سبحانه وتعالي‏,‏ والصبر والجلد والكفاح الشريف‏,‏ ألا يبدد الانسان بعض طاقته النفسية في بغض من أساءوا اليه والانشغال بالتفكير في رد الاساءة إليهم‏,‏ او اجترار المرارات التي تجرعها منهم‏..‏



فكل ذلك يخصم من تركيز الانسان علي أهدافه في الحياة‏..‏ ويضعف من قدراته علي النجاح ويسمم روحه وافكاره حتي اذا حقق لنفسه كل أو معظم ما أراده لها لم يجد نفسه سعيدا بما حقق‏,‏ لأن مراراته القديمة قد انعكست علي الأشياء من حوله وأفسدت عليه قدرته علي الابتهاج بالحياة‏,‏ لهذا قال أحد الحكماء إن الحقد هو ثروة الحاقدين‏,‏ التي لا يجنون سواها‏,‏ في حين يجني المترفعون عنه والمتسامحون مع البشر والحياة بصفة عامة ثمار التوفيق في الدنيا ورحيق صفاء النفوس‏,‏ وكان العادل العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو ربه بقوله‏:‏ رب قدرني علي من ظلمني لأجعل عفوي عنه شكرا لقدرتي عليه‏..‏ وأي شكر لما أنعم الله سبحانه وتعالي عليك أعظم من أن تبر عمك الذي ظلمك وقتر عليك ولم يترفق بك وأنت في ضعفك ويتمك وقلة حيلتك؟


وأي شكر له سبحانه وتعالي أجل من أن تكون يدك وأنت من كنت المنبوذ منهم هي العليا فوق ايديهم جميعا‏..‏ حتي ليتهللوا لرؤيتك ويخطبوا ودك‏,‏ وقد كانوا من قبل لايسمحون لك بالاقتراب منهم؟



لقد صنعت حياتك بيدك ومعتمدا علي نفسك بلا أي معين أو نصير سوي الله سبحانه وتعالي الذي لا يضيع أجر الصابرين‏,‏ فكنت كمن وصفه الشاعر القديم الطغرائي بقوله‏:‏


وإنما رجل الدنيا وواحدها


من لا يعول في الدنيا علي رجل‏!‏



وشققت طريقك وسط الصخور فذكرتنا بما قاله نابليون بونابرت ذات يوم أنه تستطيع بالإبرة أن تحفر بئرا بشرط الجلد والمثابرة وطول النفس‏.‏


لقد كنت تستطيع ان تجفو عمك وزوجته وابناءه الي الأبد وتقطع مابينك وبينهم‏,‏ ولربما أيدك في ذلك بعض من يعرفون تاريخهم معك أو لم يستنكروه‏,‏ لكن أصحاب النفوس الكبيرة لايفعلون ذلك‏,‏ ولا يقطعون رحم من قطع رحمهم أو أساء اليهم‏..‏ ويتذكرون دائما الحديث الشريف الذي يقول‏:‏ ليس الواصل المكافيء بمعني انه ليس من يصل رحم من قطع رحمه أو باعده‏,‏ كمن لا يصل إلا رحم من يصله فيكافئه علي الوصل بالوصل‏,‏ ويطلبون لأنفسهم دائما أجر الواصل لأنه أكبر واعظم‏,‏ كما أن كل اناء ينضح بما فيه في النهاية‏..‏ ومن كان إناؤه ممتلئا بالشهد الصافي لا ينضح إلا العفو والخير والعطاء‏,‏ ومن كان إناؤه ممتلئا بالحقد والبغض والكراهية لا ينضح إلا السم الزعاف‏.‏



فهنيئا لك ياصديقي ما أصبت من توفيق في الحياة بكفاحك الشريف وصبرك علي المكاره‏..‏ وثقتك في قدراتك‏,‏ وصفاء نفسك وخلوها من الأحقاد والمرارات‏..‏ وشكرا لك علي هذه الرسالة المفيدة‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 05:29 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

العطر الفواح


بـريــد الأهــرام
42837
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
19
‏28 من محرم 1425 هـ
الجمعة





أنا طبيب اعمل مدرسا مساعدا بقسم الجراحة في احدي الوحدات التخصصية بواحدة من أقدم جامعات مصر‏,‏ وقد دفعني للكتابة إليك بطل هذه القصة‏,‏ الذي لم ار مثيلا له في إخلاصه لعمله ورعايته لحدود ربه في التعامل مع مرضاه ومع مرءوسيه وتلاميذه ومع الجميع‏.‏


فلقد عين هذا الاستاذ معيدا ثم مدرسا مساعدا في نفس القسم‏,‏ ويذكر من زاملوه في هذه الفترة أنه كان شعلة من النشاط والاخلاص الي جانب الالتزام الديني والأخلاقي الكاملين فاذا به يكتشف انه قد أصيب بالمرض الخطير في تجويف البلعوم الأنفي وفي الغدد الليمفاوية‏,‏ ولقد جاء اكتشاف المرض بمحض الصدفة‏..‏ فبدأ رحلة العلاج الكيماوي والإشعاعي وتحمل صابرا تأثيرات العلاج علي الصحة العامة والتركيز والحالة النفسية مع إدراكه جيدا كطبيب ان النتائج في مثل حالته ليست مطمئنة‏,‏ ولم ييأس الاستاذ لحظة واحدة من أمل الشفاء واعتمد في مقاومته للمرض علي شيئين‏:‏ العلاج الذي يصفه المتخصصون‏,‏ والدعاء والابتهال الي الله ومناجاته طلبا للشفاء‏,‏ فكان يناجي ربه قائلا‏:‏ رب ان كنت قد وقفت يوما الي جانب مريض فقير وساعدته فاعف عني برحمتك وساعدني ولقد كانت حياته حافلة بمساعدة المرضي البسطاء ورعايتهم وحسن معاملتهم حتي يلهجوا بالدعاء له كلما رأوه‏..‏ وتغمره السعادة وينشرح صدره ويبش في وجوههم كلما رآهم‏.‏



وفي شدة معاناته للمرض والألم أكمل دراسته للدكتوراه‏,‏ ونوقشت رسالته في يوم مشهود ونال درجته العلمية متفوقا علي كل الأقران وقاهرا اليأس والقنوط‏..‏ ثم استجاب الله لدعائه ودعاء مرضاه ومحبيه واسرته‏,‏ فشفي بإذن الله من مرضه تماما ولم يؤكد له الأطباء المعالجون ذلك إلا بعد ان كرروا الفحوص والاشعات واثبتت كلها شفاءه‏..‏ فزفوا اليه البشري وقالوا له إنه قد أصبح انسانا طبيعيا ويستطيع ان يعمل اي ساعات عمل يريدها وان يسافر الي اي مكان لانه قد اصبح صحيح الجسم باذن الله‏,‏ فسافر الي مكة للعمل كاستشاري باحد المستشفيات وواصل اجتهاده حتي اصبح رئيسا لقسمه في هذا المستشفي‏,‏ وحرص خلاله علي السفر دوريا الي الخارج لإجراء مسح لحالته المرضية فيتأكد له كل مرة شفاؤه التام فيرجع من الخارج الي الكعبة ليؤدي العمرة ويطيل الصلاة شكرا لربه وعرفانا‏,‏ ويقضي الرجل في غربته عشر سنوات ادي خلالها فريضة الحج عشر مرات وقام بعدد كبير من العمرات شكرا لربه علي ان من عليه بالشفاء والصحة ويرجع في النهاية الي قسمه في مصر‏,‏ فيقدم لمن يتعاملون معه من المرضي او الأطباء الصغار او اعضاء هيئة التمريض مثالا نادرا للعمل الذي يرعي صاحبه حدود الله في حياته ومثالا اكثر ندرة للتواضع الجم والرحمة بالمرضي ومن هم أقل منه‏..‏ ويجمع الممرضين والممرضات العاملين بالقسم ويقول لهم إن من يحافظ منهم علي المال العام‏,‏ ويرعي حق المريض ويعتبره وديعة لديه يحاسبه الله عنها سبحانه وتعالي‏..‏ فإنه يضع التراب الذي يدوس عليه فوق رأسه وينحني له شكرا وتقديرا‏,‏ ومازال هذا الاستاذ ينشر حوله الخير والعطف والخوف من الله سبحانه وتعالي ويهتم بكل شئون المرضي بنفسه‏..‏ ويحرص علي تدفئة غرفتهم في الشتاء القارس‏,‏ ويراقب بنفسه نظافتها وحالة الأسرة فيها واعمال الكهرباء والسباكة‏,‏ بغير ان يكلف احدا من صغار الأطباء بالقيام بذلك نيابة عنه ـ كما انه يشجع الأطباء الشبان ويساعدهم بجدية علي تقديم رسائلهم العلمية ويعتبر طلبة الكلية ابناءه‏.‏



وكلما عاتبه بعض زملائه الكبار علي إرهاقه لنفسه بالعمل وقيامه بما يستطيع غيره من صغار الأطباء القيام به نيابة عنه‏..‏ أجابه بالاجابة الدائمة التي تكشف عمق تدينه فيقول‏:‏ أفلا اكون عبدا شكورا ذلك انه يعتبر كل مايقوم به من عمل ومايقدمه للمرضي والطلبة وصغار الأطباء قربي الي الله وشكرا له علي ان انعم عليه بالشفاء من مرضه الخطير‏.‏


هذا هو استاذي الذي اردت ان اكتب لك قصته مع الشفاء والأمل وصالح الأعمال‏..‏ عسي ان يستفيد بها قراء بريد الجمعة‏..‏ فهل تراني محقا في ذلك؟



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


كان الكاتب المسرحي تيرانس راتيجان يقول‏:‏ في العالم ظلام كثير‏,‏ لهذا فإنه يرحب بأية شمعة ولو كانت صغيرة‏!‏


والشمعة التي رويت لنا قصة صاحبها ليست صغيرة بكل التأكيد‏,‏ لأنها تبدد مساحة كبيرة من ظلام اليأس والقنوط‏,‏ وتنشر الخير والرحمة والعطف حولها‏,‏ وتؤكد خيرية الحياة‏,‏ وقدرة كل إنسان لو أراد علي ان يجود ـ كما يقول الشاعر أمادو نرفو ـ بشيء ما مهما كان صغيرا قد تكون ابتسامة وقد تكون يدا تربت علي آلام الآخرين‏,‏ وقد تكون كلمة تقوي عزمهم‏.‏



واستاذك الذي رويت لنا قصته مع المرض والأمل والشفاء ورعاية حدود ربه في عمله‏,‏ تقدم لنا مثالا يرفع المعنويات‏,‏ ويذكرنا بألا نيأس أبدا من رحمة الله‏,‏ مهما تكثف الظلام حولنا‏,‏وان نؤمن دائما بأن في الغد دائما متسعا لكل شيء‏..‏ وان التعلق الأبدي بالأمل في رحمة الله لابد ان يكشف الضر ذات يوم عن المهمومين كما كشفه سبحانه وتعالي عن عبده أيوب عليه السلام‏,‏ وحين تلقي البشري في امره الإلهي له‏:‏ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فضرب أيوب الأرض برجله فنبعت له عينان‏,‏ شرب من إحداهما واغتسل من الأخري‏,‏ فذهب بلاؤه بإذن الله‏,‏ وماكل وسائل العلاج برغم ضرورتها سوي أسباب علينا اتخاذها ترقبا لهذا الأمر الإلهي ومادعاء المبتلين وابتهالهم لربهم ومناجاتهم له إلا استنزال أو استعجال لهذا الأمر‏.‏


ولقد من الله سبحانه وتعالي علي استاذك بالشفاء استجابة لدعائه ودعاء محبيه ومرضاه البسطاء‏,‏ فأحسن شكر نعمة ربه عليه بالاستمرار في نهجه العادل في العمل وفي رحمته بالمرضي ورفقه بتلاميذه‏,‏ وحرصه علي رعاية حدود ربه في عمله‏,‏ فهنيئا له كشف الضر عنه‏..‏ وعقبي لمن ينتظر‏.‏



وسلاما وأمانا علي من يرعون حدود الله في حياتهم‏.‏


فيكونون كالعطر الفواح‏..‏ ينفث الجمال‏..‏ ويطرد العطن من اي مكان يوجدون فيه‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 05:30 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الأمــل الأبــدي‏!‏


بـريــد الأهــرام
42837
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
19
‏28 من محرم 1425 هـ
الجمعة


أنا سيدة أبلغ من العمر‏40‏ عاما ومتزوجة من مهندس مدني عمره‏47‏ عاما‏,‏ وجميلة وذات قوام ممشوق وبيضاء البشرة ولقد كنت أسكن في حي شعبي قبل الزواج وكان زوجي جارا لنا في الشارع المجاور‏,‏ وبعد حصولي علي البكالوريوس ارتديت الحجاب خوفا من الله وبدون طلب من أحد‏,‏ لأنني عندما كنت فتاة كانت نظرات الناس لي تثير خوفي من الله‏,‏ ولذلك ارتديت الحجاب وحمدت الله كثيرا وكنت قبل ذلك ملتزمة تماما منذ صغري بالصلاة ثم تزوجت زوجي هذا‏,‏ وبدأت معه من الصفر واعطيته مصوغاتي البسيطة لكي يبدأ مشروعا صغيرا‏,‏ وكانت لي حكمة أومن بها الي الآن وهي أن فقرا بلا دين هو الغني الكامل وبدأ زوجي حياته العملية بعد الزواج ونجح وبدأنا نصعد السلم درجة درجة‏,‏ وانتقلنا من الشقة البسيطة الي شقة أخري أجمل وأوسع وتم تجديد الأثاث‏,‏ ومن الله علينا بابن وابنة وأصبح الأبن الأكبر الآن تلميذا بالصف الأول الثانوي والابنة بالصف الأول الإعدادي‏,‏ وهما والحمد لله متفوقان واتفقنا منذ البداية علي أن نقسم مسئوليتنا فزوجي يهتم بعمله وأنا أرعي الابناء من الألف الي الياء من حيث التربية والتعليم وتلبية طلباتهم الخارجية‏,‏ وأثرت دائما ان أكون في حالي والا أحتك بجارة لي أو انشيء صداقات مع أحد‏,‏ وأن أرعي زوجي في كل شيء وأسمع كلامه كما أمرنا الله سبحانه وتعالي‏,‏ وعندما تم تعييني بعد‏12‏ عاما من تخرجي في وزارة التربية والتعليم مدرسة اعدادي علوم رحب زوجي بذلك لكنه طلب مني أن أحصل علي إجازة رعاية طفل لمدة ست سنوات متواصلة حتي يكبر الابناء‏,‏ وبعد ذلك يسمح لي بنزولي مجال العمل كمدرسة‏,‏ ووافقت علي ذلك علي الفور مادام هذا في مصلحة زوجي وابنائي‏,‏ ومشكلتي الآن هي ان زوجي عندما أصبح ميسور الحال الي حد ما بدأت تراوده فكرة الزواج من أخري‏,‏ وقد خاض تجربتين انتهتا بالفشل من قبل ان تبدآ وهذا بفضل أولاد الحلال وقبلهم الله سبحانه وتعالي‏,‏ وعلمت بذلك وحزنت حزنا شديدا وسألته لماذا يفعل ذلك ولماذا لا يحمد الله علي النعمة التي بين يديه فاعتذر لي ووعدني بآلا يتكرر ذلك مرة أخري‏,‏ ولم يعلم أحد من أسرتي بالأمر‏,‏ وعاملته معاملة حسنة جدا ونسيت ما صدر منه الي أن حدث زلزال كبير في بيتي منذ عام أو أكثر عندما كان ابني في الشهادة الأعدادية وابنتي في الشهادة الابتدائية فقد تعرف علي سيدة مطلقة لديها ابنتان احداهما في أولي جامعة والأخري في الثانوية العامة وعمرها‏42‏ عاما‏,‏ وعندما طلقت هذه السيدة تركت


المحافظة التي كانت تقيم فيها وجاءت الي محافظتي وهي الإسكندرية وأقامت في منزل خالتها في حجرتين علي السطح‏,‏ وهذا المنزل بجوار منزل أسرتي يفصلهما جدار واحد مشترك‏,‏ كما أنني أعرف هذه السيدة جيدا‏,‏ وكانت بداية التعارف بينها وبين زوجي هو بناء قطعة أرض تمتلكها في محافظة مطروح‏,‏ وتطورت هذه العلاقة حتي وصلت الي الاتفاق علي الزواج‏,‏ وعلمت بهذا وعندما واجهت زوجي نفاه وزعم انها مجرد علاقة عمل فقط لا غير‏,‏ وأعطاني رقم تليفونها في العمل لكي أتصل بها وأطلب قطع أي علاقة بينها وبين زوجي إثباتا لحسن نيته وفعلا حدث ذلك واتصلت بها فراوغتني واتهمتني بأنني أتوهم اشياء لا أصل لها‏,‏ وأنهيت المكالمة وأنا في قمة غضبي من هذا الرد وأخبرت زوجي بما حدث ولم يعلق بشيء سوي أنه سوف يلغي عمله معها‏.‏



ومرت الأيام وانتهت الامتحانات ونجح ابني وابنتي في الشهادتين الإعدادية والابتدائية بتفوق بفضل الله وفضل رعايتي لهما رعاية كاملة وصبري الشديد وتحملي‏,‏ وبعد شهر من النتيجة وفي الصيف الماضي عرفت أن هذه السيدة تقوم بنقل اثاثها الي سكن آخر‏,‏ وتقول أنها سوف تتزوج المهندس‏(‏ فلان‏)‏ زوج السيدة‏(‏ فلانة‏)‏ التي هي أنا‏,‏ فأنهرت وأحسست أن رحلة عمري قد انتهت ولكنني تماسكت وواجهته بذلك واذا به يفجر في وجهي قنبلة ثانية هي أنه تزوجها بالفعل منذ‏8‏ أشهر تقريبا وأنها نزوة وسوف يطلقها من أجلي وأجل ابنائي‏,‏ وسألته يومها هل هي حامل فنفي ذلك بإصرار وحمدت الله ولكنها كانت طعنة كبيرة في صدري وانتهي الأمر بأن طلقها‏,‏ لكن هذه السيدة أرسلت لي رسالة مع قريبة لي ملخصها هو لماذا هذه الثورة الهائلة وهي ليست أول زوجة يتزوج عليها زوجها ولا آخر زوجة سيتزوج عليها‏,‏ ولقد قبلت أن أكون زوجة ثانية ولو بنسبة‏5%‏ ويكون لها نسبة‏95%,‏ فماذا يغضبها في ذلك ؟‏!‏ المهم أنني صممت علي أن احتفظ بزوجي لنفسي وقلت إنني لن أقبل بزوج الاثنتين أبدا‏,‏ واذا أراد تلك المرأة فليتركني لحالي أنا وأولادي أرعي الله فيهما وسوف يجزيني الله كل خير ان شاء الله‏,‏ وانتهي الأمر بأن انفصل زوجي عنها خوفا علي بيته وأسرته‏,‏ وتحدثت الي نفسي اذا كان الله يسامح ويغفر فلماذا لا يصفح العبد ويغفر؟ وبدأت معه من جديد وأعطيته كل اهتمام ورعاية أكثر مما سبق وكأنني زوجة جديدة‏,‏ وكأنه زوج جديد في كل شيء وبعد أربعة أشهر فوجئت بأنه ردها وأنها حامل في الشهر الرابع‏,‏ وفي هذه اللحظة كان قراري الذي لا رجعة فيه هو أن يتركني لحالي ويذهب الي هذه السيدة ويعيش معها‏,‏ وكان رده أنني لن أستطيع أن أعيش بدونك ولو لحظة واحدة‏,‏ وأن هذا الحمل كان قدرا من الله ولن نستطيع ان نعترض علي مشيئة الله‏,‏ وأنني لابد وأن أرضي بالأمر الواقع وسوف تكون له زوجة بالاسم فقط لأنه يوجد طفل قادم‏,‏ أنني سيدة مجروحة من زوجي الي أبعد حد‏,‏ حيث انه يقول إنه لم يعش مرحلة شبابه لأن حياته كلها شقاء وتعب وهو يريد أن يتمتع ويعيش من جديد ولكنه يفشل في كل مرة لأنني أقف كحاجز من فولاذ بينه وبين أي امرأة أخري‏,‏ حتي ولو أنجب منها بسبب حبه لي الشديد وعشرتي الطيبة‏,‏ وقد وصل به الأمر الي أنه تعثر في عمله هذا العام بالكامل وتراجع بعض الشيء وعندما وجد مني هذا الإصرار علي الانفصال تماما كان قراره بأنه سوف يطلقها غيابيا لأنها رفضت حضور الطلاق‏,‏ وأحضر لها شقة واسعة وأفضل بكثير مما كانت فيها وانتهي من تشطيبها وسوف يحضر لها بعض الأثاث الجديد ويتولي هو مسئولية الطفل القادم من الألف الي الياء ولن يبخل عليه بشيء أبدا‏,‏ لقد فقدت خلال سنوات زواجي من وزني عدة كيلوجرامات وأصبح وزني‏54‏ كجم بعد أن كان‏62‏ كجم في بداية زواجي‏,‏ وفقدت بعض حيويتي وأنوثتي وكان تعليقه بعد طلاق هذه المرأة أنه سوف يعتبرني انسانة مريضة وانه يتقبلني بهذا الشكل من أجل الابناء وأنني ظالمة وجبارة وغير رحيمة به‏,‏ وغير ذلك من كلام لا أستطيع أن اتحمله من رجل أعطيت له كل شيء فاذا به يتهمني الآن بأنني صاحبة مشاعر جافة وأهتم في المقام الأول بالأبناء ثم به بعد ذلك‏,‏ وما فيه هو الآن أنا السبب فيه حيث كان قد طلب مني كثيرا أن أنجب طفلا ثالثا ورفضت واكتفيت باثنين‏,‏ مع العلم أنني ضعيفة ولا أستطيع أن اتحمل الإنجاب مرة ثالثة‏.‏



فماذا أفعل الآن يا سيدي؟ هل أنا فعلا ظالمة مع هذه المرأة؟ إنني في حيرة من أمري وأشعر بأنني مكسورة النفس‏,‏ جريجة مما وصلت اليه‏,‏ وأقسم بالله ان كل كلمة كتبتها في هذه الرسالة كانت صادقة ولم أتجن علي أحد‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


من حق كل زوجة مخلصة لزوجها وابنائها وأسرتها أن ترفض أن تشاركها في زوجها امرأة أخري‏,‏ حتي ولو كانت نسبة المشاركة كما تزعم تلك السيدة هي‏5%‏ فقط‏..‏ فجوهر الزواج هو قصر الطرف والاكتفاء بشريكة العمر ما لم تكن هناك رخص شرعية تبرر للزوج الزواج عليها‏..‏ والزوج حين يقترن بزوجته فإنه يعاهدها ضمنيا علي الاخلاص لها والاكتفاء بها دون غيرها من النساء‏..‏ ولم يحدث ذات يوم ان عاهد زوج زوجته وهو يقترن بها علي أنه سوف يتزوج عليها في أول مفترق للطرق‏,‏ ولو فعل ذلك لرفضته شريكته من قبل البداية‏..‏ ولهذا منح الشرع الحنيف المرأة حق الاشتراط علي زوجها في وثيقة القرآن ألا يتزوج عليها‏,‏ وخيرها اذا تزوج عليها زوجها بين قبول الأمر الواقع والرضا به أو الاصرار علي الانفصال عنه وبالتالي فإنك لست ظالمة كما يحاول زوجك إيهامك لتمسكك بحقك المشروع في ألا تشاركك في زوجك امرأة أخري مهما كانت الأسباب والمبررات‏,‏ وان كان ثمة ظلم في القصة كلها فلقد جناه زوجك وتلك السيدة علي الجنين القادم من عالم الغيب وهو المظلوم الحقيقي في هذه القصة‏..‏ ولقد ظلمه زوجك بنزوته ورغبته في الاستزداة من المتعة بعد أن يسر الله أموره وبدل احواله إلي الأفضل‏,‏ وظلمته ايضا تلك بتطلعها إلي مشاركة زوجة وأم في زوجها واغتصاب حقها فيه‏,‏ ولو كانت هي نفسها في موقعك لاختلف منطقها وجأرت بالشكوي من غدر زوجها بها‏.‏



ان المثل الإنجليزي يقول‏:‏ خير لك ألا تبدأ من أن تبدأ ولا تعرف كيف تنتهي‏!.‏


والمشكة هي أن زوجك قد بدأ ما لم يكن يعرف كيف ينتهي منه ذات يوم بلا خسائر أو بأقل قدر منها‏..‏ لهذا فقد ظلمك وظلم جنينه وزاد المشكلة تعقيدا بهذا الطفل المرتقب‏..‏ وعليه أن يتحمل تبعات جريه وراء أهوائه ويكف عن محاولة تبريرها باتهامك بجفاء المشاعر والقسوة‏,‏ فلقد كان الطريق واضحا امامه منذ البداية لو اراد حقا أن يلتزم العدل معك‏,‏ وهو أن يخيرك قبل أن يقدم علي الزواج بين القبول به أو رفضه والانفصال عنه‏,‏ لكن المشكلة هي أن من يتورط في مثل هذه النزوة يتعلق دائما بأمل أبدي في أن ينجح ولأطول فترة ممكنة في الجمع بين الحسنيين الزوجة المخلصة المتدينة والأسرة المستقرة والحياة العائلية المحترمة‏,‏ ثم زواج العشق السري أو العلني ومتعته اللاذعة وأوقاته المسروقة من حساب الزمن‏,‏ واحساس المغامرة المثير للمشاعر والغرائز وممارسة إثبات الذات وإقناع النفس بأن صاحبها مازال قادرا علي أن يصول ويجول في عالم المرأة والعشق ويحقق الانتصارات المشهودة‏!.‏



لهذا كله فإني أؤيدك في موقفك ولاأراك ظالمة لأحد‏,‏ بالرغم من أن مقدم هذا الطفل سوف يزيد الأمر صعوبة‏..‏ ويربط زوجك بتلك السيدة حتي ولو استمر في طلاقها برباط أبدي‏..‏ وذلك من خلال رعايته والإشراف علي تربيته وتحمل مسئوليته مما يتطلب منك أكبر قدر من المهارة والحرص علي احتواء زوجك واشباع كل احتياجاته النفسية والعاطفية‏..‏ ليظل صامدا أمام نداء المرأة الأخري‏.‏


حسام هداية 08-25-2011 05:35 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الوقوف علي الشاطيء‏!‏


بـريــد الأهــرام
42837
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
19
‏28 من محرم 1425 هـ
الجمعة



طلقت زوجتي بعد‏17‏ عاما من الزواج‏,‏ وذلك لوجود هوة سحيقة بيني وبينها فكريا ونفسيا بل وثقافيا أيضا‏!!‏


وخرجت من هذه الزيجة بــ‏3‏ ابناء‏(‏ ولدان وبنت‏),‏ احببتهم ورعيتهم وحنوت عليهم لأقصي درجة‏,‏ لكن‏(‏ جريمتي‏)‏ هي أن إمكاناتي المادية كانت ضعيفة جدا‏,‏ إذ كنت مدرسا بوزارة التربية والتعليم لا املك من الدنيا سوي راتبي‏,‏ وامانتي وإخلاصي في العمل‏.‏ اما عن السفر للخارج والإعارات فكانتا لفترات وجيزة لاتسمن ولاتغني من جوع‏.‏



ولقد تزوجت ـ بعد طلاقي ـ بأخري وجدت نفسي معها وانجبت منها ولدا‏,‏ كما تزوجت مطلقتي هي الاخري وانجبت ولدا‏,‏ لكن اولادي ظلوا معي‏,‏ فحفظتهم في جفوني ورعيتهم ليل نهار‏,‏ بكل ما أوتيت من قوة وقدرة ووعي لمدة‏10‏ سنوات ولم امنعهم قط طيلة هذه الفترة من زيارة والدتهم وجميع افراد اسرتها ومرت الايام والسنون وتحملتها بمشكلاتها المريرة الثقيلة‏,‏ اذ مهما كانت زوجة الاب مثالية‏,‏ فهي في نظر الابناء والمجتمع زوجة اب ليس الا‏,‏ غير اني كنت احاول دوما ان اعدل بين الجميع قدر استطاعتي‏.‏


وفي سن الحادية والعشرين فضلت ابنتي والتي تبلغ من العمر الآن‏23‏ عاما ان تقيم مع والدتها‏,‏ فوافقت فإذا بها تبتعد عني نفسيا وعاطفيا شيئا فشيئا‏,‏ لتقترب اكثر واكثر من امها واخوالها مع اني خلال هذين العامين لم ادخر وسعا في تدبير معظم نفقاتها‏,‏ خاصة التعليمية حتي تخرجت في كلية التربية الفنية بتقدير جيد جدا ثم تقدم لخطبة ابنتي وهي في كنف والدتها وزوج والدتها وهو رجل طيب حقا من اعجبها واعجبته وتوافقا معا من عدة نواح‏,‏ خاصة من الناحية المادية اذ ان اسرته ميسورة الحال‏,‏ وهنا بدأت معاناتي فلقد فوجئت باخوال ابنتي يأخذون بزمام الأمور وتقرهم علي ذلك ابنتي ـ كما لو كنت انا الخال وهم الاب فهم يتصرفون كما لو كانوا هم المسئولين عن المشروع فيرسمون تفاصيله ودقائقه ويتبادلون الزيارات واللقاءات مع العريس واهله دون ان يعيروني اي اهتمام فإذا غضبت لكرامتي اشركوني في الامر وكشكل تكتمل به الصورة وإذا ماتحدثوا معي اقتصر حديثهم علي اين سيقام العرس‏,‏ ومتي‏,‏ ومن الذي سوف يدعي اليه وكم سأدفع لجهاز ابنتي الخ‏,‏ لكن اين هو المال الذي استطيع ان اجهز به ابنتي ؟



ان الخلاضة هي ان ابنتي غير راضية عني لانني غير راض ولا أقبل بالتهميش او ان يقوم غيري باداء دوري وأنا الولي الطبيعي الذي اعطي وضحي وربي وشقي وصبر واوفي‏,‏ اما الخطبة والزواج فتسيران علي قدم وساق‏,‏ بموافقتي او دون موافقتي وطبعا بواسطة الام والاخوال الذين يبدو انهم اقنعوا الخطيب واسرته بانه لم يكن لي اي دور في تنشئة اولادي او الانفاق عليهم لا في الماضي ولا في الحاضر‏,‏ مع ان ابنائي حين كانوا صغارا لم يكن اخوالهم او والدتهم يهتمون بهم او يتحملون القدر اليسير من المسئولية المالية او الادبية تجاههم‏,‏ والله علي ما اقول شهيد‏,‏ فماذا افعل هل اقطع صلتي بابنتي ؟ وهل تعتبر هي ابنة عاقة وهل اذا تزوجت دون موافقتي يكون هذا الزواج صحيحا شرعا؟‏.‏



ولكاتب هذه الرسالةأقول‏:‏


فهمت من رسالتك ان السبب الجوهري لعدم رضاء ابنتك عليك هو امتناعك عن المساهمة المادية في تكاليف زواجها وانك ربما تتعلل بتهميش دورك في اجراءات الزواج لكي تنفض يدك من المسئولية وتنسحب من الموقف‏,‏ فان كان مافهمته صحيحا فاني انصحك بأن تبذل كل ماتستطيع من جهد للاسهام في تكاليف زواج ابنتك بقدر يتناسب مع امكاناتك المادية حتي ولو ارهقت نفسك بعض الشيء‏..‏ فبقدر تحملنا مسئوليتنا عن ابنائنا‏,‏ ووقوفنا الي جوارهم في مناسباتهم المصيرية بقدر مايحترمنا هؤلاء الابناء وتصفو لنا مشاعرهم وقلوبهم‏..‏ ويتعمق ولاؤهم لنا‏..‏ اما الوقوف علي الشاطيء‏..‏ والاكتفاء بلوم الذين يكافحون الموج وحدهم لانهم لم يستشيرونا في طرق الابحار‏,‏ فليس مما يكسبنا محبتهم وولاءهم ولاحبهم‏,‏ ولهذا فاني انصحك بأن تنحني للعاصفة مادام الزواج سيتم سواء قبلت به ام رفضته‏,‏ خاصة ان ابنتك ترغبه وتؤيدها في ذلك والدتها واخوالها كما انصحك بالا تعترض عليه لمجرد ان خطواته الاولي قد بدأت في غيابك‏,‏ ذلك ان هذا السبب وحده ليس كافيا لرفض زواج مستوف لشروط النجاح والفلاح باذن الله‏..‏ وبان تشارك بما تستطيع المشاركة به في نفقات الزواج وسوف تجد نفسك وبلا اي جهد من جانبك في قلب الدائرة وليس علي هامشها‏,‏ وسوف تحفظ لك ابنتك هذا الجميل وتظل الابنة المخلصة لك إلي النهاية بإذن الله‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:01 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الظلم المركب‏!‏


بـريــد الأهــرام
42837
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
19
‏28 من محرم 1425 هـ
الجمعة




أنا زوجة وأم لابناء وبنات كبار اتموا تعليمهم‏,‏ وعملوا‏,‏ وتزوجوا‏,‏ واستقلوا بحياتهم‏,‏ وخلت الشقة علي أنا وزوجي‏,‏ وكلانا بالمعاش‏.‏


ولأن الرحلة قد أنقضت بخيرها وشرها‏,‏ فإنني لاأكتب لك شكوي من بخل زوجي‏,‏ وإنما فقط لأمهد بما أرويه لك عن طبائعه‏,‏ لما أريد مناقشته في نهاية الرسالة فزوجي قد حرمني طوال سنوات زواجنا من التمتع بمرتبي‏,‏ وأجبرني علي انفاقه كله تقريبا علي البيت والأبناء وكانت مساهمته في نفقات الأسرة ضئيلة للغاية‏,‏ وينفق معظم مرتبه علي ملذاته الشخصية من سجائر وأشياء أخري محرمة‏,‏ وينفق بكرم علي أصدقائه وزميلاته ومعارفه‏,‏ ويحرمني من أي مصروف‏,‏ ولا يشتري لي شيئا علي الإطلاق‏,‏ ولا يعرف كيف يجاملني في أي مناسبة‏,‏ فإذا دعونا أحدا علي العشاء أصر علي أن تكون تكاليف العزومة مناصفة بيني وبينه‏,‏ وأدفع النصف المفروض علي‏,‏ ويظهر أمام الضيوف وكأنه حاتم الطائي‏,‏ وكذلك فإننا إذا خرجنا معا لزيارة ابنتنا تكون المواصلات مناصفة بيننا‏,‏ والمجاملات مناصفة كذلك حتي ولو كانت لشقيقته‏.‏



فهل يكون من العدل أن يحصل مثل هذا الزوج علي معاشي بالكامل بعد وفاتي‏,‏ كما ينص علي ذلك القانون الجديد الذي يتحدثون عنه‏!.‏


أنني أتصور أن يحصل الزوج علي معاش زوجته بعد وفاتها بشروط واضحة وعادلة‏.‏



‏*‏ أن يكون عائلا لأطفال أو أبناء لم يبلغوا سن العمل‏.‏


‏*‏ أن يكون عاجزا عن الحركة أو مريضا‏.‏



‏*‏ أن يكون معاشه ضئيلا لا يفي بالاحتياجات الأساسية له‏..‏ أما وأن يكون كزوجي يعيش بمفرده بعد زواج الأولاد‏,‏ وفي صحة مقبولة‏,‏ ومعاشه يساوي معاش زوجته تقريبا‏,‏ ويحصل علي معاش زوجته بالكامل‏,‏ فاعتقد أن هذا هو الظلم المركب‏,‏ لأنه يكون قد ظلم زوجته في حياتها‏,‏ وسوف يظلمها أيضا بعد وفاتها‏.‏


فلماذا لا يعاد النظر في هذا الموضوع‏,‏ ولماذا لايعطي الزوج جزءا من المعاش حسب ظروفه التي أوضحتها والباقي يعود للدولة وذلك حتي لا نساعد مثل هذا الزوج‏,‏ الذي يحصل علي معاش كبير‏,‏ ولا يعول أحدا‏,‏ وفي صحة جيدة‏.‏ علي التصرف في هذا الدخل الكبير تصرفا ضارا به في هذه السن‏.‏



أنني لا أخشي الموت‏,‏ بل أرحب به في أي لحظة حتي ألقي وجه ربي الكريم‏,‏ لكني الآن أشعر بالأسف والظلم‏,‏ ولن أكون راضية إذا حصل هذا الزوج علي أي مليم من معاشي‏.‏


ألست معي في أن هذا القانون سوف يظلم الكثيرات من الزوجات المضحيات مثلي‏,‏ واللآتي لم يحصلن علي كلمة شكر واحدة في حياتهن من أزواجهن؟‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


ومن أدراك يا سيدتي أنك ستسبقين زوجك إلي لقاء ربك‏,‏ وأنه سوف يستمتع بمعاشك‏,‏ وقد ينفقه فيما يضره في هذه المرحلة من العمر؟‏,‏ ومن يضمن ألا يسبقك هو إلي العالم الآخر‏,‏ وتحظين أنت بمعاشه وتعوضين به بعض بخله‏,‏ وتقتيره عليك في حياته؟‏.‏



وهل بلغ بك السخط علي زوجك أن أصبحت تفضلين أن يذهب كل أو معظم معاشك إلي خزانة الدولة‏,‏ علي أن يستمتع به زوجك البخيل من بعدك؟‏,‏ وكيف يمكن تطبيق القواعد التي تقترحينها لصرف معاش الزوجة الراحلة للزوج‏,‏ وبعضها يمكن التحايل عليه‏,‏ ويفتح الباب للحيل والألاعيب والفساد؟‏.‏



لقد ظل الأزواج علي مدي أكثر من‏50‏ عاما يطالبون بحقهم في معاش الزوجة الراحلة أسوة بما تحصل عليه الزوجة إذا رحل عنها زوجها‏,‏ وكانوا يرون أن حرمانهم من نصيب الزوج في معاش زوجته الراحلة ظلم بين له‏,‏ حتي استجابت الدولة أخيرا‏,‏ وأعدت القانون الذي يسمح للزوج بنصيبه من معاش زوجته‏,‏ والمؤكد هو أن المشرعين الذين أعدوا مواد هذا القانون لم يخطر لهم في بال أن تجئ المعارضة له من جانب بعض الزوجات اللاتي شقين بأزواجهن وحياتهن الزوجية‏,‏ ويطلبن وضع ضوابط علي صرف معاش الزوجة الراحلة لزوجها لحرمان بعض الأزواج من أن يعيشوا في سعة بعد رحيل زوجاتهم‏.‏ أن الفكرة رغم غرابتها تثير التأمل‏,‏ وتدعونا لإحسان عشرة شريكات الحياة حتي لا ينتقمن منا بعد رحيلهن بحرماننا من معاشاتهن‏,‏ كما تطالب كاتبة هذه الرسالة؟‏..‏ وشكرا لها‏!.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:02 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الإحساس المرير‏!‏


بـريــد الأهــرام
42844
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
26
‏5 من صفر 1425 هـ
الجمعة




أنا سيدة في الثانية والثلاثين من عمري نشأت في أسرة متوسطة الحال بين أب يكافح لتعليم ابنائه الخمسة‏,‏ وأم ربة بيت طيبة‏,‏ وتركز كل جهدها علي ان يخرج الابناء إلي الحياة متمتعين بالخلق الكريم والأدب الحميد‏.‏ ولقد حقق الله سبحانه وتعالي لأبوينا مرادهما‏,‏ فتعلمنا كلنا وحصلنا علي شهاداتنا‏,‏ واحسب أننا قد تسلحنا جميعا بالأخلاق الحميدة‏,‏ وبعد انتهاء دراستي وفقني الله إلي عمل مناسب‏..‏ ومضت ثلاث سنوات لم يتقدم لي خلالها أحد بالرغم من جمالي المتوسط‏..‏ إلي أن جاء يوم دعتني فيه احدي زميلاتي بالعمل لحضور عيد ميلاد ابنها‏..‏ واستأذنت أمي في الذهاب إليه فأذنت لي وفي الحفل ووسط مرح الأطفال لاحظت ان هناك شابا لايكاد يرفع عينيه عني‏,‏ وانه يحدق في باهتمام‏,‏ وبعد يومين من الحفل التقيت بزميلتي هذه فاذا بها تبادرني بتسليمي ورقة صغيرة مكتوبا عليها اسم شخص وبياناته وعنوانه ومكان عمله‏..‏ الخ‏,‏ وسألتها عما يعني ذلك؟ فقالت ان هذه هي بيانات الشاب الذي كان يحدق فيك طوال الحفل‏,‏ وصارحتني بأنها كانت قد دعته خصيصا لكي يراني‏,‏ عسي أن ألقي القبول لديه فيتقدم الي اسرتي‏..‏ وطلبت مني أن أكلف أبي بالسؤال عنه اعتمادا علي هذه البيانات‏.‏


وعدت إلي البيت سعيدة وأبلغت امي بما حدث فدعت لي بالخير‏..‏ وقام أبي بالسؤال عن الشاب فجاءت النتائج طيبة للغاية‏,‏ وتمت الخطبة واستمرت‏4‏ أشهر كانت من أسعد أيام حياتي‏,‏ واكتشفت في خطيبي الكثير من المزايا وأولاها الأخلاق النادرة والبر بأبويه والعطف علي اخوته‏,‏ فانعكس كل ذلك علي علاقتي بأسرته التي أحببتها وأحبتني حبا جما‏,‏ خاصة والدته حيث عاملتني كابنة مدللة لها وتزوجنا في شقة مناسبة وعشت مع زوجي أسعد أيام عمري‏,‏ وأحسست دائما بأنني فرد من أفراد اسرته‏,‏ وبعد خمسة أشهر من الزواج حدث أن زارتني والدة زوجي وسألتني برقة شديدة عما إذا كنت حاملا أم لا فأجبتها بالنفي‏,‏ فطيبت خاطري وعرضت علي أن تصحبني إلي طبيب متخصص فلم امانع‏,‏ وبدأت رحلة العذاب من تحاليل وأشعة وعلاج‏,‏ ثم علمت والدتي بالأمر فاقترحت أن يعرض زوجي نفسه كذلك علي طبيب عسي ان يكون الأمر مرتبطا به‏,‏ ففعل وأكدت النتائج انه سليم تماما وقادر علي الإنجاب وواصلت انا علاجي حتي وصلت الي المرحلة الأخيرة منه فإذا بي اصدم صدمة العمر بأني اعاني من عيب خلقي يستحيل معه أن أحمل‏..‏ وانهرت باكية وحزينة‏,‏ ولم يخفف عني بعض آلامي سوي زوجي ووالدته الحنون واسرته التي لم تتغير علاقتها بي علي الإطلاق بعد معرفة هذه الحقيقة المؤلمة‏.‏


وبرغم سعادة زوجي معي فلقد وجدت نفسي بعد فترة أحس احساسا مؤلما بالذنب تجاهه‏,‏ خاصة انني اعرف عنه حبه الشديد للأطفال‏..‏ أما هو فقد ازداد حبا لي وتعلقا بي وراح يواسيني ويطلب مني الرضا بقضاء الله وقدره‏,‏ وعدم الاعتراض علي مشيئته‏,‏ غير أنه بعد فترة أخري اشتد علي الاحساس بأني قد أجرمت في حقه واني أظلمه بحرمانه من الإنجاب فعرضت عليه الانفصال لكي يتزوج من أخري وينجب ويري اطفالا‏,‏ فرفض هذه الفكرة رفضا قاطعا‏,‏ ورفضتها بأشد منه والدته الطيبة فعرضت عليه ان يتزوج مع استمراري في عصمته وعلي ان اعيش معه ومع زوجته في نفس الشقة‏,‏ وأكون خادمة له ولزوجته واولاده منها الذين سيكونون بالتالي ابنائي‏,‏ فرفض ذلك بإصرار وطلب مني أن نحيا حياتنا كما ارادها لنا الله‏,‏ وقال لي إنه يجد في ابناء إخوته ما يحتاج اليه من ممارسة احساس الابوة ولا يحتاج الي خوض تجارب لايضمن نتائجها‏,‏ وفي هذه الاثناء رحل والد زوجي عن الحياة يرحمه الله‏,‏ فانتقلت للإقامة مع والدة زوجي لفترة العزاء ثم فترة طويلة بعدها‏..‏ فعرضت عليها خلال ذلك ان يتزوج ابنها في شقتي‏..‏ وان استمر أنا في الاقامة معها علي أن يزورني زوجي في بيتها من حين لآخر‏,‏ فرفضت لكنها وبعد إلحاح شديد مني قبلت ان تعرض عليه الفكرة بحياد ودون أن تؤيدها أو ترفضها‏,‏ وعرضتها عليه‏,‏ فرفض أيضاوأخيرا خطر في ذهني ان أسئ معاملته لكي يملني ويطلقني‏,‏ وحاولت ذلك بالفعل فلم احسن التمثيل وابتسم بعد ان عرف مقصدي‏..‏ في حين إنهرت أنا باكية واعترفت له بأنني احبه وأتعذب من أجله‏..‏ ولا أطيق الحياة بدونه‏,‏ لكن ماذا أفعل وقد شاءت إرادة الله ألا استطيع الإنجاب له‏..‏ فبماذا تنصحني ان افعل ياسيدي؟



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


إلحاحك علي زوجك بأن يتزوج عليك لكي ينجب قد يعكس إحساسا مريرا بالذنب تجاهه لما تتصورينه من مسئوليتك عن حرمانه من الأطفال‏,‏ لكنه يعكس علي جانب آخر احساسا اخر أشد ايلاما بالخوف من المستقبل والتحسب الزائد لأن يجئ يوم ينصرف فيه زوجك عنك الي زوجة أخري‏,‏ ولا غرابة في ذلك لأن الخوف القوي المسيطر لديك من فقد زوجك بسبب عجزك عن الإنجاب له قد ترجمه عقلك الباطن الذي يضيق بهذا الخوف‏,‏ إلي ما يسميه علماء النفس برد الفعل العكسي للأشياء‏..‏ وهي حيلة من الحيل النفسية التي يلجأ اليها العقل الباطن للدفاع عن النفس والتخفف من الآلام‏,‏ كأن يشتد حزن الانسان مثلا لضياع فرصة ثمينة كان يتطلع اليها بلهف‏,‏ ويضيق عقله الباطن بهذا الحزن فيترجمه برد الفعل العكسي إلي محاولة التهوين من قيمة هذه الفرصة نفسها‏..‏ والزعم بأنها ما كانت لتضيف اليه شيئا‏,‏ وبدلا من ان يعبر الانسان عن الحزن لضياعها نجده ينطق بعبارات تزعم للنفس ان ضياعها أفضل من مجيئها‏,‏ وأنه الآن اسعد حالا منه لو كان قد فاز بها‏..‏ إلخ‏.‏


ولأنك تضيقين في أعماقك بخوفك الشديد من فقد زوجك ذات يوم‏,‏ فلقد عبرت عن هذا الخوف القاهر برد الفعل العكسي في مبادرتك انت علي طريقة الهجوم خير وسيلة للدفاع‏,‏ باقتراح الانفصال عن زوجك‏,‏ فلما رفضه الرجل النبيل تعددت اقتراحاتك عليه بالزواج من أخري للإنجاب وتوالت التيسيرات والتسهيلات التي تقدمينها له لكي يقبل بها‏.‏



ولست اعني بذلك أنك لست صادقة في هذه العروض العديدة التي تقدمينها لزوجك‏,‏ فالحق انها عروض صادقة وتعكس روحا مضحية وبعيدة عن الأنانية‏,‏ وانما اقصد فقط أن الخوف الكامن في أعماقك من المستقبل هو المحرك الأساسي لها وبغير وعي منك‏,‏ فثقي في نفسك ياسيدتي وفي جدارتك بان يكتفي بك زوجك ويسعد بك ومعك دون أطفال‏,‏ وتخلصي من هذا الخوف القاهر الذي يكبل إرادتك ويحرمك من الاستمتاع بالأوقات الخالية من الأكدار‏..‏ وتخلصي قبل كل ذلك وبعده من الإحساس القاتل بالذنب تجاه زوجك‏,‏ لأن الانسان لايلام علي أمر قد قدر عليه‏,‏ ولم تكن له فيه حيلة‏,‏ كما أن الرجل يعفيك من كل مسئولية عن حرمانه من الأطفال‏,‏ ويرضي بأقداره ويطالبك بالرضا بها فاقبلي عافية وعيشي حياتك معه في سلام‏,‏ ولا تتعجلي الهموم والأكدار‏..‏ ولا تستدعيها الي حياتك قبل موعدها المقدور في عالم الغيب‏,‏ وتعاملي مع الأمر علي طريقة الصوفية الذين يقولون درءا للهموم واتقاء للتحسب الزائد للمستقبل لك الساعة التي انت فيها‏..‏ ولو اردت التخفيف عنك أكثر من ذلك لقلت لك إن تقدير الأسوأ يحرر الانسان من الخوف الشديد مادام قد عرف اقصي ما يمكن ان تنتهي اليه الأمور وتهيأ نفسيا للتعامل معه أو القبول به‏,‏ وأسوأ العواقب في مثل ظروفك هذه هو ان يجئ يوم بعد عدة اعوام أو أكثر ويشعر زوجك بحاجة ملحة عليه في الإنجاب فيتزوج بمشورتك وموافقتك من أخري‏,‏ فما الجديد اذن في الأمر وقد تحسبنا له منذ البداية وطالبناه به فرفضه من قبل حبا وإكراما لنا؟



ان مشكلتك الحقيقية هي أن زوجك قد تقبل أقداره ورضي بها‏,‏ في حين أنك أنت التي لم تتقبلي في أعماقك بعد أقدارك ولم ترضي عنها‏,‏ لهذا فهو يعيش في سلام نفسي معك‏..‏ وانت تحترقين بالإحساس بالذنب تارة وبالخوف من فقد زوجك تارة أخري‏..‏ وبتقديم اقتراحات الزواج اليه إبراء للذمة من ذنبه تارة ثالثة‏..‏ فتقبلي أقدارك أولا ياسيدتي‏,‏ ولسوف تتغير اشياء كثيرة في حياتك وشخصيتك وعلاقتك بزوجك الي الأفضل‏,‏ ولقد كان القطب الصوفي ابوبكر الشبلي يقول من توكل علي الله رضي بفعله وكان الامام حسن بن علي رضي الله عنهما يقول من رضي بحسن اختيار الله له لم يعدل به شيئا‏.‏


فارضي بما إختاره لك ربك‏..‏ ولسوف تتحسن الأحوال كثيرا بإذن الله‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:03 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الطــــــريـــــق المنحــــــدر


بـريــد الأهــرام
42844
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
26
‏5 من صفر 1425 هـ
الجمعة




تفتحت عيناي علي أب حنون وأم قاسية لا تحبني‏,‏ ولم أكد أبلغ سن الشباب حتي توفي والدي‏,‏ وتركني لوالدتي التي كانت تعاملني أسوأ معاملة‏,‏ ولأن أبي كان قد زرع في الحب والحنان‏,‏ فلم أنحرف‏,‏ بل بالعكس نجحت دراسيا‏,‏ والتزمت دينيا وأخلاقيا‏,‏ وعندما أتي العريس كانت أهم صفة مطلوبة فيه من وجهة نظري أن يكون علي خلق وملتزم دينيا‏,‏ وقلت في نفسي سأبدا حياة جديدة من صنعي أنا‏,‏ فلقد كانت خبرتي في العلاقات الزوجية صفرا‏.‏


وقد تزوجت إنسانا توسمت فيه كل الصفات الممتازة من وجهة نظري‏,‏ وشعرت تجاهه بأنه المنقذ الذي سينقذني من سجن أمي ومعاملتها السيئة لي‏,‏ وسيعوض لي حنان أبي الذي فقدته لكني‏,‏ منذ البداية وجدت زوجي لا يقدر أهمية المشاعر‏,‏ فزوجته عليها إطاعة أوامره‏,‏ وتنفيذ رغباته حتي بدون أن يقول لها كلمة شكر‏,‏ وكان يحاسبني علي أي خطأ‏,‏ وكأن هذا الخطأ مصيبة كبري‏,‏ ولا يجد عيبا في أن يحرجني أمام الناس في أثناء حديثي‏,‏ كأن يلفت نظري إلي أن ما أقوله تافه‏,‏ ولا يصح‏,‏ وشعرت بخيبة أمل كبيرة فكل ما أحتاج إليه كلمة حلوة‏,‏ ولا أجدها‏,‏ وبذلت كل جهدي حتي لا يجد زوجي خطأ في تصرفاتي يلومني عليه‏,‏ ووضعت همي في عملي وتربية أولادي حتي أصبح بيتي من أفضل البيوت ظاهريا‏,‏ أما ما لم استطع أن اتغلب عليه فهي مشاعري ناحية زوجي‏,‏ الذي لم استطع التجاوب معه‏.‏



وعشت حياتي أفرغ مشاعري فيمن حولي‏,‏ أخدم الجميع‏,‏ وأحب الجميع‏,‏ ويحبني كل أصدقائي وزملائي‏,‏ ويستشيرونني في حل مشاكلهم‏,‏ أما زوجي فهو مستمر دائما في أن يشعرني بأنني مخطئة في كذا‏,‏ ولم أفعل كذا إلي آخر اللوم الذي لاينتهي‏,‏ ومنذ نحو أربع سنوات نقل إلي مقر عملي زميل جديد‏,‏ وفي البداية تنافسنا في العمل لأنه في نفس الكادر الوظيفي‏,‏ ولكن مديرنا استطاع بذكاء أن يجعلنا نتعاون فكنت أعمل معه عدة ساعات يوميا‏,‏ وتعرفت بأسرته لأنه كان غريبا عن القاهرة‏,‏ وساعدته في إنجاز بعض المهام‏,‏ وأصبحت علاقتنا عائلية‏,‏ وأصبح أولادي وأولاده أصدقاء‏,‏ أما زوجته فهي إنسانة طيبة وبسيطة جدا لا تعرف من دنياها سوي أن تخدم أولادها‏,‏ وكان زميلي يشكو لي اهتمام زوجته بكل شئ ما عداه‏,‏ وحاولت أن ألفت نظرها لذلك وعلمتها الكثير كطريقة الطهي‏,‏ وترتيب المنزل‏,‏ وكان يسعدني جدا أن أجد هذا الزميل يثني علي الطعام أو يشكرني علي أمر علمته لزوجته‏,‏ بل كان يستشيرني هو وزوجته في أمور كثيرة‏,‏ وأصبحت أجد أهميتي في تلك الأسرة‏,‏ وبدأت تتجمع الأسرتان في المناسبات المختلفة‏,‏ فكان ما يكدرها أن زوجي لايتكيف أبدا مع هذه الأمور‏,‏ كما أني كنت أري نظرات الاشفاق في عين زميلي علي كلما أحرجني زوجي أمام الموجودين‏,‏ المهم أنني كنت أتجاوز هذه الأمور‏,‏ ولا أعلق عليها‏,‏ ولكنها كانت تترك داخلي الأثر النفسي الذي يجعلني أرفض العلاقة الزوجية‏,‏ وفي أحد الأيام كنت في مكتبي أبكي نتيجة مشادة حدثت بيني وبين زوجي في الصباح‏,‏ ودخل زميلي المكتب‏,‏ ولم أشعر به فإذا به يربت علي رأسي ويواسيني ثم خرج‏,‏ وشعرت بدفء عجيب لأول مرة في حياتي‏,‏ ولم أنم ليلتها‏,‏ وقررت أن أدفن رأسي في حضن زوجي النائم بجواري‏,‏ لكن لم أجد في هذا الحضن غير عظام لم تشعرني بأي شئ‏,‏ وبخاصة أنه لم يتحمل رأسي كثيرا‏,‏ بل بدأ يتململ‏,‏ ويطلب مني الابتعاد عنه‏,‏ ووجدت نفسي في اليوم التالي أذهب للعمل‏,‏ وأنا انتظر أن أري زميلي‏,‏ ولكن عندما رأيته عنفته علي ما فعل‏,‏ واعتذر لي أنها كانت غلطة ولن تتكرر‏,‏ وظل بعدها فترة يتحاشي التعامل معي‏,‏ وبعدها سمعت في أحد الأيام صوت ضجيج أمام مكتبي فخرجت لأستطلع الأمر فوجدت زميلي هذا مغمي عليه‏,‏ ويحاول الجميع إفاقته فانخلع قلبي‏,‏ وتقدمت بسرعة أحاول معهم مساعدته حتي أتت سيارة الإسعاف‏,‏ ونقلته إلي المستشفي‏,‏ وهناك كنت معه وعندما آفاق ورآني ابتسم لي‏,‏ وبالرغم أنه كان


هناك الكثير من الزملاء والزميلات شعرت بأنه يكلمني أنا وحدي‏,‏ ويخرج الجميع من الحجرة‏..‏ أما أنا فيقول لي أرجوك انتظري حتي يعرفني ما سأفعله في العمل في فترة غيابه‏,‏ وبمجرد خروج الزملاء من الحجرة يمسك يدي ويقبلها عدة مرات‏,‏ ويقول لي إنني حاولت ألا أضايقك لكن كان ذلك علي حساب أعصابي‏,‏ وهذه هي النتيجة‏.‏


ولم استطع أن أقول له شيئا سوي أن أطلب منه الاهتمام بصحته‏,‏ وخرجت من الحجرة لا أعرف كيف أسير‏,‏ والآن هل يمكن لسيدة قاربت الخمسين‏,‏ ورجل في السن نفسها أن يمرا بهذه المشاعر أم هي العشرة الطويلة بيننا؟‏.‏



آلاف الأسئلة تدور داخلي لا أجد لها إجابة‏,‏ وعدت لبيتي وبدأت أتكلم مع زوجي وأطلب منه أن يراعي مشاعري‏,‏ وسألته لماذا لا تقول لي كلمة حلوة تسعدني‏,‏ فالكلمة الحلوة لن تكلفك شيئا‏,‏ ولماذا نتعامل كأزواج بدون أن تكون هناك مقدمات عاطفية‏,‏ وسألته ألا يسعدك أن تكون العلاقة الزوجية سبب سعادة لنا نحن الاثنين‏,‏ وكانت النتيجة كما سبق فلقد اتهمني بأنني السبب‏,‏ وانني زوجة خائبة‏,‏ وشعرت بأن ماء باردا سكب علي رأسي‏..‏ ولا فائدة‏.‏


المهم ظل زميلي في المستشفي عدة أيام كنت أذهب إليه لأطمئن عليه يوميا‏,‏ وعندما خرج من المستشفي ظل عدة أيام بالمنزل‏,‏ ولم أكن استطيع أن أذهب إليه حتي لا أضعف والآن فهو مازال في إجازة مرضية‏,‏ وقد يعود إلي العمل في أي وقت وحتي تتخيل الوضع فنحن في مكتبين متجاورين نقضي معا نصف اليوم ويستدعينا مديرنا في بعض الأعمال‏,‏ ويعرف أننا عندما نعمل معا يصبح العمل علي أعلي مستوي‏,‏ ونحقق أفضل النتائج دائما‏,‏ فماذا أفعل عند عودته إنني أكتب لك مشكلتي لكي يقرأها كل زوج يظن أن نجاحه في الزواج‏,‏ وإثبات رجولته هو أن تطيع زوجته أوامره فقط وتنفذها وأن يراجع كل زوج نفسه‏,‏ ويسألها هل أراعي مشاعر زوجتي‏,‏ وأقول لها كلمة حلوة؟‏,‏ وهل زوجتي تشعر بحبي؟‏,‏ أم أن حياتي معها مجرد عشرة خالية من المشاعر‏,‏ وأنا علي ثقة من أن زوجي لن يشك لحظة في أن هذه الرسالة رسالتي فهو مغرور‏,‏ ويظن أنني لا أجرؤ علي فعل أي شئ ضد إرادته‏,‏ كما تعود‏,‏ لكن صدقني أن ضميري هو الذي يمنعني من الخطأ‏,‏ وأنا أقاوم هذه المشاعر بكل قوتي خوفا من غضب الله الذي أنا حريصة علي رضاه‏,‏ كما أني أخاطب كل فتاة مقبلة علي الزواج أن تعرف جيدا وتتعلم كيف تعيش حياة زوجية ناجحة‏,


‏ فهذا ليس ضد الأدب‏,‏ وألا تدفن رأسها في الرمال ظنا منها أن الكلام في هذه الموضوعات عيب سوف يسقطها من عين زوجها‏.‏


وأقول لها إن هذه الموضوعات في احتياج لكل من الرجل والمرأة‏,‏ ويجب أن يشبع‏,‏ وألا ستجد نفسها داخل قفص بابه الوحيد يؤدي إلي النار‏,‏ كما أشعر أنا الآن‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


مع أنك لست مؤهلة لنصح أحد بعد أن خطوت بالفعل بضع خطوات علي الطريق المنحدر الا أنني أنشر رسالتك عسي أن يستفيد بها البعض وأقول لك إن كل ما ذكرت عن زوجك لا يبرر لك التساهل مع زميلك في العمل أو التفريط معه فيما ينبغي للزوجة المحصنة ألا تفرط فيه‏,‏ وأشير هنا خاصة إلي ما حذفته من رسالتك المؤسفة هذه‏.‏ فلقد يكون زوجك مقصرا في الاهتمام باللفتات العاطفية في علاقته بك‏..‏ وقد يكون تقديره خاطئا في عدم الاهتمام بالمشاعر والكلمة الرقيقة والتجاوب العاطفي مع زوجته‏..‏ لكن الفضليات يا سيدتي لا يحللن المشكلة بالتورط في علاقات غرامية مع زملاء العمل ولا بالتساهل معهم‏,‏ بحيث يسمحن لهم بلمسهن والتعبير لهن عن لواعج أشواقهم‏,‏ وإنما يحاولن بعث الدفء في حياتهن الزوجية ويغرين أزواجهن بالتجاوب معهن والاهتمام بمشاعرهن‏,‏ فإن نجحن في ذلك كان بها‏,‏ وإن عجزن سلمن أمورهن لخالقهن ورضين بحياتهن كما هي وقبلن بنواقصها دون أن يتطلعن إلي أي تعويض خارج المؤسسة الزوجية‏,‏ فإذا كنت حقا تقاومين الخطأ كما تقولين‏..‏ فإن أول خطوة جدية علي هذا الطريق هي أن تطلبي نقلك من هذا المكتب الذي يجمع بينك وبين زميلك وأن تكفي عن زيارته والاتصال به‏..‏ وتتفرغي بكل مشاعرك واهتمامك لزوجك وأبنائك‏.‏


وتذكري دائما أن الطريق المنحدر الذي بدأت السير فيه‏,‏ تزداد منحدراته خطورة كلما تسارعت خطواتك عليه‏,‏ وانك كلما سرت علي دربه تراجعت فرص نجاتك من الهاوية التي ينتهي إليها‏,‏ وتعذرت عودتك إلي الطريق القويم‏..‏ فتوقفي الآن‏..‏ وراجعي نفسك فيما فعلت وفرطت‏,‏ كما تطالبين الأزواج بأن يراجعوا أنفسهم في علاقاتهم بزوجاتهم‏..‏ وتطهري من إثم هذه العلاقة قبل أن تفسد عليك روحك واحترامك لنفسك وتدمر حياتك وتصمك بما لا ترضاه السيدة الفاضلة لنفسها‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:04 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

دائرة الاختيار‏!‏


بـريــد الأهــرام
42844
‏السنة 128-العدد
2004
مارس
26
‏5 من صفر 1425 هـ
الجمعة




ترددت كثيرا في الكتابة اليك لكني في النهاية توكلت علي الله العلي القدير‏,‏ وقررت ان ابث اليك شكواي التي أرجو من الله ان اجد لديك المشورة والنصح فيها‏...‏ فأنا سيدة متزوجة منذ مايقرب من ثلاثين عاما واشغل انا وزوجي مناصب رفيعة المستوي في الدولة‏,‏ وقد بدأت مشكلتي حينما رزقت بابنتي بعد ولادة عسرة واتضح ان الولادة اثرت بدرجة طفيفة علي مستوي ذكائها‏..‏ وبعد استشارة الأطباء ذكروا ان الولادة اثرت علي درجة الذكاء بدرجة طفيفة ولكن بالجهد والمثابرة سوف تجتاز هذه المرحلة‏..‏ والحمد الله فقد تعاونت انا وزوجي علي مساعدتها في التعليم وأدخلناها أفضل مدارس اللغات‏,‏ واستطاعت بحمد الله ان تحصل علي الثانوية العامة بدون ان ترسب في اي عام من الاعوام والتحقت بالجامعة وانهت دراستها ووفقها الله في العمل بإحدي هيئات الدولة المميزة‏,‏ والي هنا ليست هناك مشكلة وانما بدأت المشكلة منذ بلوغ ابنتي سن الزواج‏,‏ فنظرا لمستوي عائلتي تقدم لخطبتها العديد من الشباب لكني ترددت كثيرا في قبولهم حيث إن ابنتي لايشعر احد انها أقل قليلا من أقرانها الا بعد معاشرتها لفترة طويلة ولذلك خشيت عليها من الارتباط ثم يحدث الانفصال لاقدر الله‏..‏ ولااستطيع ان اذكر لاحد حالتها لانه لايشعر بها احد إلا بعد فترة‏,‏ وكذلك لكيلا أجرح مشاعرها‏,‏ ووالدها يري ان نقبل الشخص المناسب لها وأنا اري انه من الأفضل ان نقبل شخصا له نفس مواصفاتها ومستواها التعليمي والثقافي والاجتماعي والاسري‏,‏ ولكن ما باليد حيلة فكيف يحدث هذا؟ إن ابنتي علي درجة عالية من الثقافة وتتعامل مع التقنيات‏,‏ الحديثة من حاسب آلي وموبايل بسهولة ويسر ويمكن الاعتماد عليها في إدارة البيت فهل أنتظر حتي يجيء الشخص الموافق لها ولا أعلم متي يجئ؟ ام اوافق علي ارتباطها بشخص عادي في الظروف العادية كما يري والدها؟ إني حائرة ولا اعرف ماذا أفعل والأيام تمر سراعا واريد ان أطمئن عليها واري الفرحة في وجهها فماذا افعل ؟



ولكاتبة هذه الرسالة أقول


إذا اخذنا بالحلول النظرية فإن الأفضل لابنتك هو ان ترتبط بمن تتوافق ظروفه مع ظروفها‏,‏ وليس من المحتمل ان ينكر عليها ذات يوم هذا الفارق الطفيف الذي يميزها عن قريناتها‏,‏ لكن المشكلة هي كيف يمكن العثور علي مثل هذا الشاب المنشود الذي يتكافأ معها عائليا واجتماعيا وثقافيا‏..‏ ويختلف اختلافا طفيفا عن اقرانه في مستوي الذكاء؟ والي متي يطول انتظاره؟


لهذا فلقد يكون من الأوفق ألا تحصري دائرة الاختيار في هذه الفئة التي تتوافق ظروفها مع ظروف ابنتك‏,‏ وان تتسع الدائرة قليلا وتقبلوا بشئ من المخاطرة المحسوبة‏,‏ عسي ان يوفق الله ابنتكم الي شريك حياة متفهم ويقدر بقية مزاياها الأخري‏,‏ وهي لاشك عديدة‏,‏ كما ان اجتياز ابنتك لكل مراحل الدراسة بمدارس اللغات ثم الجامعة واستقرارها في عملها بهيئة مميزة من هيئات الدولة ـ كما تقولين ـ يؤكد أن الأثر الذي تركته الولادة العسرة علي مستوي ذكائها كان طفيفا بالفعل‏..‏ وفي كل الأحوال فإن من ترتبط به لابد ان يعرف كل ظروفها ويقبل بها‏..‏ لتكون احتمالات النجاح والسعادة هي الأغلب والأعم باذن الله‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:05 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الانسحاب الثاني‏!‏


بـريــد الأهــرام
42851
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
2
‏12 من صفر 1425 هـ
الجمعة




أكتب رسالتي هذه ردا ونصحا لطرفي رسالة الطريق المنحدر التي نشرتها بـ بريد الجمعة وسيتضح لك ولهما أن قصتي بدأت حيث انتهي طريقي المنحدر‏,‏ والذي بدأ بعودتي للعمل في نفس المستشفي الذي بدأت فيه حياتي العملية كطبيب بعد نحو ثماني سنوات من التنقل للخدمة بأكثر من مستشفي حسب ما تقتضيه وظيفتي وتخصصي‏,‏ فكان أن التقيت ثانية بالفتاة التي أحببتها في بداية حياتي العملية ومنعتني ظروف لا ذنب لي أو لها فيها من الارتباط بها‏,‏ وكانت تلك مشيئة الله‏,‏ إذ كيف لطبيب مبتدئ لايملك سوي مرتبه أن يتقدم لفتاة أعلي منه ماديا واجتماعيا؟ وكيف لشاب في بدء حياته أن ينجح في الارتباط بتلك الفتاة‏,‏ وقد شاء قدرها أن تترمل وهي لم تبلغ بعد الثالثة والعشرين‏,‏ وصار لديها ولدان صغيران‏,‏ وهو لايملك أي خبرة في الحياة ولا يملك أسباب القيام بأعباء أسرة كتلك أو أن يعولها؟‏!‏ فكان انسحابي المخجل رغما عني‏,‏ وبرغم حبي الشديد لها‏,‏ وكذلك برغم إيماني بضرورة وجودي إلي جانبها‏,‏ وقد آثرت أن أفسح المجال لمن يقدر ولمن يستحق‏,‏ هكذا تصورت وقتها وهكذا قررت استكمال حياتي بعيدا عنها‏,‏ وقد شاء الله عز وجل أن يرزقني بمن ترتضيني زوجا‏,‏ وجعل لي معها السكن والمودة فسارت بي الحياة بعد ذلك زوجاوأبا ورزقتي الله من فضله النجاح في العمل والشهرة في مجالي كطبيب‏,‏ حتي صارت لي عيادتي الخاصة والتي أضحت قبلة لكثير من المرضي سواء من مصر أو خارجها‏,‏ وأراد الله من فضله وبمشيئته أن أكون سببا في شفاء الكثيرين منهم‏..‏ وكانت تلك نعمة من الله من نعم كثيرة أفاض بها علي عز وجل وهي لاتعد ولا تحصي‏..‏



وبعودتي للخدمة بالمستشفي الذي بدأت به حياتي العملية وبعد بعثة بالخارج التقيت بها ثانية‏,‏ فإذا بها قد ازدادت جمالا وتألقا وقد تزوجت ثانية بعد ترملها وبعد انسحابي من حياتها‏,‏ إلا أنني قرأت في عينيها نظرة العتاب واللوم خاصة بعد أن علمت ممن حولها بمشكلاتها مع زوجها‏.‏


وهنا بدأ الشيطان وساوسه فصور لي ضرورة رفع هذا العتاب‏,‏ وأن أشرح لها ما حال بيني وبين ارتباطي بها في الماضي‏,‏ وأنني وإن كنت فيما سبق لم أستطع الوقوف بجانبها في معترك الحياة‏.‏ فإني أستطيع الآن وبما صار لي من مكانة علمية ومادية مساندتها ودعمها‏..‏ ومن هنا بدأ طريقي المنحدر والذي بالطبع لم يكن يبدو لي كذلك‏,‏ بل بدا طريقا نحو القمة وسلما إلي السماء‏,‏ وحاولت أن أفتح حوارا معها بشتي الطرق حتي نجحت‏,‏ ثم صار ذلك الحوار أحاديث طويلة حتي تقبلت عذري وتفهمت أسباب انسحابي من حياتها في الماضي‏,‏ ولم أكتف بذلك وإنما سولت لي نفسي أن أمارس معها دور الفارس النبيل الذي جاء علي حصانه الأبيض لينتشلها من متاعبها الحالية مع زوجها ومع الحياة كلها‏,‏ ويقف بجوارها‏.‏ فكان أن انفجر بركان الحب القديم في قلبي وقلبها وتجاوز هذا الانفجار حدود وضعنا الاجتماعي كزوج لأخري وكزوجة لآخر‏,‏ وكان عذرنا اننا نحاول تصحيح ماكان من قبل وإعادة المياه إلي مجاريها‏,‏ ودعني أعترف بكل مرارة وندم لعلي أكفر عن نفسي ما لن أغفره لها‏..‏ ذلك أني لم أكتف بذلك وإنما رحت أضغط عليها وأمارس معها كل الحيل التي تجعلها تميل نحوي وترفض حياتها مع زوجها متعللا أمام ن


فسي كذبا وافتراء بأنها لا تجد مع زوجها السعادة أو الحب الذي تستحقه حتي خضعت المسكينة وصارت لقاءاتنا هي محور حياتي‏,‏ وأهملت أسرتي وعيادتي وأنا في كل ذلك أمضي كالأعمي ناسيا لربي وفضله علي‏,‏ قاتلا لضميري‏..‏ وهكذا سقطت أنا وأسقطتها معي حتي صرت سلواها الوحيدة وأملها الوحيد‏,‏ ولك أن تتخيل ما كانت تفعله هذه الكلمات وهي تلقي همسا في أذني بل ويزيد عليها أنني رجلها الوحيد‏,‏ وهي التي كانت لي ذات يوم أملا بعيدا وحلما نائيا‏,‏ فإذا بها بين يدي وأمام عيني وأكثر من ذلك‏!!‏


وهنا كان لابد ــ من رحمة الله ــ أن تدركنا حتي لانتمادي أكثر في الخطأ والخطيئة وأن يجئ العقاب الإلهي الذي استحقه كل الاستحقاق ومن حيث لم أحتسب أو أتوقع‏..‏ وجاء هذا العقاب منا نحن الاثنين‏,‏ ولم يأت من غيرنا‏..‏ وبدأ بوقفة مريرة أمام نفسي وضميري‏,‏ رأيتني فيها لا أملك ما يستر خطيئتي ولايبرر فعلتي‏..‏ وإذا بزلزال عنيف يطبق السماء فوق رأسي ويضيق الأرض علي بما رحبت‏..‏ فكيف فعلت ذلك وتماديت فيه؟ وكيف غاصت أقدامي في هذا الوحل وأنا الذي أنعم ربي علي بما لا يعد ولا يحصي من النعم؟‏..‏ وكيف أوقعت بتلك المسكينة حتي سقطت معي؟‏!..‏ لايمكن أن أصف في سطور ما أنا فيه سوي أنني لا أحيا إلا بمرارة الاحساس بالذنب والشعور القاتل بالندم‏,‏ ويعلو أنيني أمام ربي في جوف الليل لعله يتقبل توبتي‏..‏ وإذا بي وأمام هذا الاستيقاظ المتأخر لضميري أجدني مضطرا للانسحاب مرة أخري من حياتها ودون أية مقدمات‏,‏ وألم المعصية يعتصرني‏..‏ وإذا بي وبفعلتي وأفعالي هذه أدمر حياتها وهي حبي الوحيد‏,‏ وينتهي بها الحال للطلاق والعودة لمعاناة ويلات الحياة وحيدة ضائعة حتي فقدت صوابها‏,‏ وحاولت الانتقام مني بفضح علاقتنا أمام زوجتي حتي في أدني تفاصيلها المخزية


‏,‏ ولكن انتقامها جاء متأخرا فقد انفصلت عن زوجتي لأنني لم أحتمل استكمال الحياة مع من لم أر منها إلا كل خير‏,‏ فكان انتقامها مجرد تأكيد لهذا الانفصال‏.‏ فكيف انتهي بنا الحال إلي هذا وقد ابتدأ بمجرد اعتقاد موهوم بأنني الصدر الحنون أو الأمل المفقود الذي يمكن أن يخفف عن إنسانة ما متاعبها في الحياة‏..‏ إنني الآن علي مشارف الأربعين من العمر‏,‏ وأشعر بأنني في نهاية العمر‏..‏ لا أري أملا أو غاية سوي عفو الله ومغفرته‏..‏ وقد أرسلت لك هذه الرسالة معترفا بكل أخطائي ومدركا تمام الإدراك أنني استحق ما أنا فيه‏,‏ بل وأراه قليلا‏,‏ ولكن الأهم والذي أرجوه هو أن تكون نصحا لكل من يقرأها لكي يحذر الوقوع والانحدار إلي ما انحدرت إليه‏,‏ ولكيلا ينتهي به الحال لما انتهي بي وبها‏,‏ وقد أرسلتها أيضا كحلقة صغيرة‏,‏ وأرجو السماح والعفو من كل من آذيتهم وتسببت في إيلامهم‏..‏


وأخيرا فإني أدعو الله القادر العظيم عز وجل أن يقبل توبتي وهو القائل سبحانه وتعالي‏:‏ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏..‏


صدق الله العظيم



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


لو تحدث أحد ساعات طويلة عن عواقب الاستجابة لهوي النفس والانحراف عن الطريق القويم‏,‏ لما استطاع أن يقنع سامعية بأبلغ مما تفعل رسالتك هذه‏!.‏ فهي تقدم لنا نموذجا مثاليا لتبعات الضعف الأخلاقي والجري وراء الأوهام والانخداع بدعاوي الحب القديم الذي انتفض فجأة كالمارد بعد سنوات طويلة من آخر لقاء‏..‏ وغير ذلك من الترهات التي يخدع بها نفسه من يضيق بالحياة العائلية الهادئة والمحترمة‏,‏ ويتوق إلي تجربة الإثارة والمغامرة والمتعة اللاذعة‏,‏ وكلها بطبيعتها مؤقتة وقصيرة الأمد مهما طالت‏..‏ولهذا قالت شاعرة أمريكية‏:‏ متعة الحب تدوم لحظة‏..‏ وشجن الحب يدوم إلي الأبد‏!‏ أي تبعاته وعواقبه‏.‏


ولنراجع معا ما حققته مغامرتك الخطيرة بإحياء العلاقة القديمة التي كانت بينك وبين سيدة لم تستطع أن ترتبط بها في بداية شبابك لأسباب مادية واجتماعية؟



لقد رأيت في عينيها كما تقول نظرة العتاب لخذلانك السابق لها وانسحابك من حياتها‏,‏ مما أدي بها بعد فترة للزواج من غيرك والشقاء في زواجها‏,‏ فقررت أن تشرح لها أسبابك‏..‏ ثم انتقلت من رفع العتاب وشرح الأسباب إلي مداعبة مشاعرها العاطفية القديمة ومحاولة إحيائها حتي استجابت لك‏,‏ فخطت بذلك خطوة واسعة علي الطريق المنحدر إياه‏..‏ ولم تكتف بذلك وإنما واصلت فحيحك وهمسك المسموم لها حتي تمادت معك في نفس الطريق الذي تقود كل خطوة عليه إلي نقطة أبعد عن الطريق القويم‏,‏ حتي وصلتما معا إلي السفح‏.‏ وحينئذ فقط استشعرت الندم علي ماكان من أمركما معا وأحسست بالذنب والإثم فانسحبت للمرة الثانية من حياتها‏,‏ وعاودت خذلانها من جديد بعد أن كانت حياتها قد تأثرت تأثرا مدمرا بعلاقتها بك‏..‏ فطلقت بعد انسحابك من زوجها‏,‏ وامتد الأثر المدمر إلي حياتك العائلية كذلك فتهدمت أسرتك الصغيرة وطلقت أنت زوجتك‏.‏


فأي ثمن باهظ لمتعة عابرة‏..‏ وإثارة موقوتة‏..‏ ومغامرة محفوفة من قبل البداية بالمخاطر؟



ولماذا وقد خلا الطريق أمامك بطلاقها من زوجها وطلاقك من زوجتك ـ التي لم تر معها باعترافك إلا كل جميل ـ لم تفكر في تصحيح الوضع الخاطئ وتعويض تلك السيدة عما خسرته بالزواج منها‏,‏ وهي التي كانت ــ كما تقول ــ حلمك القديم؟


قد تعلل ذلك بأن العلاقة بينكما قد خسرت بعد انسحابك الثاني من حياتها‏,‏ وأن مشاعرها تجاهك قد تحولت إلي العداء لك حتي رغبت في الانتقام منك بالاساءة إليك لدي زوجتك‏,‏ لكن انتقامها جاء متأخرا لأنك كنت قد طلقت زوجتك‏.‏



وقد تشعر بأنك قد أدركت بالتجربة أن ماكنت تعتقد أنه حب العمر الذي حرمت من جني ثماره في بداية الشباب‏..‏ قد تكشف لك عن وهم لا يصمد لاختبارات الحياة فعزفت عن الارتباط بصاحبته‏..‏ وقد يكون هذا السبب أو ذاك صحيحا في بعض جوانبه‏..‏ لكن هناك سببا آخر خفيا‏..‏ هو الدافع الحقيقي لك للانصراف عن فكرة الارتباط بها الآن‏.‏ إنه دافع باطني يمور في داخلك‏,‏ قد تخجل من الاعتراف به حتي لنفسك‏,‏ ذلك انك لاتثق في أعماقك في أخلاقيات هذه السيدة التي مضت معك في الطريق المنحدر حتي الهاوية وهي زوجة لرجل آخر‏,‏ ولا تأتمنها علي عرضك وشرفك واسمك‏.‏


فإذا أردت تصويرا صادقا لنوع العلاقة التي كانت بينكما حتي في أوج اشتعال الحب بينكما لما وجدت أبلغ مما صاغه الروائي الفرنسي لاكلو في روايته علاقات خطرة واصفا به علاقة مركيزة فاجرة بعشيق لها يشاركها التآمر علي مركيز شاب كان عاشقا سابقا لها وخانها‏,‏ فقال‏:‏



مثلهما مثل لصين يعملان معا‏,‏ يجمعهما تقدير متبادل من أحدهما للآخر في عمله‏,‏ لكنه تقدير لايرقي أبدا ولن يرقي ذات يوم إلي حد الثقة‏!‏


وهكذا كان الحال بينك وبين تلك السيدة خلال العلاقة وبعدها‏,‏ وهكذا هو الحال في معظم العلاقات الآثمة المشابهة التي تخون فيها زوجة وأم زوجها بدعوي الحب والضعف العاطفي‏..‏ كما أنه أيضا الدرس الحقيقي لقصتك هذه التي ترغب في أن تكون نصحا للآخرين‏.‏



إن لكل شئ ثمنا في الحياة‏..‏ للمتعة والتحلل من القيود الأخلاقية ثمن‏..‏ ولرد النفس عن أهوائها وإلزامها بالطريق القويم ثمن كذلك‏..‏ وكل إنسان يجني في النهاية ثمرة ما غرس‏..‏


إنني أرجو في النهاية أن يكون ندمك صادقا وحقيقيا‏,‏ وأن تتطهر روحك من إثم هذه العلاقة ــ السابقة‏,‏ وأن تحاول تحجيم خسائرك فيها بمحاولة السعي للإصلاح بينك وبين زوجتك السابقة‏,‏ وإعادة شملكما وأطفالكما معا‏..‏ كما أرجو أن تكثر من الاستغفار وتدعو الله كثيرا أن يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏,‏ وإثم تخبيب امرأة علي زوجها كما جاء في مضمون الحديث الشريف الذي يقول ليس منا من خبب امرأة علي زوجها أي أفسدها عليه حتي ضاقت بالعيش معه ورغبت في هجره‏.‏



والله سبحانه وتعالي في النهاية هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو وإليه المصير صدق الله العظيم الآية‏3/‏ غافر‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:08 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الأشواك الدامية‏!‏


بـريــد الأهــرام
42858
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
9
‏19 من صفر 1425 هـ
الجمعة




بعد أن قرأت رسالة الحلم المتأخر ومن قبلها الخروج من الشرنقة‏..‏ والتي وضح فيهما دور الأم المتسلطة علي ابنها ومحاربتها لفكرة زواجه‏,‏ خطر لي أن أعرض عليك نوعا آخر من التسلط‏..‏ هو تسلط الأبناء‏,‏ وأزواج الأبناء‏..‏ وأرجو أن تصدقني في كل كلمة أقولها‏,‏ لأنه ليس هناك ما يدعوني للكذب‏..‏ فأنا طبيبة من أسرة عريقة من ناحية التعليم والمركز الاجتماعي والمادي والأصل‏,‏ وفوق كل هذا وأهم منه السيرة الحسنة‏..‏ ولحسن حظي تزوجت من قريب لي‏,‏ فعشت معه بنفس الأخلاق والمباديء التي صحبتها معي من بيت والدي‏,‏ وأنجبنا ولدا وبنتا‏,‏ تربيا علي شاكلتنا‏,‏ ودارت الأيام دورتها‏,‏ وسافر ابني مهاجرا‏..‏ ثم توفي زوجي رحمه الله‏,‏ وعشت مع ابنتي‏,‏ وكان يتقدم لها الكثيرون‏..‏ ولكنها كانت دائمة الرفض لفرص كثيرة ترضيني كأم ولم أضغط عليها مطلقا‏,‏ إلي أن حدث وتعلقت بأحدهم‏..‏ وحكت لي عنه وعن عائلته ما أسعدني‏,‏ ورحبت به مبدئيا‏,‏ إلي أن بدأنا التعارف أكثر‏..‏ فوجدت كل الظروف غير مشجعة علي الإطلاق‏,‏ فالأسرة مفككة إلي أبعد الحدود ولا أحد يحترم الآخر‏,‏ وأشياء أخري كثيرة‏,‏ ودون الدخول في التفاصيل‏,‏ فقد كنا نتفوق عليهم في كل شيء‏,‏ كل شيء‏..‏ وكلما اقتربنا عائليا أكثر‏,‏ اكتشفت اتساع الهوة بيننا‏..‏ ولست أحب أن أذكر تفاصيل دعت كل من عرف بجزء بسيط منها لأن يستنكر هذا الزواج‏..‏ فرفضت الموافقة عليه‏,‏ لكن ابنتي وقفت مني موقفا عدائيا‏,‏ بدعوي أن الانسان لا شأن له بعائلته لأنه لم يخترها‏,‏ وإنما هي مفروضة عليه‏,‏ وعندما قلت لها إن كل هذا ينعكس علي الانسان بعد ذلك‏,‏ رفضت الاقتناع بمنطقي وداومت علي اتصالها بهذا الشخص‏,‏ وتمسكت به لأقصي درجة‏,‏ إلي أن قالت لي ذات يوم إنني لا أريدها أن تتزوج لأني أخاف الوحدة‏,‏ وأريدها أن تظل بجانبي‏..‏ ففوجئت بكلامها‏..‏ ولا أدري من أين أتتها هذه الفكرة‏,‏ برغم أنني كنت موافقة قبل ذلك علي أشخاص آخرين‏,‏ وكان منهم من سيأخذها للخارج معه‏..‏ لم أكن في حياتي بهذه الأنانية التي تصورني بها‏..‏ وبعد هذه الطعنة‏,‏ راحت تشير أكثر من مرة إلي أنها بالغة‏,‏ وهو الآخر مثلها‏,‏ ويستطيعان الزواج بنفسيهما‏,‏ وخفت عليها وعلي نفسي من الفضيحة‏,‏ وتعجبت كيف انحدرت ابنتي إلي هذا المستوي في التفكير‏..‏ فوجدت نفسي مرغمة علي الموافقة علي الخطبة‏..‏ وتكرر من أهل العريس المزيد من التصرفات غير المحتملة‏,‏ بعد أن وجدوا أننا قد قبلنا بالخطبة‏,‏ كل


ذلك وابنتي راضية وسعيدة‏,‏ ووقفت أمام فرحتها‏,‏ وراجعت نفسي‏..‏ لماذا أريد أن أكسر قلبها كما يقولون‏..‏ وقررت أن أتناسي كل شيء وأتجاهل ما فعله أهله‏,‏ وقلت لنفسي أليس من الجائز أنني إذا عاملت هذا الشخص كابن لي فقد يثمر هذا معه؟ وأكسبه إبنا لي وأسعد ابنتي؟ وأقسم لك بأنني كنت صادقة في نيتي هذه‏..‏ وقررت أن أقف معهما‏,‏ وأساعدهما قدر استطاعتي‏..‏ لعلهما يقدران لي هذا تقديرا معنويا‏,‏ بمعني أن أتمتع بحبهما ومشاركتهما فرحتهما‏..‏ وبدأت أشترك معهما إلي حد ما في مشاهدة الأثاث وباقي المستلزمات‏..‏ وكنت أرحب بخطيبها عند قدومه للبيت لبعض الوقت‏,‏ ثم أتركهما يتحدثان معا‏,‏ ولكني لاحظت أن نزولي معهما وجلوسي معهما يضايقهما وأنهما يتعمدان أن يتهامسا في وجودي‏,‏ وأنا انسانة حساسة‏..‏ لاأتحمل شعوري بأنني غير مرغوب في وجودي‏..‏ فبعد أيام قليلة أخذت أعتذر عن عدم الخروج معهما لانشغالي في عملي‏,‏ وعند حضوره للبيت‏,‏ بانشغالي في أعمال المنزل‏.‏ أو متابعة التليفزيون في حجرة أخري‏,‏ كما لاحظت أيضا أن هذا الشخص سريع الغضب ومعظم وقته غاضب‏..‏ لا أدري لماذا أو من من؟‏!..‏ وابنتي تمضي الساعات في محاولة استرضائه‏..‏ ووجدت أن هذه طريقته للضغط عليها حتي تنفذ رغباته‏..‏ كما أنه يكرر الكلام والآراء التي أقولها بأسلوب مختلف‏,‏ مع استعمال نفس الكلمات‏,‏ ولكن بما يجعلني دائما متهمة بأني قلت كذا وكذا‏..‏



كما أنه لاشيء يعجبه أبدا‏,‏ إلا الذي يختاره هو‏..‏ وبرغم كل هذه العيوب التي عايشتها بنفسي‏..‏ لم أر ابنتي معترضة علي أي شيء‏..‏ وبالتالي لم يكن باستطاعتي أن أعترض‏..‏ ولكني أصبت بحالة من الإحباط‏,‏ فقد لاحظت أن ابنتي ألغت شخصيتها تماما‏,‏ وأصبحت تعيش في فلكه ولا تفهم ولا تعي إلا ما يقول‏..‏ وما يقول هذا هو دائما الصواب لأنه لايخطيء أبدا‏..‏


ومرت الأيام‏,‏ وجاء وقت الزواج وتصورت أن ما كان منه من عيوب ربما كان سببه مشاكله العائلية الكثيرة‏,‏ ومنها تخلي أهله عنه تماما‏,‏ وعدم مساعدتهم له‏,‏ وأن استقراره بعد الزواج سيحسن نفسيته‏,‏ إذ إن فترة الخطبة أحيانا تكون ممتلئة بالمشاكل لأسباب مختلفة‏..‏



ويوم الزواج‏,‏ احتضنته وقبلته‏,‏ وقلت له لقد أصبحت ابنا لي بالفعل‏,‏ وكنت صادقة في ذلك تماما‏..‏ وتناسيت كل ما كان منه ومن ابنتي ومن أهله‏,‏ وقررت أن أبدأ معهما من جديد‏,‏ فابنتي كانت تدافع عن حبها‏,‏ برغم العنف والقسوة التي دافعت بها‏..‏ وانتظرت أن يقدرا لي وقوفي بجانبهما‏..‏ ومحاولة مساعدتهما قدر استطاعتي‏,‏ دون أن أشير اطلاقا إلي أي ناحية مادية‏,‏ وأنه هو شخصيا سيقدر لي أنني قبلت به برغم ما بدر من أهله‏..‏ ولكن‏,‏ بعد الزواج‏,‏ فوجئت بأسلوب التعامل معي‏..‏ فلقد أخذا في التباعد عني‏..‏ ووضعا حدودا للصلة بينهما وبيني‏..‏ مع أنني تعمدت ألا أذهب لزيارتهما بعد الزواج كما تفعل الأم‏..‏ حتي لا أسبب لهما حرجا‏,‏ لأني أحسست بقلب الأم وشعور المرأة‏..‏ بأن هناك شيئا ما‏..‏ وانتظرت من ابنتي أن تفصح عنه‏..‏ فلم تتكلم‏,‏ وأشرت من بعيد جدا لهذا الموضوع بعد نحو اسبوعين أو أكثر‏,‏ فكذبت علي‏,‏ ولم أكرر السؤال مرة أخري‏..‏ وبعد فترة قصيرة‏..‏ علمت من مصدر بعيد بأنني كنت محقة في شعوري‏.‏ وبعد رجوعهما من شهر العسل‏,‏ كنت أعد لهما الطعام وأرسله‏..‏ كما تفعل كل أم مع ابنتها العروس‏,‏ وأطلبهما مرة واحدة كل يوم أو يومين تليفونيا‏,‏ ولمدة دقائق‏..‏ لأني أعلم أنهما مشغولان بحياتهما الجديدة‏,‏ فإذا بابنتي تقول لي‏:‏ لابد ان تبحثي عن شيء تشغلين نفسك به سوانا‏!‏ ثم كرر زوجها نفس الكلمات بعدها بيوم أو اثنين‏,‏ وصدمت صدمة عنيفة لأنني لم أثقل عليهما‏,‏ ولم أدخل بيتهما‏,‏ ثم أنني امرأة عاملة وليس لدي وقت طويل من الفراغ‏..‏ ولم أتدخل أو أوجه أي سؤال شخصي لهما‏,‏ ومن يومها‏,‏ وحتي الآن‏..‏ مر أكثر من سنة ونصف السنة‏..‏ لم أرفع السماعة لأطلبهما‏..‏ بل أنتظر حتي تطلبني ابنتي‏..‏ ولا أذهب لزيارتها إلا كل شهرين أو أكثر‏..‏ أو قل في المناسبات فقط‏..‏ وهما لا يأتيان لزيارتي إلا بعد أن أطلب ذلك أكثر من مرة‏,‏ وإذا جاءت ابنتي وحدها‏,‏ لابد أن يكون عندهما مشوار مهم‏..‏ أو زيارة‏..‏ أو أي حجة بحيث يمر عليها بعد حضورها بدقائق لتنزل معه‏,‏ ولأن عمله قريب من منزلي‏,‏ فقد طلبت منه مرتين متباعدتين أن يحضرها معه‏..‏ ثم يمر عليها بعد عمله‏..‏ ولكنه يرد علي في كل مرة‏:‏ أنها مشغولة‏..‏ برغم أنها لا تعمل‏..‏ وأنا الآن لم أعد أطلب هذه الزيارات‏..‏ التي كنت أحس أنها مرغمة عليها‏..‏ وأصبحت الآن لا تأتي لزيارتي بالشهر‏..‏ برغم أن المسافة بيننا نحو ربع الساعة‏.‏ أما سياسة الرفض‏,‏ فهذا موضوع آخر‏..‏ فأي طعام أعده لهما‏..‏ فهو لا يحبه‏..‏ وهو لا يعجبه‏..‏ برغم أننا عائلة مشهورة بإجادتنا للمطبخ‏,‏ أما الملابس‏..‏ والهدايا‏..‏ وما يخص البيت‏..‏ فكل هذا أيضا لايعجبه‏..‏ إذ أن له ذوقه الخاص‏!!‏



والمشكلة الأكبر‏..‏ هي آرائي‏..‏ حتي وإن كانت في المواضيع العامة التي لا تمسه من قريب أو بعيد‏..‏ فهي دائما خطأ‏..‏ وهو متحفز دائما‏,‏ ودائم الهجوم والمهاجمة‏..‏ وبالتالي‏,,‏ لا يمكن لابنتي أن تسألني عن شيء لئلا يغضب‏,‏ وإذا احتاجت لنصيحة في أي شأن من شئون البيت‏,‏ كان عليها أن تسأل صديقاتها أو حماتها‏,‏ وأعرف بذلك‏..‏ وأحس بالانقباض في صدري‏,‏ وبالمرارة في حلقي‏,‏ لماذا كل هذا الجفاء؟ ماذا فعلت؟‏..‏ هل هكذا تكون البنت مع أمها؟‏..‏ لقد كانت علاقتي بأمي مختلفة تماما‏..‏ فقد كانت هي مرجعي في كل شيء حتي أواخر أيامها‏..‏ لكن ابنتي تتعمد أن تشعرني بالتجاهل‏..‏ وأن تنقل إلي الإحساس بأنني غير موجودة‏.‏


وبعد سنة من الزواج‏,‏ حملت ابنتي‏.‏ وكان حملها بالنسبة لي فرحة‏..‏ إذ إنني سأكون جدة للمرة الأولي‏..‏ وهنا‏..‏ قلت لنفسي‏,‏ ربما يغير هذا الحفيد ما في نفسيهما‏..‏ ربما نشترك معا في حبه ورعايته مما يقربنا بعضنا بعضا أكثر‏,‏ وقد عايشت فرحة أمي بميلاد ابني‏..‏ أول حفيد لها‏,‏ وعايشت الكثير من صديقاتي وأقاربي‏..‏ عندما صرن جدات‏..‏



ولكن‏,‏ بدأت الحرب ضدي من اتجاه آخر‏..‏ فأنا ليست لي خبرة أو فهم في أي أمر يخص الطفل‏..‏ ولا أعرف ماذا يلبس‏..‏ أو ماذا يأكل أو كيف يتربي‏..‏ وليس من حقي الاشتراك في اختيار أي شيء يخصه؟‏..‏ ثم أنهما يفكران من الآن فيمن يتولي رعايته إذا احتاجا مثلا للخروج متجهين بفكرهما إلي الأصدقاء‏,‏ متناسين وجودي تماما‏..‏ يبدو أنني لا أؤتمن علي ابنهما‏..‏ وقد أذهلني هذا التفكير‏..‏ لقد كنت في سنهما يوما ما‏..‏ ولم آمن اطلاقا علي أولادي إلا وهم في حضن أمي‏..‏ ولكنه نفس أسلوب الهجوم والتجاهل‏,‏ أو التلطيش‏..‏ الذي اعتاداه معي‏..‏ فما من مرة التقينا معا إلا وهوجمت خلالها‏..‏ وسمعت ما لا يرضيني‏..‏ أما آخر صيحة هذه الأيام‏..‏ وهي التي يرددها بكثرة‏..‏ فهي أنني لم أعرف كيف أربي ابنتي؟‏..‏ هل تعرف لماذا؟‏..‏ لقد كنت أجهز لها طعام الإفطار أيام أجازتها قبل أن أنزل إلي عملي‏..‏ وكان الواجب أن أتركها سواء تناولت افطارها أم لا‏..‏ كما تربي هو‏..‏ أما أيام الدراسة‏..‏ فلأن اليوم الدراسي طويل‏..‏ فقد كنت حريصة علي أن تشرب كوبا من اللبن قبل أن تنزل إلي المدرسة‏..‏ وهذه أيضا غلطة كبيرة‏..‏ لماذا أطلب منها أن تشرب اللبن؟‏..‏ من أجل الكالسيوم؟‏..‏ أنه موجود في أشياء أخري‏..‏ وهو يحدثني في هذا وأنا طبيبة‏..‏ أعرف أكثر منه ما ينفع وما هو ضروري‏..‏ لكن طبعا‏..‏ لا أحد يفهم غيره‏..‏ أنا أعرف سبب مهاجمته لأسلوبي الخاطيء في التربية في هذا التوقيت‏..‏ فهو يريد أن يقول لي لا تتدخلي في تربية ابني القادم‏..‏ وأنا أفهم هذا جيدا‏..‏ واستوعبه‏..‏ واعتزمه‏..‏ بل أعد نفسي له‏..‏ وكلما تمر الأيام‏,‏ تزداد الفجوة‏,‏ وتتسع الهوة حتي اسودت الدنيا كلها في عيني‏..‏ وصارت نفسي حزينة‏..‏ لم يعد شيء يفرحني‏..‏ هل هذا مصيري بعد أن أمضيت عمري كله الانسانة المحترمة العاقلة‏,‏ سواء في بيت أبي أو زوجي أو بين أقاربي وزملائي؟‏..‏



لقد أصاباني بحالة شديدة من اليأس والإحباط‏..‏ برغم أنني أفهم كل دوافعه‏..‏ وأعرف أن كل هذه عقد نقص‏..‏ وأنه يفرغ في كل طاقاته المكبوتة وكراهيته لظروفه التي لست المسئولة عنها‏..‏ لقد أخذا علي عاتقهما أن يحولا كل سبب للفرحة في حياتي‏.‏ إلي حزن وكآبة‏..‏ فإلي متي سيظل زوج ابنتي يصارع‏..‏ ما الذي يريد أن يثبته لي؟‏..‏ وحتي متي ينتقم من كل ظروفه في شخصي؟‏..‏


إنني أنظر حولي‏..‏ فلا أجد أمهات كثيرات يهتممن بأبنائهن‏..‏ وأري أبناء يتمنون لو كان لديهم من يهتم بأمرهم‏..‏ وأنا شخصيا سمعت هذا أكثر من مرة‏..‏ فكنت أفهم أن يقدر هو هذا الاهتمام الذي حرم منه شخصيا‏,‏ أما الذي يحزنني بالأكثر‏..‏ فهو موقف ابنتي‏..‏ وكيف أنها لا تستطيع التمييز ولا تذكر لأبيها وأمها أي شيء جيد فعلاه معها؟‏..‏ هل هي عقدة عند بعض الناس‏,‏ أن يتذكروا فقط بعض الهفوات‏..‏ وألا يرد إلي ذهنهم أبدا التضحيات الكثيرة؟‏.‏ إن شريط الذكريات يمر أمامي‏..‏ كيف تعبت معهم؟ كيف أنني لم أقصر أبدا في حقهم؟‏..‏ ولم أهملهم ولم أتركهم للشغالة أو للشارع‏..‏ مواقف كثيرة جدا تدور في مخيلتي‏..‏ أري نفسي فيها أما محبة‏..‏ مضحية‏..‏ وأسأل نفسي‏..‏ لماذا لا تسأل ابنتي نفسها‏..‏ هل كانت ستصير كما هي الآن لو لم أكن قد أحسنت تربيتها؟


لقد أطلت عليك سيدي‏..‏ فأرجو المعذرة‏..‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


يجب أن نوطن أنفسنا علي عدم التأثر بجلافة بعض من تفرض علينا ظروفنا التعامل معهم والتسليم بوجودهم في دائرة تعاملاتنا الانسانية‏,‏ إذ إننا مادمنا قد خبرناهم وعرفنا طبيعتهم البرية وادركنا جيدا أنها لن تتغير أو تتبدل‏,‏ فانه لا يكون من الحكمة أن نتعذب إلي ما لا نهاية بغلظتهم وفظاظتهم وجفائهم غير المبرر‏..‏ وإنما علينا أن نقصر تعاملاتنا معهم علي أضيق الحدود‏,‏ ونتفادي بقدر الإمكان أشواكهم التي تدمينا‏,‏ كما تدمي أشواك القنفذ من يربت علي ظهره غافلا عن أذاها‏,‏ أو كسب مشاعرهم أو إقناعهم بحسن نياتنا‏,‏ لأننا لن ننجح في ذلك ولن نسلم من جرحهم لمشاعرنا بتصرفاتهم الفظة وكلماتهم الدامية‏.‏


وكل ذلك ينطبق علي زوج ابنتك الذي لم يغفر لك قط سابق اعتراضك عليه كمرشح للارتباط بابنتك‏.‏ ومازال يجتر مراراته ضدك بسبب هذا الموقف‏,‏ وبسبب ما يتوهمه من رغبتك في التدخل في حياة زوجته أو السيطرة عليها‏,‏ ولو أنصف لتعامل مع سابق تحفظك عليه بتسامح أكبر‏..‏ وبفهم أعمق لدوافعك كأم تطلب لابنتها دائما الأفضل والأرفع‏..‏ وقد تصيب أو تخطيء في تقديرها لكنه يشفع لها دائما حسن النية والرغبة الصادقة في إسعاد ابنتها‏,‏ وما أكثر الأزواج الذين اعترضت عليهم أم الزوجة في البداية وتفهموا دوافعها وكسبوا حبها وثقتها وفتحوا لها قلوبهم بعد حين‏,‏ وما أكثر الأزواج أيضا الذين صدقت فيهم فراسة الأم‏,‏ واقتنعت الابنة بصواب حكمها عليهم بعد فوات الأوان‏..,‏ لهذا فلقد كان من واجب زوج ابنتك أن يقنعك بحسن معاملته لك وحثه لزوجته علي أن تصلك وتقترب منك وتستعين بك علي مواجهة أعباء الحياة‏,‏ بخطأ تقديرك السابق له‏..‏ لا أن يؤكده لك بجفائه وغلظته ونفوره وتحريضه لزوجته علي تحجيم علاقتها بأمها في أضيق الحدود‏.‏



أما ابنتك فاني أنصحك بألا تستجدي مشاعرها وبألا تظهري دائما بمظهر المتلهفة عليها التي تخطب ودها علي الدوام‏..‏ وبأن تتماسكي بعض الشيء في التعامل معها‏,‏ ذلك أن إلحاحنا بالحب والاهتمام علي بعض الأشخاص‏,‏ إن لم يصادف أهل الفضل الذين يفهمون حقائق الحياة حق فهمها‏,‏ فانه يثير فيهم البطر والنفور منا‏..‏ بدلا من أن يجتذبهم إلينا‏..‏ تماما كالدنيا التي يقول بعض الصالحين انك إذا أقبلت عليها أدبرت عنك‏,‏ وإذا ادبرت عنها أقبلت عليك‏,‏ وإن كنت لا أغفر لها تحفظها معك‏..‏ وبرود مشاعرها تجاهك‏,‏ وإبعادها لك عن حياتها حتي لتستشير الأغراب في أمرها‏..‏ ولا تلجأ إلي أمها التي ينبغي أن تكون سندها الأول في الحياة‏.‏


ولقد ذكرتني رسالتك هذه بأبيات من الشعر لشاعر عربي قديم يشكو جفاء ابنه له حتي ليتمني عليه أن يعامله كما يعامل الجار جاره إن عز عليه أن يعامله كأب‏,‏ فيقول‏:‏



تخاف الردي نفسي عليك وانها


لتعلم أن الموت وقت مؤجل


فلما بلغت السن في الغاية التي


إليها مدي ما كنت فيك أومل


جعلت جزائي غلظة وفظاظة


كأنك أنت المنعم المتطول


فليتك إذ لم ترع حق أبوتي


كما يفعل الجار المجاور تفعل



وفي عبارة كأنك انت المنعم المتطول وصف لحالة بعض الأبناء الذين يسيئون فهم عطاء الآباء والأمهات النفسي لهم ويضيقون به أو يتلقونه كارهين‏,‏ وكأنهم هم المنعمون علي آبائهم وأمهاتهم بقبوله وليس العكس‏!‏ مع أن اهتمام الآباء والأمهات بأبنائهم مهما بلغوا من العمر عطاء وتكريم متجددان لهم‏..‏ والمثل العربي القديم يقول لا يأبي الكرامة إلا لئيم والمقصود بكلمة الكرامة هو التكريم والإعزاز والتقدير‏.‏


فهوني علي نفسك يا سيدتي ولا تحزني لما تشهدينه من تلميحات جارحة عن تربية الأطفال‏,‏ وليسعد كل انسان بما يعتقده في نفسه وفي الآخرين‏..‏ ووالله الذي لا إله سواه أنك لو كنت أما مشغولة بنفسها وعملها وحياتها عن ابنتها المتزوجة لجأرت هي بالشكوي من إهمال أمها وشح عطائها الأمومي لها‏,‏ ولأيدها زوجها في شكواها هذه ورسخها في نفسها‏,‏ لكن هكذا تمضي أمور الحياة في بعض الأحيان‏.‏ فاصبري وانتظري ولسوف تحتاج إليك ابنتك وزوجها وطفلهما المرتقب في قادم الأيام‏..‏ ولسوف يجيء يوم يرجوانك فيه أن ترعي طفلهما في غيابهما لكي يخفف الزوج عن أبويه في بعض الأحيان عبء رعايته‏,‏ أو لاضطرارهما للسفر أو غير ذلك من شواغل الحياة‏..‏ والمهم دائما هو ألا تستجدي المشاعر وألا تتلهفي علي تقديم العطاء‏,‏ بحيث يزهد فيه من يتلقاه أو يتقبله في أنفة وكبرياء وكأنه هو المنعم المتطول‏!‏



رمضان رشاد 08-25-2011 06:17 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 
مشكوره علي هذا المجهود وهي احسن هديه علي العيد والاستاذ عبد الوهاب مطاوع لايختلف عليه اثنين

حسام هداية 08-25-2011 06:18 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

الفرصة الأخيرة‏!‏


بـريــد الأهــرام
42858
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
9
‏19 من صفر 1425 هـ
الجمعة




هذه ليست أولي رسالاتي اليك فقد سبقتها‏3‏ رسائل ولم تنشر‏,‏ ولقد قرأت رسالة الأمل الأبدي واريد أن اكتب تعليقا عليها وأروي قصتي انا الأخري مع زوجي‏,‏ وفي البداية فأنني مع هذه السيدة العظيمة التي ترفض ان تشاركها زوجة أخري في زوجها ولو بنسبة‏5%,‏ لأنها لم تقصر يوما ما في حق زوجها‏,‏ وكانت له نعم الزوجة‏,‏ ولأولاده نعم الأم وعانت وتحملت نزوات زوجها‏,‏ وأنتهز هذه الفرصة وأرسل عبر بريدكم رسالة الي ضمير كل سيدة تشارك أخري في زوجها هي‏..‏ لماذا تدمرين أسرة سعيدة وتكونين سببا في شقائها‏,‏ هي هل قلة عدد الرجال ؟‏!‏أنني أدعو علي كل سيدة تسرق رجلا ليس من حقها ان تتجرع نفس الكأس التي سقت منها غيرها‏,‏ اما قصتي فأنا سيدة متدينة وعلي خلق والحمد لله ومعروفة في عائلتي بلقب العاقلة‏,‏ وعمري الآن خمسون عاما وقد تزوجت منذ‏25‏ عاما بعد قصة حب وخطبة استمرت ثلاث سنوات اي ان علاقتي بزوجي عمرها‏28‏ عاما أو أكثر‏,‏ ولي منه ابن شاب خريج جامعة وابنة في بداية التعليم الجامعي‏,‏ وقد عشنا في سعادة وتفاهم دائمين وكنت ارعي الله في زوجي وأولادي‏,‏ ولن أحكي لك عن قصة الكفاح المعروفة دائما وكيف بدأنا حياتنا في منزل والد زوجي وسافرنا وتحملنا الكثير‏,‏ وانا راضية وفي منتهي السعادة لأننا نحلم معا ونحقق معا ما نحلم به‏,‏ ولم يبخل علي زوجي بأي شيء من ماله أو حبه‏,‏ وكنت أنا أتفاني معه في كل شيء الي ان تحقق لنا ما نحلم به من شقة جميلة وسيارة وأولاد يعشقون آباهم ويعشقهم هو‏,‏ الي ان دخلت حياتنا‏(‏ حية‏)‏ لاأعرف كيف استطاعت ان تسرق مني زوجي‏,‏ لكنني فوجئت به بعد‏25‏ سنة من الزواج يخبرني انه اخطأ خطأ فادحا وتزوج وسوف يصلح هذه الغلطة في أسرع وقت‏,‏ ولن أكتب الآن عن آلامي وشقائي وانهياري النفسي والأمراض التي أصبت بها‏,‏ والتي جعلت زوجي يدعي كذبا أنه‏(‏ طلق هذه الحية‏)‏ ثم اكتشفت كذب ذلك ثم طلقها مرتين بلفظ الطلاق أمامي‏,‏ وسألت أهل الافتاء هل يصح ذلك وأجمعوا علي صحة ذلك‏,‏ ولكنه كان يردها في كل مرة دون ان تعلم هي بأي شيء‏,‏ ولما اكتشفت أن العلاقة مازالت مستمرة صممت علي ان يختار بيني وبينها‏,‏ كما كان موقفي من البداية‏,‏ وكان قد مر علي ذلك سنة ونصف السنة وأمام ابني الشاب الخريج وقف زوجي وطلق هذه السيدة الطلقة الثالثة وفرحت لذلك ومضت الأيام‏,‏ واذا بي اكتشف ان علاقته بها مازالت مستمرة‏,‏ وان هذا الطلاق الأخير والذي سمعته انا وأبني كان مزيفا‏,‏ وان زوجي تعمد أن ينطق به وينفي في نفس الوقت بصوت خافت ما يقوله بصوت مسموع‏,‏ كل هذا حدث دون أن يعرف أحد من أهلنا أي شيء سوي الأخت الكبيرة لزوجي والتي كنت أقيم معها في كل مرة أكتشف فيها أن زوجي يكذب علي‏,‏ وهكذا تحولت حياتي لجحيم وانا الآن‏(‏ أقف علي حافة الطلاق‏)‏ فإما أنا أو طلاق هذه الحية‏,‏ وفي انتظار وعد جديد من زوجي الذي أصبح أسهل شيء عنده أن يعد وإلا يفي بالوعد حتي سقط من نظر أولاده ومن نظري‏,‏ لكني مازلت مصممة علي ألا يشاركني فيه أحد مهما كانت الظروف‏,‏ وانتظر الوعد الأخير والفرصة الأخيرة أمامنا لكي يستمر هذا البيت الذي بنيته علي الحب والإخلاص منذ أول يوم وكان زوجي كذلك قبل أن يتسلل اليه سم هذه الأفعي التي هي أقل مني في كل شيء‏,‏ وليست فيها أي ميزة تجعلني ألتمس له العذر في الاندفاع نحوها‏,‏ أنني أعيش اتعس أيام عمري ولكني حتي لا ألوم نفسي أو يلومني أولادي فأني اعطي هذه الفرصة الأخيرة لزوجي حتي يترك هذه الأفعي ويرجع كما كان وهو الرجل الذي تخطي الخامسة والخمسين من عمره ويشغل مركزا مرموقا‏.‏



إنني أرجو أن أواسي صاحبة رسالة‏(‏ الأمل الأبدي‏)‏ وأن تواسيني هي أيضا في صدمتي في زوجي بعد عشرة‏25‏ سنة‏,‏ وهو يعترف حتي الآن بحبه الشديد لي وتمسكه بي مهما حدث‏,‏ وكأن الحب لا يمنعه من أن يفعل بي كل ما فعل فما معني الحب اذن هذه الأيام؟‏!‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


أرجو أن ينتهز زوجك هذه الفرصة الأخيرة ويبادر بتصحيح ما تورط فيه قبل أن تتفاقم تبعاته الوخيمة وتتعقد أكثر فأكثر اذا حملت منه تلك السيدة‏..‏ فليس عارا ان يخطيء الإنسان مرة‏,‏ لكن العيب كل العيب ألا يبادر بإصلاح الخطأ والاعتذار عنه‏,‏ وهو يعرف جيدا أنه قد أخطأ في حقنا ويسلم لنا ولنفسه بذلك‏.‏ لقد كان حكيم الصين كونفوشيوس يقول‏:‏ إن من يرتكب خطأ ثم لا يقوم بتصحيحه فإنما يرتكب خطأ ثانيا‏!‏


وكذلك يفعل زوجك حين يعدك بالتخلص من تلك النزوة العابرة ثم لا يفي بوعده‏..‏ أو يضعف عن تنفيذه‏,‏ فتمسكي بموقفك وتخييره بين تسريح الزوجة الغازية لحياتك الزوجية وتسريحك أنت بإحسان وهدم حياته العائلية المحترمة وتعريض صورته للاهتزاز الشديد أمام أبنائه‏..‏ والإطاحة بعشرة‏28‏ عاما من الحب والإخلاص والكفاح المشترك وذكريات العمر وطفولة الابناء ومناسباتهم السعيدة‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:19 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

طيف الغائب‏!‏


بـريــد الأهــرام
42858
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
9
‏19 من صفر 1425 هـ
الجمعة



تعودت أن أحتفظ بصفحات بريد الجمعة لأرجع لقراءتها وأستعيد مابين سطورها بحثا عن السكينة والهدوء النفسي وتعزية لما يثقلني من هموم ومصاعب في رحلة الأيام‏.‏


فأنا أبلغ من العمر‏63‏ عاما قضيتها في صراع مع الحياة للتغلب علي الظروف الصعبة وتربية الأبناء‏.‏



وقد وفقني الله وأعانني علي أداء هذه الرسالة‏,‏ وأنهي الأبناء دراستهم وتزوج ابني الأكبر وابنتي وأخيرا ابني الثاني ياسر الذي استشهد في حادث سيارة برأس سدر في أثناء سعيه وراء الرزق بعد أن أوصدت أبواب الوظيفة أمامه‏,‏ وتخرجت ابنتي الأخري وحصلت علي ليسانس الحقوق وحصل ابني الآخر علي‏(‏دبلوم سياحة وفنادق‏)‏ والابن الاصغر علي دبلوم السيارات‏,‏ وبخروجي علي المعاش أصبحت أدير مشروعا تجاريا بسيطا استثمارا للوقت وتحقيقا لتوفير الرخاء والسعادة للأسرة لما أقدمه لهم من مساعدة بجانب المعاش‏.‏


ولقد استشهد ابني وعمره‏28‏ عاما وكان أعز الأبناء وصفوتهم لما يتميز به من أخلاق وطاعة وحب وانتماء‏,‏ وترك وراءه نهرا من الأحزان وترك الدنيا بمتاعبها وشقائها‏,‏ وكان عوني وسندي في مواجهة الأعاصير‏,‏ وكان الأمل والنور الذي نستضئ به ومميزا في تصرفاته وهدوئه وعقلانيته وذهب ليلقي ربه ومولاه ولله ما أعطي ولله ما أخذ‏,‏ وعندما قرأت رسالة اللحظات الرهيبة في بريد الجمعة‏4‏ أبريل‏2003‏ التي يصف فيها الأب اللحظات الأخيرة من وداع ابنه الراحل‏,‏ هدأت نفسي واحتسبته عند خالقه وأسأل الله أن يرزقنا الصبر عند الابتلاء وأن يعوضنا عوض الصابرين



فذكري ياسر باقية في القلب ولن تمحوها الأيام حتي انتهاء الأجل‏.‏حيث استشهد في‏2003/9/2‏ ومازالت صورته لاتفارق عيني‏,‏ وانني لأكتب اليك هذه الرسالة والدموع تنساب من عيني دون إرادة مني‏.‏


لقد رأيته في المنام ثلاث مرات وأزوره في قبره دون انقطاع وأدعو له بالرحمة وأصلي علي روحه الطاهرة ركعتين مع صلاة الفجر‏,‏ وأتصدق علي روحه‏,‏ ولكن الفراق صعب‏,‏ وتقاسمني في هذا الشعور أمه فقد كان حبها الوحيد‏,‏ وكذلك أرملته التي لم تهنأ بصحبته سوي أربعة أشهر ولا أملك الا الصبر عند الابتلاء‏,‏ إنا لله وانا اليه راجعون‏.‏



وما أطلبه منك هو أن أجد العزاء والسلوي في مواجهة هذه الصدمة وهذا الزلزال الذي أصابني في مقتل‏,‏ لقد كتبت له وصيتي قبل استشهاده‏,‏ والآن أصبحت شاردا غائبا عن وعيي بعد أن فقدت أغلي الأبناء والأخ والصديق‏.‏ وهكذا شاءت ارادة الله أن يغيب وأن يطويه القبر ويتوسده التراب‏..‏ وأن يتركني لدموع لا تتوقف وحزن لا ينضب‏.‏



ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏


قدر الله وما شاء فعل ياسيدي‏,‏ ولسنا نملك في النهاية إلا الامتثال لمشيئته والتسليم بقضائه وقدره‏,‏ ومحاولة التخفيف عن أنفسنا والاقتناع بأنه لا جدوي لاستغراقنا في الحزن‏,‏ سوي أن تضعف مقاومتنا وتنهار صحتنا وتفترسنا الهموم والأحزان‏.‏


إن من يرحلون عنا لايغيبون عنا برحيلهم عن الحياة وإنما يعيشون دوما في وجداننا‏,‏ ويشاركوننا خواطرنا وأفكارنا‏,‏ وتطوف بنا أطيافهم فتهدئ لوعتنا وتخفف حسرتنا لفراقهم‏,‏ وتجفف بعض دمعنا عليهم‏,‏ خفف الله عنك وعن أمثالك من المكلومين وعوضكم جميعا عمن فقدتم خير الجزاء‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:20 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

المشـــــوار الطويــل‏!‏


بـريــد الأهــرام
42865
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
16
‏26 من صفر 1425 هـ
الجمعة



أكتب إليك لأروي لك قصتي عسي أن يستفيد بها بعض قرائك‏,‏ وأبدأ بأن أعرفك بنفسي‏,‏ فأقول لك أنني سيدة في منتصف العمر‏..‏ نشأت في أسرة متوسطة مستورة‏,‏ وكان أبي ـ رحمه الله ـ أستاذا بأحد المعاهد الأزهرية‏,‏ وأمي مدرسة ثم ناظرة بالتعليم الاعدادي‏,‏ ولي أخوان يصغرانني‏,‏ وقد عشت طفولة سعيدة إلي حد كبير بالرغم من تشدد والدي في تربيتنا‏,‏ حيث كان يؤمن بأن الشدة مع الأبناء تزيدهم صلابة وتعدهم لمواجهة الحياة‏,‏ وأنهيت مراحل تعليمي كلها بتفوق وكذلك فعل شقيقاي‏,‏ وقبل تخرجي بشهور تقدم لي شاب يمت بصلة قرابة بعيدة لأبي‏,‏ ويعمل محاسبا بهيئة كبري‏,‏ وعرضت علي أمي الأمر فلم أستطع أن أبدي فيه رأيا محددا لأني لا أعرف هذا الشاب ولم ألتق به‏,‏ وعلي عكس تشدد أبي معنا فقد كان لا يفرض علينا شيئا في اختيارنا لنوع الدراسة أو في اختياراتنا لحياتنا‏,‏ فصارحني بأنه يوافق كأب علي هذا الشاب من الناحية العائلية والاخلاقية‏,‏ لكنه يدع لي حق الاختيار بحرية‏..‏ ثم نصحني بأن أعطي نفسي الفرصة لأتعرف عليه من خلال زياراته لنا قبل اتخاذ أي اجراءات رسمية‏,‏ وبالفعل تردد علينا هذا الشاب عدة مرات وجلست معه في الصالون تحت أنظار أبي وأمي‏,‏ وانتهيت إلي الارتياح إليه‏..‏ بل والاعجاب به أيضا‏,‏ فلقد بدا أمامي انسانا جادا وصادقا وراغبا في السعادة‏..,‏ وصارحني في أول أو ثاني لقاء بأنه يفضل أن تتفرغ زوجته لحياتها العائلية وبيتها وألا تعمل‏,‏ وصادف ذلك هوي قديما في نفسي فوافقته علي رأيه‏,‏ وخطبت إليه‏..‏ وتزوجنا بعد عام من الخطبة‏,‏ وجهزني أبي للزواج ولم يبخل علي بشيء في حدود قدرته‏..‏



وبدأت حياتي الزوجية مع زوجي‏..‏ ووجدت فيه انسانا طيبا إلي أقصي حد‏,‏ ويبحث عن الأمان والاستقرار‏..‏ ويساوره دائما شيء من الخوف من المستقبل‏,‏ وفهمت منه أن ذلك يرجع إلي نشأته كطفل يتيم حيث رحل عنه أبوه وهو في الخامسة من عمره‏..‏ وعانت أمه كثيرا لتربيته وحماية ميراثه عن أبيه من أطماع أعمامه‏..‏ وزادني ذلك حبا له وعطفا عليه‏.‏ ووضعت حملي الأول‏,‏ فكان طفلة جميلة سعد بها زوجي سعادة تفوق الوصف‏,‏ وأصبح لا يكاد يغادر البيت بعد عودته من العمل لكي يقضي معها أطول وقت ممكن‏.‏


وبعد عامين وضعت حملي الثاني فكان بنتا أيضا وبقدر فرحتي بها فلقد ساورني شيء من القلق أن يكون زوجي قد خاب أمله في أن ينجب ولدا‏,‏ لكنه لم يشعرني لحظة واحدة بذلك‏,‏ وبالغ في اظهار فرحته بالطفلة الجديدة‏.‏ وقال لي إنه يريد أن يكتفي بهاتين الطفلتين‏..‏ ولا يريد الإنجاب ثانية لكي يستطيع توفير أفضل الظروف لهما‏..,‏ ووافقته علي ذلك‏..‏ لكني في أعماقي تمنيت أن أنجب ولدا يحمي أختيه ويحمل اسم أبيه‏..,‏ وبعد عامين حملت من جديد ولم يعترض زوجي علي حملي ارضاء لي‏..‏ وأنجبت فإذا بي أنجب بنتا ثالثة‏..‏ وبكيت حين علمت ذلك‏,‏ فنهرني زوجي قائلا لي إن البنات يعمرن البيوت‏..‏ وأن من يربي ثلاث بنات ويحسن تربيتهن ويعلمهن دينهن يدخل الجنة‏..,‏ وتأكيدا لفرحته احتفل بسبوع المولودة الثالثة احتفالا صاخبا دعا إليه أبي وأمي وشقيقي وكل أفراد العائلة‏..‏



ومضت بنا الحياة هادئة وجميلة‏..‏ والزهرات الثلاث يملأن حياتنا بالبهجة والسرور والشواغل اللذيذة‏..‏ وترقي زوجي في عمله وانتدب للعمل في دولة عربية من هيئته لمدة عامين فرافقناه خلالهما‏,‏ ورفض أن يتركنا وراءه‏,‏ لأنه لا يطيق البعد عن زوجته وبناته‏..‏ وازدادت الحياة يسرا فاشترينا سيارة مستعملة‏..‏ وشقة صغيرة بالإسكندرية نقضي فيها اجازاتنا‏,‏ وبعد فترة أقامت الهيئة التي يعمل بها زوجي مشروعا لبناء شاليهات تعاونية بالاسماعيلية فاشترينا واحدا منها بالتقسيط علي عشر سنوات‏..,‏ وواصلت البنات التعليم حتي وصلت الكبري إلي نهاية المرحلة الابتدائية والوسطي إلي الثالثة الابتدائية‏,‏ والصغري إلي الصف الأول الابتدائي‏,‏ ثم سقط زوجي فجأة مريضا بمرض مزمن‏,‏ وخيم القلق والخوف علي حياتنا لأول مرة‏,‏ ودخلنا دوامة العلاج والأزمات المرضية الحادة ودخول المستشفيات لمدة عام طويل‏..‏ ثم رحل زوجي الحبيب عن الحياة وعمره لا يتجاوز الرابعة والأربعين‏..‏ وأنا في السادسة والثلاثين من العمر واسودت الدنيا أمام ناظري‏..‏


وبعد أن غادرنا الأهل والمعزون‏..‏ جلست لأفكر في المستقبل‏..‏ ووجدت معاش زوجي لا يكفي لنفقات حياتنا‏,‏ فقررت أن أواجه الواقع بغير الاستعانة بأحد‏..‏ وتذكرت شدة أبي رحمه الله معنا ونحن أطفال‏,‏ وكيف كان يقول أنه يعدنا بها لمواجهة الحياة‏,‏ واتخذت عدة قرارات أقسمت أن ألزم نفسي بها في المرحلة المقبلة‏.‏ وألا أتهاون أبدا في تنفيذها‏..‏ أولها ألا أتزوج مرة أخري بعد زوجي وألا أمد يدي إلي أحد مهما كانت الظروف والأحوال‏,‏ يستوي في ذلك شقيقاي وخالي وعما بناتي‏..‏ وثانيها بيع السيارة ووضع ثمنها في البنك بنصيب البنات ونصيبي ليساعدني عائده علي استكمال نفقات حياتي‏..‏ وثالثها اخراج بناتي من مدرسة اللغات وإلحاقهن بمدرسة حكومية وتعويض فارق المستوي بالمذاكرة لهن في البيت‏..‏ ورابعها الابقاء علي شقة الإسكندرية وشاليه الاسماعيلية لكي يساعدني ثمن بيعهما مستقبلا في تجهيز البنات للزواج حين يجيء الآوان‏,‏ مع محاولة الاستفادة منهما خلال ذلك بتأجيرهما من حين لآخر لزيادة الدخل‏,‏ أما أهم القرارات فهو ألا يعلم أحد من أهلي أو أهل زوجي بما يدور في حياتنا حتي ولو عشنا علي الخبز الحاف‏..‏ وأن نحرص دائما علي أن يكون مظهرنا لائقا أمام الجميع


‏.‏ وتحقيقا لهذا الغرض اشتريت ماكينة خياطة وحصلت علي عدة دروس في التفصيل ولم تمض شهور حتي كانت كل ملابسنا المنزلية وبعض ملابس الخروج من تفصيلي‏..‏ وأصبحت مهمتي الأساسية في الحياة هي أن أوفر لبناتي أفضل الظروف الممكنة في حدود قدرتي‏..‏ وأن أجعل أيامهن سعيدة بقدر الإمكان لكيلا يشعرن بيتمهن وحرمانهن‏..‏ وكلما لاحظت ملامح الانكسار علي وجه إحداهن ضاعفت من محاولاتي لارضائهن وتحقيق رغباتهن البسيطة‏,‏ وفي الليل أخلو إلي نفسي في حجرة نومي وأنظر إلي صورة زوجي الراحل وأستعيد ذكرياته‏..‏ ومداعباته‏..‏ ونظراته المتعلقة بي دائما وحبه لي ولبناته وتسيل دموعي‏..‏


وتوالت الأيام‏..‏ بعضها حلو وأكثرها مر‏,‏ ومرت بي مشاكل كثيرة‏,‏ وفي احدي الفترات ضاقت علي الحياة فإذا بي ـ أشعر بنقمة مفاجئة علي زوجي لأنه تركني لأحمل هذا الهم الثقيل وحدي‏..‏ وإذا بي أشعر أيضا ـ أستغفر الله العظيم ـ بما يشبه السخط علي أقداري وأتساءل لماذا كتب علي هذا العناء؟‏..‏ وفي قمة ضيقي وجدتني أتوقف عن الصلاة مع أني أواظب عليها منذ نعومة أظافري‏,‏ وأنظر إلي المشوار الطويل الذي ينتظرني لكي تصل البنات إلي بر الأمان ويتخرجن ويتزوجن وتنتهي أعبائي‏,‏ فأجده مشوارا بعيدا يصعب علي بعض الرجال أن يقطعوه فكيف أقطعه أنا‏,‏ وأنا المرأة الضعيفة؟ ومتي أضع حملي الثقيل عن كتفي وأستريح؟



وضاعف من حنقي أنني سافرت بالقطار إلي الإسكندرية لأسلم مفتاح الشقة لمستأجر يشغلها شهور الصيف علي أن أرجع لبناتي علي الفور‏,‏ فشاهدت الشواطيء مزدحمة بالسيدات والفتيات الضاحكات اللاهيات‏,‏ ووجدت المستأجر عريسا سيقضي مع عروسه‏3‏ أشهر في الإسكندرية‏..‏ وتعجبت لنفسي حين كان يجيء وقت الصلاة فأجدني جالسة في جمود ولا أتحرك للوضوء‏,‏ وشملت مشاعري السلبية كثيرين مع أن أهلي لم يقصروا معي منذ وفاة زوجي‏,‏ وكانوا دائمي السؤال عني وزيارتي‏,‏ وكثيرا ما عرض علي عما بناتي خدماتهما‏..‏ بل ومساعدتهما المادية فشكرتهما واعتذرت لهما‏,‏ وكذلك فعل مرارا خالي وشقيقاي‏..‏ واعتذرت لهم‏..‏ فلماذا إذن هذا السخط؟


وفي هذه الظروف زارتني فجأة عمتي المقيمة بالأقاليم‏,‏ وهي سيدة طيبة ومباركة‏,‏ وقد جاءت محملة بخيرات الريف كعادتها‏,‏ وقالت لي إنها رأتني في الحلم مرتين وحول رقبتي حبل ضيق‏,‏ فشعرت بالقلق علي وقررت زيارتي‏,‏ فما أن قالت لي ذلك حتي انفجرت في البكاء وارتميت علي صدرها‏.‏ وراحت هي تمسح علي رأسي وظهري وتتمتم بآيات القرآن الكريم‏,‏ حتي هدأت نفسي‏,‏ وحكيت لها عما أشعر به من اختناق وضيق وسخط‏..‏ فهدأتني وطلبت مني إحضار منقد البخور لأنها احضرت لي نوعا جيدا منه‏..‏ واحضرته فوضعت عليه البخور وفاح شذاه في الشقة‏,‏ فشعرت بشيء من الارتياح ثم أخذتني من يدي إلي الحمام وطلبت مني الوضوء ففعلت ورجعت بي إلي الصالة وأقامت الصلاة وأنا إلي جوارها فقرأت بصوتها الخاشع‏:‏ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون‏.‏ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ماتدعون‏.‏ نزلا من غفور رحيم فلم أشعر بدموعي وهي تنساب رغما عني طوال الصلاة‏..‏ وبدأت أخرج من حالتي السيئة علي يدي عمتي الطيبة التي ألححت عليها ألا تسافر في اليوم التالي كما أرادت وأن تقضي معنا بضعة أيام‏,‏ وعدت إلي الصلاة بانتظام وقراءة القرآن كل ليلة قبل النوم‏,‏ وإلي حب زوجي بلا سخط عليه لأنه لا ذنب له في شيء‏..‏ وتقبلت أقداري واستغفرت الله العظيم فيما سلف‏..‏



وقد تسألني ولماذا لم يفكر أحد من أهلك في ترشيحك للزواج من رجل يشاركك تحمل مسئولية بناتك وحياتك‏..‏ وجوابي هو أنني قد حسمت هذه المسألة منذ البداية بألا أستطيع أن أتخيل نفسي زوجة لرجل آخر عدا زوجي الراحل‏,‏ ولا أستطيع أن أضع بناتي تحت رحمة أحد غيري ومع ذلك فإن أهلي لم يكفوا طوال السنوات التالية لرحيل زوجي عن ترشيح الأزواج لي‏..‏ ولا عن تدبير لقاءات الصدفة بيني وبين بعض المرشحين إلا بعد أن تيقنوا من أنني لا أرغب بالفعل في الزواج‏.‏


وكان عزائي دائما هو أن بناتي متفوقات في الدراسة ومهذبات وجادات لا يعرفن العبث ولا يخرجن إلا معي في زيارات للأهل أو للشراء‏,‏ كما أنهن جميعا يجدن أعمال المنزل‏..‏ ويشاركنني في شئون البيت‏.‏ وقد أسعدني كثيرا أن أسمع من جاراتي وأقاربي ثناءهن علي حسن تربيتهن وأدبهن والتزامهن الديني والخلقي‏.‏



ويوما بعد يوم‏,‏ وشهرا بعد شهر تقدمت البنات في العمر والدراسة ودخلت كبراهن كلية البنات‏,‏ ولحقت بها الابنة الوسطي بعد عامين ووصلت الصغري إلي الثانوية العامة‏,‏ وفي هذه الفترة كشرت ظروف الحياة عن أنيابها وكثرت المطالب والنفقات‏,‏ فحملت كل ما أملكه من مصاغ وبعته واستعنت بثمنه علي مطالب الفتيات‏.‏ وتحملنا شظف الحياة عدة سنوات أخري حتي تخرجت الكبري وعملت‏,‏ والوسطي وعملت‏,‏ وبلغت الصغري السنة الثالثة في كليتها‏,‏ وجاء دور الكبري للزواج فجاءني زميل لها يطلب يدها‏..‏ وتأكدت من ترحيبها به فصارحته بأنني قد خصصت لكل بنت مبلغا من المال للمساعدة في زواجها‏,‏ ولن أستطيع أن أقدم لها ما هو أكثر منه‏..‏ فأكد لي أنه يتمسك بها لأخلاقها وتربيتها وليس لأي شيء آخر‏..,‏ وجاءت اللحظة المنتظرة فسعيت إلي بيع الشاليه وشقة الإسكندرية وجهزت ابنتي بنصيبها‏,‏ وزفت إلي زوجها في ليلة سعيدة‏,‏ وتنهدت بارتياح وهي تمضي إلي جوار عريسها إلي عشها الجديد‏,‏ ولم يمض أكثر من عام حتي كنت أقضي ليلتي في المستشفي لأستقبل مولودها الأول وحفيدي‏,‏ ولم تمض شهور أخري حتي تكررت نفس القصة مع ابنتي الوسطي وتزوجت زميلا آخر لها وانتقلت إلي بيتها معززة مكرمة‏..‏


وفي الصيف الماضي تخرجت ابنتي الصغري‏,‏ وكانت فرحتي بتخرجها وانتهاء مشوار الدراسة في حياتي غامرة وعصيبة واختلطت فيها الدموع بالضحكات‏,‏ وقبل أن تعمل جاءني خاطب لها علمت أنها تريده وأسعدني أنه جاهز للزواج في أقرب فرصة‏,‏ فلم أضيع الوقت وسحبت المبلغ المخصص لها وجهزتها‏..‏ وزفت إليه وفي ليلتي الأولي التي أقضيها وحدي في شقتي بعد زواج آخر البنات‏..‏ تذكرت يوم رحل عني زوجي وكبري بناتي في الحادية عشرة من عمرها وصغراهن في الخامسة وكيف تساءلت متي ينتهي مشوار تربية هؤلاء البنات وتعليمهن وتزويجهن؟‏..‏ وكيف أقدر عليه وأنا امرأة وحيدة بلا زوج ولا سند؟‏..,‏ وتذكرت كل لحظة عناء مرت بي‏,‏ وكل ضائقة بكيت لها من القهر وأنا أشعر بالعجز عن تلبية بعض طلبات البنات الضرورية كشراء بعض كتب الدراسة‏,‏ أو شراء حذاء جديد أو حقيبة يد أو ساعة‏,‏ ناهيك عن حلق ذهبي أو أنسيال أو ملابس العيد‏,‏ أو رسوم رحلة ليوم واحد مع الكلية‏..‏ الخ‏.‏



وبالرغم من أنني أعيش وحدي الآن إلا أنني لاأشعر بالوحدة ولا بالملل‏,‏ فلقد ملكت وقتي وحياتي أخيرا بعد طول انشغالي بمعركة الحياة‏..,‏ وأعيش حاليا بنصيبي من معاش زوجي بعد انقطاع نصيب البنات لزواجهن‏,‏ ونصيبي الشرعي من ثمن الشقة والشاليه‏,‏ ويومي يبدأ بثلاثة اتصالات تليفونية من بناتي نتحدث خلالها عن كل شيء وقد تستشيرني احداهن فيما تقدمه لزوجها علي مائدة الغداء‏..‏ أو في شراء بعض الملابس أو إصلاح أحد الأجهزة المنزلية‏,‏ أو أي شأن من شئون الحياة‏,‏ وقد يتكرر الاتصال عدة مرات في اليوم‏,‏ ثم أعد طعامي وأرتب شقتي وأخرج في العصر للمشي والفرجة علي الفاترينات وشراء احتياجاتي‏,‏ وبعض احتياجات البنات نيابة عنهن‏,‏ وأعود قبل الظلام‏,‏فإذا بقي وقت قضيته في القراءة والصلاة ومشاهدة التليفزيون أو في طهو شيء للبنات يحببنه لإرساله إليهن‏..‏ ولا أنام إلا بعد تلقي اتصال المساء من بناتي وتتمني كل منا للأخري أن تصبح علي خير‏,‏ وكلما وقعت عيني علي صورة زوجي الراحل أقول له في سري‏:‏ اطمئن لقد قمت بواجبي تجاه بناتك وبناتي‏!‏ وفي يوم الجمعة يجتمع الأحباب كلهم في بيتي وحول مائدتي‏..‏ ويملأ حفيدي الدنيا علينا بهجة وصخبا‏,‏ وقد أصبح لي أنا المحرومة من إنجاب الذكور ثلاثة أبناء شباب يحبونني وأحبهم‏,‏ يعرضون علي دائما خدماتهم وفي النهاية أقول لكل من تضيق عليه الحياة‏,‏ ويستصعب ظروفه الآن أن الفرج لابد أن يأتي ذات يوم لمن صبر وكافح بإخلاص في الحياة‏,‏ وأن طول المشوار ينبغي له ألا يزرع اليأس في نفوسنا‏..‏ ويجب ألا نفقد أبدا ايماننا بالله سبحانه وتعالي‏,‏ وأن نستعين به علي تخطي الصعاب وتحمل الظروف القاسية إلي أن تتحسن الأحوال‏,‏ ولقد كنت قد فكرت أن أكتب إليك هذه الرسالة تعليقا علي بعض قصص الكفاح في الحياة التي قرأتها في بريد الجمعة عقب زواج ابنتي الصغري مباشرة‏,‏ لكني شغلت بإعادة ترتيب حياتي بعد زواج البنات إلي أن جاءت اللحظة المناسبة لأكتب لك فيها هذه الرسالة‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


يقول بعض الحكماء انك إذا ضللت الطريق في الصحراء فلا تستسلم لليأس والقنوط‏,‏ لأنك إن فعلت ذلك فلقد قضيت علي نفسك بالهلاك‏,‏ وإنما واصل السير في خط مستقيم‏,‏ فان لم تصل إلي الغاية المنشودة فلسوف تصل علي الأقل إلي نقطة أفضل من تلك التي توقفت عندها حين اكتشفت انك قد ضللت الطريق‏!‏


وهكذا الحال مع الانسان في كل ظروف الحياة إن توقف وسلم بالعجز واليأس لم يبلغ الغاية‏,‏ وإن واصل السير برغم المشقة بلغ واحته المرجوة ولو بعد حين‏,‏ وإذا استهول الطريق شك في قدرته علي قطعه واستسلم للقنوط ونكص عن مواصلة المشوار‏.‏



لهذا فمن الأفضل دائما أن نواصل السير علي الدرب المؤدي إلي أهدافنا في الحياة مهما عانينا من أشواك الطريق وعثراته وصخوره‏,‏ وأن نؤمن دائما بأن عناية الله ترعانا وسوف تهدينا إلي غايتنا ذات يوم جزاء وفاقا لصبرنا وكفاحنا الشريف وسعينا لتحقيق غايات نبيلة في الحياة كتربية الأبناء وتعليمهم وتنشئتهم علي الدين والخلق والفضيلة‏..‏ إذ من أحق بعون الله سبحانه وتعالي له ممن يسعي بلا معين لتربية أبنائه وتقديمهم للحياة مثلا حية للقيم الأخلاقية والدينية‏.‏


كما أن واجبنا ألا نركز أنظارنا علي نهاية الدرب فنراها بعيدة عنا بعد الأرض عن السماء‏,‏ ويدفعنا ذلك لليأس من الحياة‏,‏ وانما علينا أن نحدد لأنفسنا أهدافا قصيرة المدي كعلامات الطريق بالنسبة للمسافر كلما بلغ احدها ازداد حماسا للوصول إلي ما بعدها‏..‏ وهكذا حتي يصل في النهاية إلي آخر الدرب‏,‏ فالاهتمام بالنهاية البعيدة خلال الرحلة الطويلة لا يحفزنا علي مواصلة السير والعطاء وإنما يفت في عضدنا ويغرس الإحباط في نفوسنا‏,‏ ولقد كان السير بادن باول مؤسس حركة الكشافة العالمية يقول‏:‏ حين نفكر في المستقبل يزداد احساسنا بهموم الحياة‏,‏ وكتب الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري ذات يوم قائلا‏:‏ ما تعبت لشيء في الحياة كما أتعب حين أفكر في المستقبل‏!‏



ولقد ذكرني تساؤلك الحسير حين اشتد بك الضيق فتساءلت متي ينتهي مشوار تربية هؤلاء البنات الثلاث وتعليمهن وتزويجهن بقصة جميلة لكاتب إنجليزي معاصر عن ثلاثة أشخاص يائسين من الحياة التقوا علي غير موعد فوق جسر لندن الشهير في ظلام الليل‏,‏ وقد جاء كل منهم مهموما بمشاكله ووقف فوق الجسر ينتظر خلوه من المارة لكي يلقي بنفسه في مياه النهر‏,‏ ويرقب بحذر شرطي الحراسة لكيلا ينتبه إلي غرضه فيلقي القبض عليه ويفسد خطته‏,‏ وفي انتظار خلو الجسر من المارة‏,‏ أشعل كل منهم سيجارة وانتظر حتي خلا المكان من المارة لكن الضوء الخافت المنبعث من سيجارة الرفيقين الاخرين أزعج كلا منهم لإشارته إلي وجود شخصين في المكان ينتظر انصرافهما‏..‏ ولما طال الانتظار تنبه كل منهم فجأة إلي أن الآخرين ربما يكونان قد جاءا إلي الجسر لنفس الغرض‏,‏ ويضيق الجميع بالانتظار ويقرر كل منهم أن يطلب من رفيقيه الابتعاد لكي يستطيع تنفيذ خطته‏,‏ ويقترب الثلاثة من بعضهم بعضا‏,‏ ويسأل كل منهم الآخر عن سبب وجوده في هذا المكان في ظلام الليل؟‏!‏ ويعترف كل منهم للآخر بالسبب الحقيقي لوجوده ويرجو صاحبيه الانصراف بهدوء ليستطيع الانتحار‏,‏ ونكتشف أن الأول شاب عاطل طالت فترة بطالته وتأخر في دفع إيجار شقته وفواتير الكهرباء والماء‏,‏ ويئس من تحسن الأحوال فقرر الانتحار‏,‏ وأن الثاني مريض بمرض مزمن ويئس من الحياة‏,‏ وأن الثالث كهل متزوج من زوجة شابة تخونه مع شاب مثلها ولا يجرؤ علي مواجهتها بالخيانة ولا علي الانفصال عنها فيقرر الانتحار‏,‏ ويتعاطف الثلاثة مع بعضهم بعضا‏..‏ ويكتشف كل منهم أنه قادر علي مناقشة مشاكل رفيقيه بمنطق مختلف عن منطق اليأس الذي ناقش هو نفسه مشاكله به‏,‏ فيتفقون علي تأجيل الانتحار يوما واحدا يعيدون خلاله التفكير في مشاكلهم بروح جديدة‏,‏ وأن يعطوا للصباح فرصة أن يطلع عليهم فلربما حمل إليهم بصيصا من الأمل في حل مشاكلهم‏..‏ وينصرف الثلاثة علي موعد للالتقاء فوق الجسر في العاشرة مساء الغد‏,‏ ويلتقي الشاب العاطل مع الكهل المخدوع في اليوم الثاني في نفس المكان‏,‏ ويصارح الشاب رفيقه أنه اكتشف أن صاحب البيت الذي يشكو منه ليس بالقسوة التي كان يتصوره عليها‏,‏ فلقد تفهم ظروفه ووافق علي إمهاله فترة طويلة لدفع الإيجار المتأخر‏,‏ وصارح الكهل الشاب بأنه قد نظر إلي مشكلته نظرة جديدة وأدرك أن الغدر هو عار الغادر وليس عار المغدور به‏,‏ وأن حبه المذل لزوجته الخائنة ليس بالقوة التي كان يظنه عليها‏,‏ ولهذا فهو يستطيع التخلص منها ولسوف يفعل ذلك في أقرب فرصة‏,‏ ويتنبه الاثنان فجأة إلي أن رفيقهما الثالث لم يأت إلي موعده‏..‏ ويطول انتظارهما له دون جدوي فيدركان أنه لابد قد رجع بعد انصرافهما وألقي بنفسه في النهر‏..‏ ومات‏,‏ أما هما فلقد نجوا من الموت لأنهما قد أعطيا الصباح فرصته لكي يحمل لهما شيئا من الأمل في تغير الأحوال إلي الأفضل ذات يوم‏..‏ وهكذا مات من استمسك بظلام الليل ونجا من تطلع إلي نور الصباح‏,‏ كما نجوت أنت من ظلام اليأس والسخط حين استرددت ايمانك بنفسك وعدت إلي ربك‏,‏ وانتظمت من جديد في الصلاة وتخلصت مما ألم بك في احدي مراحل العناء من سخط علي أقدارك وظروفك‏,‏ فأعانك الله سبحانه وتعالي علي أداء رسالتك علي أكمل وجه‏..‏ وحقق لك كل ما تمنيت لزهراتك الثلاث من نجاح في الدراسة وسعادة في الحياة بإذن الله‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:23 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

بــداية التجـربة


بـريــد الأهــرام
42865
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
16
‏26 من صفر 1425 هـ
الجمعة




أردت بهذه الرسالة ان تعرف ماتم في مشروع الرباط المقدس الذي بدأته منذ شهور الجمعية العامة لرعاية المرأة بالجيزة‏,‏ وقد كان لنشر رسالتنا في بابكم أثر واضح في إقبال القراء علينا‏,‏ وقد وفقنا الله حتي الآن في إتمام زيجتين‏,‏ وفي الطريق زيجة ثالثة إن شاء الله‏.‏ وقد تلقينا منكم عددا من الرسائل التي يطلب أصحابها الزواج واتصلنا تليفونيا بأصحابها وحضر بعضهم الي الجمعية ودون بياناته في الاستمارة التي أعددناها لذلك‏,‏ وأرسلنا لمن لم ترسل رقم هاتفها خطابا علي عنوانها‏,‏ ومن خلال المكالمات اتضح زواج واحدة من قرائكم بالفعل فسعدنا بذلك‏,‏ لكن تجربتنا حتي الآن قد كشفت لنا إحجام الشباب عن الاقبال علي نشاطنا‏,‏ حيث كان عدد الفتيات اللاتي تقدمن الينا كبيرا جدا‏,‏ وعدد الشباب وهم من سن‏30‏ الي‏48‏ سنة ضئيلا للغاية‏,‏ كذلك اتضح مغالاة الرجال في المواصفات المطلوبة من الطرف الآخر برغم أن بعضهم تجاوز الستين بكثير‏,‏ وبعضهم ممن لم يمن الله عليه بأطفال ويشترط ان تكون المرشحة للزواج منه أرملة لديها أطفال‏,‏ وليست مطلقة لديها أطفال‏,‏ ولانعرف لذلك سببا‏.‏ هذه هي حصيلة عمل شهور قليلة في هذا النشاط رأينا من حقكم علينا ان‏,‏ تعرفوها وقد تشاركوننا بعض النصح‏.‏ وشكرا لكم‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة اقول‏:‏


ملاحظتكم علي كثرة الفتيات والنساء من طالبات الزواج بالمقارنة باعداد الشباب ملاحظة سليمة‏..‏ وقد لاحظتها شخصيا خلال تعاملي مع رسائل القراء في بريد الجمعة ومع ماأتلقاه من رغبات القراء‏..‏ ففي مقابل كل عشرة فتيات يبحثن عن الزواج والأمان والاستقرار قد لايزيد ماأتلقاه من طلبات الشباب والرجال علي اثنين أو ثلاثة‏,‏ وهي نسبة مخيفة‏,‏ كما ان تفضيل بعض الرجال للأرملة ذات الأبناء علي المطلقة ذات البنين يرجع في تقديري الي اعتقادهم بأن مشاكل الأرملة أقل من مشاكل المطلقة التي يتصورون ان زوجها السابق قد ينازعها اطفالها‏..‏ أو يسعي لإعادتها إلي عصمته في أي مرحلة من العمر‏..‏ أو قد ينجح الأبناء في اعادة جمع شمل أبويهم بعد حين‏,‏ فضلا عن أن بعض الرجال لايطيقون وجود رجل آخر في الجوار كان زوجا لنفس الزوجة ذات يوم‏,‏ والي جانب مايظنه البعض من أن الأرملة كانت زوجة ناجحة لكن زواجها انتهي لأسباب قدرية لايد لها فيها‏..‏ أما المطلقة ـ من وجهة نظر هؤلاء البعض ـ فهي قد تتحمل جانبا من المسئولية عن فشل زواجها بما ينبئ بأنها قد لاتكون زوجة ناجحة‏..‏ وكلها ظنون وأسباب لاتصمد للمنطق ويمكن دحضها بسهولة‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:27 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

العجلة الدوارة‏!‏





بـريــد الأهــرام
42872
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
23
‏3 ربيع الأول 1425 هـ
الجمعة



قررت بعد تردد طويل أن أروي لك ولقرائك قصتي‏,‏ فأنا سيدة في منتصف العمر نشأت في أسرة متوسطة‏,‏ وكنا خمسة من الأبناء يكافح والدنا لتوفير سبل الحياة لنا بمرتبه من عمله كموظف كبير‏,‏ وبرغم اجتهاده فلقد كنا كثيرا ما نشعر بجفاف الحياة‏,‏ وحين شببنا عن الطوق زادت مطالبنا‏,‏ وازداد شعوري أنا بالذات بما ينقصني فلقد كنت الابنة الكبري‏,‏ وكنت أنظر حولي بالكلية فأجد من ترتدي كل يوم فستانا جديدا‏,‏ ومن تأتي بسيارة والدها أو بسيارتها‏..‏ ومن تتحدث عن رحلات الصيف والشتاء‏..‏ وأنا أعيش حياة متقشفة‏,‏ ولا تسمح إمكانات أبي المادية لي إلا بشراء فستان كل حين‏,‏ كما أننا لا نعرف المصايف ولا المشاتي‏,‏ وأقصي رحلة لنا كانت إلي بلد أبي بالأقاليم في المناسبات الاجتماعية كالأفراح أو التعازي‏,‏ ونتيجة لذلك‏,‏ وأشياء أخري في حياتي‏,‏ ولأنني جميلة وكنت شديدة الاعتزاز بجمالي تعلقت روحي بحلم الزواج من رجل ثري يوفر لي كل امكانيات الحياة المادية‏..‏ ويغنيني عن التفكير في النقود باستمرار‏.‏ وهكذا وضعت لنفسي مقاييس متشددة بالنسبة لمن سوف أرتبط به‏..‏ وعزفت عن الاستجابة لمحاولات أي شاب من زملاء الكلية أو الجيران للارتباط العاطفي بي‏..‏ واعتبرتها كلها عبث أطفال لا يبشر سوي بالعناء والحمل والإنجاب وتدبير شئون البيت بجلباب ممزق قديم‏,‏ ومرتب أو دخل لا يكفي إلا للأساسيات‏,‏ ولا يتيح أي فرصة للترفيه والرخاء‏,‏ ومضيت في طريقي بإصرار‏,‏ فصددت أكثر من شاب حاول التودد إلي ولم أجد في ظروفهم ما يغريني بالتفكير في أمرهم‏..,‏ وقسوت بشدة علي شاب منهم كان يعاني بوضوح من حبه لي‏,‏ وحاول بكل الطرق استمالتي نحوه‏..‏ ووسط لدي كثيرين ومنهم أخته‏..‏ التي حاولت استعطافي وإقناعي بقبوله لكي يتقدم لأسرتي طالبا يدي‏,‏ فلم أتزحزح عن موقفي وقلت لها بصراحة إن شقيقها لا يرضي طموحي‏,‏ ولن يعدني الارتباط به سوي بالفقر والعناء إلي ما لا نهاية‏..,‏ وصدمت الفتاة صدمة كبيرة فانصرفت عني‏,‏ وكف شقيقها بعد ذلك عن التودد إلي‏..‏ وابتعد عني تماما‏.‏



وهكذا أنهيت دراستي دون أن ارتبط بأحد‏,‏ وعملت‏,‏ ومضت بضع سنوات رفضت خلالها أكثر من عريس لنفس السبب حتي غضب أبي‏..‏ وثارت أمي علي‏,‏ وقالت إن الأغنياء لا يتزوجون إلا من هم في مستواهم المادي‏,‏ وأنني سأحكم علي نفسي بالوحدة إذا استمررت في رفضي لفرص الزواج المعقولة‏,‏ وساء موقفي أكثر حين خطبت أختي التي تصغرني لشاب عادي أحبته وأحبها‏..‏ وبدآ يستعدان للزواج وبسبب نظرات الأهل لي في حفل زواج أختي رضخت كارهة لأمي حين عرضت علي شابا من أسرة طيبة وظروفه أفضل من ظروف عريس أختي‏,‏ لكنه ليس الفارس الثري الذي كنت أنتظره وتزوجنا بعد عام من الخطبة‏,‏ وأقمنا في شقة لا بأس بها في مدينة نصر‏,‏ في حين أقامت أختي في شقة بحي شعبي‏..‏ وبدأت حياتي الزوجية وأنا بين الرضا عن أن ظروفي أفضل كثيرا من ظروف أختي‏,‏ وبين السخط لأن زوجي في النهاية ليس ثريا ولا يملك إلا سيارة صغيرة متهالكة لاتساوي شروي نقير‏..‏


ومضت بنا الأيام وأنجبت ولدا وبنتا‏..‏ وتقدمت في عملي وتقدم زوجي في عمله‏,‏ وبالرغم من ذلك فلقد ضاقت حولي ظروف الحياة مع نفقات الطفلين ومدرستهما وتكاليف الحياة‏..‏ ولم أقصر في إشعار زوجي منذ البداية بأنه لم يكن طموحي الذي تطلعت إليه وأنا طالبة بالكلية‏..‏ وبأنه لم يحقق لي ما كنت أتمناه لنفسي من حياة رغدة ومريحة لا أحمل فيها هما للنقود‏,‏ ولا أمسك فيها ورقة وقلما لأحسب لكل شيء حسابه قبل الإقدام عليه‏..,‏ وكان زوجي يحزن في صمت حين أشعره بذلك ولا يخطيء في حقي أبدا‏,‏ وإنما يفاجئني بعد بضعة أيام بأن يضع في يدي مبلغا إضافيا من النقود حصل عليه من عمل إضافي أو من الحوافز في عمله‏..,‏ وفي بعض المرات اكتشفت أنه اقترضه من شقيقه‏!‏ وكل ذلك لكي أرضي‏..‏ وأكف عن التذمر والشكوي من ضيق الحال‏.‏



واستمرارا لمحاولاته لإرضائي حصل لنا علي عضوية ناد اجتماعي راق ليس بعيدا عن مسكني‏,‏ ودبر مصاريف الالتحاق به من أعمال خارجية‏..,‏ وبدأنا نتردد عليه ونقضي فيه يوم الجمعة من كل اسبوع‏..,‏ وبدأت أشعر بأن جزءا بسيطا من الحلم القديم قد تحقق‏,‏ وإن كان هناك الكثير الذي مازال بعيدا‏,‏ وفي هذا النادي أصبحت لنا صداقات جديدة‏..,‏ وكانت أهمها صداقتي لسيدة تعرفت عليها في حديقة النادي واستراحت كل منا للأخري‏,‏ وأصبحنا نقضي معظم وقتنا في النادي معا في غياب الزوجين‏.‏ وبالطبع فقد تعرفت علي زوجها وتعرف زوجي عليه‏,‏ وحدث شيء من التقارب بينهما ولاحظت من البداية علي صديقتي الجديدة أناقتها وملابسها الغالية‏..‏ وحسن اختيارها لها‏,‏ وسألتها ذات مرة بطريقة عابرة عن ثمن تايير جميل ترتديه‏,‏ فعرفت أنه يساوي مرتب زوجي في شهر‏..‏ فبلعت ريقي بصعوبة‏..‏ وفي المساء حكيت لزوجي القصة وأسمعته بضع كلمات ساخرة‏..‏ فاكتأب وقال حانقا إنه لا يعرف ماذا يفعل لكي يرضيني‏..‏


وتعمقت الصداقة بيني وبين صديقتي الجديدة وتبادلنا الزيارات‏,‏ وانبهرت بمسكنها الفاخر في شقة من دورين بعمارة فاخرة‏..‏ وبأثاثه الثمين والتحف الغالية الموزعة علي جوانبه‏..,‏ وترددت في دعوتها وزوجها إلي مسكني المتواضع‏,‏ لكنه لم يكن هناك مفر من رد الدعوة‏,‏ فدعوتهما واجتهدت قدر طاقتي في تجميل البيت وتزيينه وتنظيفه‏..‏ عند زيارتهما لنا‏.‏



وشيئا فشيئا وجدتني أتساءل‏:‏ أليس ما تعيشه صديقتي هذه هو ما كنت أحلم به لنفسي وأنا فتاة؟‏.,‏ وماذا تمتاز به عني لكي تفوز به دوني‏..‏؟ أنني أجمل منها كثيرا بشهادة الجميع‏..‏ بل وبشهادة نظرات زوجها المنبهرة لي منذ أول لقاء‏,‏ كما أن ظروفها العائلية مماثلة لظروفي‏,‏ ولم يكن والدها ثريا ولا هي وارثة لمال‏..‏ وكل ما تنعم به من عز بفضل زوجها رجل الأعمال‏,‏ ناهيك عن سيارتها الحديثة الخاصة ومدرسة الأولاد باهظة الرسوم‏..‏ والشغالة التي تتقاضي ما يزيد علي نصف مرتب زوجي‏,‏ والمجوهرات والملابس الفاخرة التي ترتديها‏...‏ الخ‏.‏


وبدأت أشعر بالغيرة الشديدة منها وبالسخط الأشد علي زوجي برغم أنه يشقي في العمل وفي الحياة لتلبية مطالبي‏..‏ وكثرت الاحتكاكات بيني وبينه‏,‏ وكثرت شكواي منه لصديقتي‏..,‏ وازدادت نظرات زوجها إلي عمقا وجرأة‏..‏



وفي لحظة ضيق بكل شيء أعطيته الاشارة لكي يخطو الخطوة الأولي‏,‏ فلم يتردد وبدأت الاتصالات الهاتفية بيننا بطلب خدمة منه أداها بحماس علي الفور‏,‏ ثم بالشكوي من زوجي وخلافاتي معه‏,‏ إلي آخر المعزوفة إياها‏,‏ التي تعرفها كل امرأة تريد أن تفتح الباب لطارق جديد‏,‏ وانتهي الأمر باعترافه بحبه الشديد لي ومجاراتي له في الاعتراف‏,‏ مع تحفظ واحد من جانبي هو رفضي النهائي لأي تلامس بيننا إلا في الحلال‏!‏ واستمر الحال بيننا علي هذا النحو طيلة عام كامل أغدق علي خلاله بالهدايا الذهبية التي أخفيتها عن الأنظار‏,‏ وكثرت خلاله الخلافات بين صديقتي وزوجها وانتهي الأمر بينهما بالطلاق الودي وبقاء الطفلين مع أمهما في نفس المسكن الفاخر مع منحها نفقة شهرية سخية‏,‏ وطالبني الرجل بالطلاق من زوجي لكي يتزوجني وفاء لوعدي له إذا طلق زوجته‏..‏ وبدأت معركتي مع زوجي للحصول علي الطلاق‏..‏ وخضت أهوالا كثيرة معه‏..‏ ومع أهلي وصلت إلي حد محاولة الانتحار بقطع شرايين يدي وإنقاذي في اللحظة الأخيرة‏..‏


واستسلم زوجي في النهاية فطلقني‏..‏



وبعد انقضاء شهور العدة تزوجت زوج صديقتي‏,‏ وأقمنا في شقة أخري اشتراها لي في نفس الحي‏,‏ وإن لم تكن بنفس مستوي شقته الأولي‏..‏ وبدأت أعيش الحياة التي طالما تمنيتها فاستقلت من عملي‏..‏ واشتري لي زوجي سيارة جديدة‏,‏ وملابس كثيرة ومجوهرات‏..‏ وعرفت لأول مرة الإقامة في فنادق الخمس نجوم‏,‏ والسفر إلي الغردقة والساحل الشمالي‏,‏ بل وإلي أوروبا ذات مرة‏..,‏ وغرقت في العز والنقود والحب الذي يغمرني به زوجي‏,‏ فلم ينغص علي حياتي سوي شيئين‏:‏ بعدي عن الطفلين واشتياقي لهما‏,‏ وقد كنت أعالج ذلك برؤيتهما في بيت أمي من حين لآخر‏,‏ ثم فراغة عين زوجي وغيرتي الشديدة عليه وخوفي من أن تسرقه مني امرأة أخري‏,‏ كما أخذته أنا من زوجته‏,‏ فهو ضعيف أمام النساء الجميلات‏,‏ وكثيرا ما احترقت بنار الغيرة كلما سمعت عن اهتمامه بامرأة من المتعاملات معه‏..,‏ وأصبحت حياتي مطاردة مستمرة له بالتليفون والسيارة‏..‏ وكبسات مفاجئة له في مكتبه أو النادي أو مطاعم الفنادق الكبري‏,‏ ثم صراخا وعويلا وضربا متبادلا ودما ينزف مني ومنه ويلوث ملابسنا‏..,‏ وفي كل مرة أصرخ فيه‏:‏ تخونني وأنا التي تركت زوجي وأولادي من أجلك؟ فيجيبني في حمأة الغضب بأنني تركتهم من أجل الفلوس قبل أن يكون من أجلي‏!..‏ وبعد تبادل الاتهامات والإهانات والشتائم‏..‏ نهدأ أو أهدأ أنا علي الأصح وأبدأ بمصالحته‏..‏ وأتذكر بمرارة أنني عشت مع زوجي الأول تسع سنوات لم يرفع خلالها صوته مرة واحدة علي ولم يجرحني بكلمة‏.‏



وتواصل الحياة طريقها‏,‏ وأعوض قهري بشراء المزيد من المصوغات الذهبية والألماسية والملابس‏,‏ وزيارة ابنتي وابني اللذين ألاحظ في كل مرة أنهما يزدادان بعدا عني وجفاء صامتا لي‏,‏ وأتهم والدهما بأنه وراء ذلك‏,‏ فيقسم لي صادقا بأنه لم يقل لهما كلمة سوء واحدة عني‏..,‏ وتوالت الأحداث فتزوج زوجي السابق من فتاة لم يسبق لها الزواج من أقاربه‏,‏ وانتقلت ابنتي وابني للحياة مع جدتهما لأبيهما‏..‏ وازدادا نفورا مني ولوما صريحا لي‏,‏ لأنني كما قالت ابنتي ـ سامحها الله ـ جريت وراء الفلوس علي حساب سعادتهما واستقرارهما بين أبويهما‏!‏ وبرغم حزني لجفاء مشاعرهما تجاهي‏,‏ فقد كنت أمني نفسي بأنني سأستطيع أن أكسب مودتهما بما أعطيه لهما من نقود خاصة حين يكبران وتزداد أهمية النقود في حياتهما‏,‏ ولكن حياتي ازدادت تعقيدا بزواج زوجة زوجي الأولي من رجل ممتاز وسفرها معه إلي مقر عمله بإحدي الدول العربية‏,‏ فأصبح لزاما علي كما طالبني زوجي أن أضم ابنه وابنته إلي حضانتي لينشآ مع أخيهما الذي أنجبته منه‏.‏ وبدأت مرحلة جديدة من المتاعب والمشاكل‏,‏ فالولد والبنت وخاصة البنت ـ يكنان لي كراهية صامتة شديدة‏..‏ وزوجي لايتحمل أية شكوي منهما ويتهمني علي طول الخط بضيقي بهما واساءة معاملتهما‏,‏ ويهددني بهدم البيت إذا شكا أحدهما مني‏.‏ وزاد الطين بلة أن تعثرت فجأة في هذه الفترة أعمال زوجي فنقصت السيولة بين يديه‏..‏ وأخذ مني سيارتي وباعها‏,‏ وأخذ مني معظم مجوهراتي وباعها‏,‏ وباع كذلك الشقة الفاخرة الأولي التي كنت أتطلع للانتقال إليها لكي تتسع للأولاد الثلاثة‏,‏ ووجدتني بعد قليل أكاد أعيش في ظروف مشابهة لظروفي مع زوجي الأول مع اختلاف مهم هو أنني كنت معه موضع الإعزاز والحب والتكريم والاسترضاء باستمرار‏,‏ في حين أنني مع زوجي الثاني موضع السخط واللوم والغضب في معظم الأحوال‏.‏



وتعلقت بالأمل في تحسن أحوال زوجي وتجاوزه لأزمته بعد قليل كما يحدث مرارا في حياة رجال الأعمال‏,‏ وصبرت علي ظروفي الجديدة كارهة‏,‏ فإذا بالصواعق تنقض فوق رأسي واحدة بعد أخري‏..‏


فلقد فوجئت ذات يوم بعشرة رجال يطرقون الباب ويسألون عن زوجي‏,‏ ولم يكن موجودا فلم يتورعوا عن تفتيش الشقة بحثا عنه‏..‏ وسألت عن السبب فقيل لي إنهم ضباط ومخبرون بوحدة تنفيذ الأحكام وأن زوجي قد صدرت ضده عدة أحكام نهائية بالسجن في قضايا شيكات بدون رصيد‏!‏ وانهرت مغمي علي فأمسك بي الضابط قبل سقوطي علي الأرض‏.‏



وتكررت زيارات ضباط الوحدة للبيت وللعمل وللنادي‏,‏ بحثا عنه وأصبح زوجي يختفي بالأيام‏,‏ ثم يأتي فجأة بعد منتصف الليل ويقضي معنا ساعات وينصرف مع الفجر‏..‏ فلا أراه إلا بعد أيام أخري‏,‏ وظل الحال هكذا لما يقرب من سنة تصالح خلالها مع بعض أصحاب الشيكات وعجز عن التصالح مع البعض الآخر‏,‏ ثم ضبطته وحدة التنفيذ في أحد الفنادق فساقته إلي السجن‏!‏ وهو الآن يقضي فترة العقوبة‏..‏ ومجموع الأحكام الصادرة عليه سبع سنوات وأتردد عليه في مواعيد الزيارة‏..‏ وأدوخ بين ضباط السجون والعساكر للحصول علي تصريح بزيارته زيارة خاصة في مكتب المأمور وليس من وراء الأسوار‏..,‏ وأحمل له الطعام والحلوي‏..‏ وأعيش أنا وابني منه بمبلغ بسيط كنت أنفقه أيام العز في‏3‏ أيام ويعطيه لي شقيق زوجي أول كل شهر‏,‏ وهو يكاد يرميه في وجهي ولسان حاله يقول بغير كلام‏:‏ إنني قدم الشؤم علي شقيقه‏,‏ أما ابنة زوجي وابنه فقد رفضا العيش معي بعد سجن والدهما وضمهما عمهما إليه إلي حين خروج أبيهما‏,‏ وفي هذه الظروف الكئيبة كنت أقف مع طفلي الصغير أمام النادي أنتظر سيارة ميكروباص لكي نرجع إلي البيت حين لمحت عن بعد صديقتي السابقة زوجة زوجي الأولي تنزل من سيارة مرسيدس فاخرة أمام النادي ورجل الأمن والبواب يقفان احتراما لها ولزوجها ويتبادلان معهما الابتسام والتحية‏,‏ فأسرعت بادارة وجهي للناحية الأخري حتي لا تلمحني‏..‏ وانتظرت حتي دخلت النادي قبل أن أشير لسيارة ميكروباص قادمة‏,‏ وقلت لنفسي أنه يبدو أن للعز أناسا يجدونه تحت أقدامهم دائما حينما يمشون‏,‏وان للفقر والعناء أناسا آخرين لايجدون سوا هما كلما سعوا في الأرض‏!‏



وعدت إلي البيت مكتئبة وساخطة‏..‏ وأنا أفكر في أنني كنت أحيا حياة مستقرة وهادئة مع زوجي الأول فلماذا لم أرض عنها ولم أسعد بها‏..‏؟ وماذا جنيت من الجري‏,‏ علي حد تعبير ابنتي وراء الفلوس سوي بعد ابني وابنتي عني وجفائهما لي وفقدي لهما ولزوجي الأول ولحياة الكرامة والإعزاز والأمان معه؟


إنني وبعد ثماني سنوات من زواجي الجديد تمرغت خلالها في العز لمدة ستة أعوام وقلبت لي الدنيا ظهر المجن خلال عامين‏,‏ أقول لنفسي ولكل النساء والفتيات إنني قد خسرت زوجا كان يحبني ويحترمني ويقبل الأرض تحت أقدامي‏,‏ ويبذل كل ما في وسعه لإرضائي‏,‏ وخسرت ابنتي وابني وهما لا يقدران بمال وخسرت الكرامة والأمان والاستقرار وراحة البال وكل ذلك لأنني لم أكن قانعة بحياتي مع زوجي الأول ولم أرض عنها بالرغم من أن كثيرات غيري كن يتمنين حياة مثلها‏..‏ ولأنني تطلعت إلي ما لم يكن من حقي الحصول عليه واغتصبت زوج صديقتي السابقة ونفست عليها حياتها معه وثراءه‏,‏ ورأيت انني أحق به منها‏,‏ ولم يردني ضميري ولم يمنعني قلبي كأم من الإقدام علي ما أردت ولم أتوقف لحظة أمام حق زوجي وأبنائي علي‏,‏ ولا أمام حق صديقتي وحق أبنائها‏..‏ فدبرت خطف زوجها‏..‏ وانبهرت لفترة قصيرة بالثراء ثم توالت الكوارث‏.‏ إنني أعرف أن رأيك في سيكون قاسيا‏..‏ وأنك ستنهال علي باللوم‏,‏ لكني أردت بالرغم من ذلك أن أروي لك قصتي لكي أتطهر من بعض جريرتي‏..‏ ولكي أسألك ألا يغفر لي الله ذات يوم طمعي وسخطي علي حياتي السابقة‏..‏ وسرقتي لسعادة امرأة أخري كانت ذات يوم صديقة لي‏..‏ وماذا أفعل لكي يرفع الله عني مقته الذي يحيط بحياتي من كل الجوانب الآن؟



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


كان القطب الصوفي ابو بكر الشبلي يقول‏:‏ أن الزهد هو خلو القلب مما خلت منه اليد‏!.‏


وبذلك يكون الطمع بالمفهوم العكسي هو انشغال القلب بما في أيدي الغير مما تخلو منه اليد‏!‏



وأحسب يا سيدتي أن هذا كان حالك حين نفست علي صديقتك السابقة زوجها الثري وحياتها المرفهة وعيشتها الراضية‏..‏ فلم تفعلي كما يفعل الصالحون‏,‏ وهو أن تتمني لنفسك مثل حياتها وتدعي الله سبحانه وتعالي أن يوسع علي زوجك رزقه‏,‏ بحيث يكفل لك ما تشتهي نفسك من حلال‏,‏ وانما تطلعت إلي انتزاع ما في يد صديقتك والاستئثار به دونها‏..‏ فكان ما كان من أمرك‏..‏ وظننت أنك قد فزت بما تستحقين من حياة ناعمة ومال وفير‏..‏ وحققت ما كنت دوما ترين نفسك جديرة به‏..‏ والحق أنك كنت الخاسرة منذ البداية‏,‏ وليس فقط بعد تغير أحوال زوجك المادية في العامين الأخيرين‏,‏ فلقد خسرت ما لا يعوض بمال إذا فقده الانسان‏,‏ وهو حب ابنيك لك وارتباطهما بك‏..‏ وخسرت زوجا محبا عطوفا لم يكن يكل عن استجداء مودتك واسترضائك بكل الحيل‏..‏ ويحسن عشرتك ويحترمك‏,‏ وخسرت بكل تأكيد تأييد أهلك الأقربين لك بطلاقك منه وتمزيق ابنيك بينكما وثقة أهل زوجك الثاني الذين لن يغفروا لك تمزيق ابنيه بين أبويهما وبين بيوتهم‏..‏ ناهيك عن احترام الآخرين واحترامك أنت شخصيا لنفسك‏,‏ خاصة حين تكشفت القصة في النهاية عن عناء لا يقل وطأة إن لم يزد عن الحياة التي تمردت عليها في ظلال زوجك الأول وطفليك‏.‏



لقد تجددت مراراتك حين رأيت صديقتك السابقة تنزل من سيارة مرسيدس فاخرة مع زوجها الجديد‏..‏ وأنت تقفين في الطريق في انتظار سيارة ميكروباص‏,‏ فتساءلت أحقا أن هناك من البشر أناسا يسعي الخير إليهم أينما يحلوا‏,‏ وبشرا‏..‏ يفر منهم الخير أينما يسعوا؟ وجوابي هو أن الله سبحانه وتعالي هو الرزاق الكريم‏,‏ وأننا لو جرينا في الدنيا جري الوحوش فلن ننال في النهاية إلا ما كتبه الله لنا‏..,‏ فإذا كنت تتعجبين كيف انتقلت صديقتك السابقة من حياة رغدة مع زوجها الأول إلي حياة أكثر رفاهية مع زوجها الثاني‏,‏ مع أنها أقل منك جمالا وأقصر باعا‏,‏ فلعلي أذكرك بأن الله سبحانه وتعالي قد أقسم في الحديث القدسي المرفوع بعزته وجلاله لأرزقن من لا حيلة له حتي يتعجب أصحاب الحيل أي حتي يعرف الجميع أنه وحده الرزاق المنعم‏..‏ وأن ثراء أي انسان أو نجاحه أو توفيقه في عمله برغم اجتهاده ليس راجعا إلي حيلته وحدها وإنما إلي أن الله سبحانه وتعالي قد أذن له أيضا بنجاح مسعاه ونيل ثمرته‏,‏ وبارك له في رزقه وفي حياته‏,‏ وتأكيدا لذلك فقد يغمر الله سبحانه وتعالي برزقه من لاترشحه قدراته للمنافسة في أي سباق‏,‏ وقد يقدر علي بعض ذوي الحيل والذكاء رزقهم فيعيشون في كبد حتي يأذن الله بتغير الحال‏.‏ لقد ذكرتني قصتك وعودتك إلي الحرمان بعد الرخاء كما يرجع مؤشر عجلة الحظ الدوارة إلي نقطة البداية بعد طول الدوران‏,‏ بالخرافة التي كتبها الحكيم الاغريقي ايسوب عن الأسد الجائع‏,‏ الذي رأي أرنبا نائما فهم بالتهامه ليسد به جوعه‏,‏ وقبل أن يفعل رأي غزالا قريبا‏,‏ فقال لنفسه إن لحم الغزال أطيب وأوفر‏,‏ ويكفي لسد غائلة جوعي ويفيض‏,‏ فانصرف عن الأرنب وطارد الغزال لينقض عليه‏..‏ وصرخ الغزال حين رأي الأسد صرخة مدوية واندفع جاريا بسرعته الشديدة‏,‏ والأسد يلاحقه إلي أن طالت المطاردة‏,‏ وابتعد الغزال كثيرا وأدرك الأسد أنه لن يلحق به فعاد أدراجه وقد قرر أن يكتفي بالأرنب‏..‏ فإذا به لا يجده في مكانه ويتلفت حوله باحثا عنه دون جدوي فيدرك في النهاية أن صرخة الغزال والأسد يطارده قد أيقظته من نومه فأسرع بالفرار‏!‏ وهكذا خسر الغزال‏..‏ والأرنب معا‏..‏ وظل الأسد يكابد جوعه‏!‏



فإذا كنت تتساءلين في ختام رسالتك وبنص كلماتك‏:‏ ألا يغفر الله لك‏,‏ طمعك وسخطك علي حياتك السابقة وسرقتك لسعادة امرأة أخري‏..‏ وماذا تفعلين لكي يرفع الله عنك مقته وغضبه اللذين تشعرين بهما في حياتك الخاصة الآن؟ فاني قبل أن أجيبك علي هذه التساؤلات أضيف إليها سؤالا آخر يبدو أنك قد نسيته في غمرة ضيقك بظروفك الحالية وهو‏:‏ وألا يغفر الله لي أيضا خيانتي لزوجي وأنا أحمل اسمه ومؤتمنة علي شرفه مع رجل آخر متزوج وله أبناء‏,‏ وتدبيري معه طلاقي من زوجي وطلاقه من زوجته وهدم أسرتين وتمزيق‏4‏ أبناء لكي يجتمع شملنا تحت راية أطماع الدنيا الزائلة‏:‏ هو في جمالي وأنا في ماله؟


هذا هو السؤال الناقص وجوابي عليه وعلي غيره من التساؤلات أن الندم الصادق من القلب ونتيجة لتغير الفكر وليس تغير الظروف يفتح دائما باب التوبة والمغفرة‏..‏ مع كثرة الاستغفار ومع النية الصادقة علي التطهر من الآثام‏,‏ وعدم العودة إليها مرة أخري‏,‏ ومحاولة تصحيح الأخطاء‏,‏ وأداء الحقوق‏,‏ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما



وبهذه المناسبة فانك تعيشين وحدك الآن مع طفلك الصغير‏,‏ فلماذا لا تفكرين في ضم ابنيك من زوجك السابق إليك ولو في فترة غياب زوجك عنك وبعد استئذانه في ذلك‏,‏ لكي تعويضهما عن بعض ما حرمتهما منه ولكي يقتربا من أخيهما الصغير‏..‏ فيكون ذلك بداية تعويض تقصيرك في حقهما؟ نعم ـ لماذا لا تحاولين ذلك حتي ولو رفض الابنان أو أهلهما في البداية‏,‏ ذلك أن مجرد ابداء هذه الرغبة يحمل نوعا من الاعتذار لهما والرغبة في تعويضهما‏..‏

حسام هداية 08-25-2011 06:30 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

خطوات البرنامج‏!‏


بـريــد الأهــرام
42872
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
23
‏3 ربيع الأول 1425 هـ
الجمعة


تعليقا علي ما نشر في بريد الجمعة تحت عنوان بداية التجربة أود أن أوضح ان قلة عدد طلبات الزواج من الشباب قد يرجع أيضا إلي ضعف الإمكانات المادية عند الشباب‏,‏ مما يشعر الشاب بالعجز والضعف والخوف من تحمل المسئولية‏..‏ وذلك بعد أن أصبح الزواج من الرفاهيات بالنسبة له نظرا لما له من متطلبات رهيبة‏.‏


ولقد بدأنا بالفعل في السعي بخطوات ثابتة علي هذا الطريق‏,‏ ونحاول ان ننفذ هذا البرنامج لمساعدة الشباب علي الزواج بالخطوات التالية‏:‏



‏1-‏ تأجير شقة بالقانون الجديد ـ لفترة لاتقل عن خمس سنوات‏.‏


‏2-‏ تصنيع الأثاث عند من يرتضي لنفسه بهامش بسيط من الربح‏,‏ ولدينا من يساندنا بكل قوة في هذا المجال‏.‏



‏3-‏ تجهيز الشقة عن طريق كل من يستطيع المساهمة ولو بشئ بسيط مما يحتاجه أي بيت مثل‏(‏ نجفة وسجادة ومروحة وثلاجة‏..‏ الخ‏).‏


ثم اختيار شاب مثقف‏,‏ وليعلم الجميع أن المشاركة في مثل هذا العمل أو تنفيذه‏..‏ كل في محيطه‏,‏ يعد صدقة جارية تحتسب له مادام هذا البيت قائما‏.‏



وأنا أري والله أعلم أن إعفاف الشباب أفضل من تكرار الحج والعمرة للقادرين علي ذلك‏.‏


وأطرح عليكم وعلي قرائكم هذا البرنامج عسي ان يستفيد به بعض الراغبين في مساعدة الشباب علي الإعفاف‏..‏ فتتعاون مجموعة منهم علي تنفيذ هذا البرنامج مع شاب أو أكثر حسب قدراتهم وشكرا‏.‏



ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏


الفكرة جديرة بالدراسة بالفعل‏..‏ وهي ان انتشرت فلسوف تساعد شبابا كثيرين علي إعفاف أنفسهم وتكوين اسرهم الصغيرة‏..‏ وتخفف من احساسهم بالحرمان واليأس من المستقبل‏,‏ وتفتح أبواب الأمل امام كثيرين‏,‏ وتحمي المجتمع من شرور عديدة‏..‏ انني اضع هذا البرنامج تحت انظار القراء ليستفيد به الباحثون عن مصارف للزكاة أكثر نفعا لمجتمعهم وأمتهم‏..‏ وشكرا لك‏.‏



حسام هداية 08-25-2011 06:32 PM

مشاركة: قصص من بريد الأهرام - قراءة في بعض ما كتب الرائع عبد الوهاب مطاوع
 

أصدقاء علي الورق


بـريــد الأهــرام
42872
‏السنة 128-العدد
2004
ابريل
23
‏3 ربيع الأول 1425 هـ
الجمعة


عندما قرأت رسالة الأشواك الدامية شعرت وكأن شوكة دامية قد غرست في قلبي‏,‏ فالبعض لايدرك قيمة النعم التي رزقه بهاالله إلا عندما يفقدها‏,‏ وذكرتني قصة هذه الأم البائسة‏,‏ التي تشكو من قسوة ابنتها وزوج ابنتها عليها‏,‏ بأحدهم الذي جعل لأمه غرفة في البدروم وهي مريضة لاتقوي علي الحركة وبين الحين والأخر اسمع صراخها ونداءها لأي احد ان يرد عليها‏,‏ فتتألم نفسي وأتذكر جدتي الراحلة وكيف كانت تدعو لي كلما قضيت لها حاجة من حوائجها‏,‏ وأتمني لو أنها مازالت علي قيد الحياة لأنعم بدعائها وعطائها‏..‏


فكيف وهذه الأم تستجدي الحنان من ابنتها‏,‏ وكيف تقف هذه الابنة الجاحدة امام ربها يوم القيامة وهي مذنبة بكبيرة عقوق الأم والتي فضلها الله وجعل الجنة تحت أقدامها‏..‏ وما أري إلا أن غشاوة الحب المزعوم تخفي الحق عن عين هذه الابنة‏,‏ وماهي إلا فترة قصيرة وتواجه متاعب الولادة‏,‏ وساعتها لن تحتاج الي أحد بقدر ما ستحتاج الي أمها‏,‏ ولن تجد أحدا يساعدها سواء كانت صديقة أو أم الزوج ـ بقدر ماكانت ستفعل أمها‏..‏ أما لوظلت في غيها هي وزوجها بعد ولادة الطفل‏,‏ فلسوف تتجرع من نفس الكأس التي أذاقتها لأمها‏,‏ وسيأتي ابنها بعد ذلك ـ الذي تخاف من أمها عليه ـ ويبعدها عن حياته وهي في أمس الحاجة إليه‏..‏ ولا أظن في تقديري ان هذا سيحدث‏,‏ لأن هذه الابنة سرعان ما سوف تفيق علي حقيقة زوجها وتهرع الي أمها التي نبذتها يوما باكية بين يديها‏..‏ وأنا أقول لهذه الأم تمسكي بالصبر‏,‏ وكما نصحك صاحب البريد بألا تفرطي في استجداء مشاعرهم‏,‏ أنصحك أنا بخبرتي المتواضعة أن تفرغي شحنة أمومتك الطاغية لمن يحتاجونها من الأطفال الصغار الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم‏,‏ ودور الأيتام موجودة في كل مكان‏,‏ ويكفي ان تستمعي الي نداء‏(‏ ماما‏)‏ من عشرات الأطفال الذين سيسعدهم بالتأكيد حنانك الدافق‏..‏


وأنا من جانبي يسعدني الاتصال بك تليفونيا إذا شئت أن تتخذيني بنتا ثانية ـ وليست بديلة


من رسالة للقارئة



راضية مصطفي عشوش


الطالبة بكلية التربية بكفر الشيخ



الساعة الآن 11:46 AM

Powered by Nile-Tech® Copyright ©2000 - 2026